سؤال يطرحه كثير من الباحثين الصادقين من المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء.
نقرأ في القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: 157].
فإذا كان الأمر كذلك، فأين نجد هذه النبوات في الكتاب المقدس؟ وهل تشير حقًا إلى النبي محمد ﷺ؟
في هذا المقال، نستعرض بأمانة وهدوء أشهر النصوص التي يُستشهد بها، ونفحص سياقها في الكتاب المقدس، لنصل معًا إلى فهم أوضح.
أولاً: نبوة “النبي الشبيه بموسى” في سفر التثنية
من أكثر النصوص التي يُشار إليها:
“أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ…” (سفر التثنية 18: 18)
🔹 لماذا يُفهم أن هذه النبوة عن محمد؟
- محمد ﷺ جاء من “إخوة” بني إسرائيل (هم الإسماعيليون العرب).
- كان نبيًا شريعة وسياسيًا وقائدًا، شبيهًا بموسى عليه السلام.
- جاء بعد موسى بقرون، مما ينطبق على تسلسل النبوة.
🔹 كيف يفهم المسيحيون هذا النص؟
- السياق المباشر في سفر التثنية يشير إلى سلسلة من الأنبياء الذين سيقيمهم الله لبني إسرائيل (آية 15: “نبيًا من وسطك، من إخوتك، مثلي، له تسمعون”).
- في العهد الجديد، يُطبّق الرسل هذه النبوة على يسوع المسيح، لأنه:
- جاء من بني إسرائيل (من نسل داود).
- كان وسيط عهد جديد كما كان موسى وسيط العهد القديم.
- كلّم الناس مباشرة بوحي الله، وليس عبر ملاك.
“فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ…” (أعمال الرسل 3: 22)
🔹 نقطة للتفكير:
هل “إخوتهم” تعني بالضرورة العرب؟ أم أن السياق الكتابي يُظهر أن النبوة كانت موجّهة أولاً لبني إسرائيل، ثم امتدت بركة إبراهيم لكل الأمم؟
ثانيًا: نبوة “النبي الأمي” في إشعياء 29
يُستشهد أحيانًا بهذه الآية:
“وَتَدْفَعُ الْكَلِمَةُ لِمَنْ لاَ يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ… وَيَقُولُ: لاَ أَعْرِفُ الْكِتَابَةَ” (إشعياء 29: 12)
🔹 أوجه الشبه:
- وصف النبي بأنه “لا يعرف الكتابة” يتوافق مع وصف القرآن للنبي محمد ﷺ بأنه “نبي أمي”.
🔹 السياق الكتابي:
- هذه الآية جزء من نبوة عن ديانة شكلية سائدة في زمن إشعياء، حيث الناس يقرأون الكلمات بشفاههم لكن قلوبهم بعيدة.
- “الكتاب” هنا يشير إلى لفافة مختومة، وليس إلى شخص لا يجيد القراءة.
- لا يوجد في السياق أي إشارة إلى مجيء نبي جديد من خارج إسرائيل.
🔹 ملاحظة هامة:
الكتاب المقدس لا ينقص من قدر النبي الأمي، بل يمدح البساطة والتواضع. لكن تطبيق هذه الآية على محمد ﷺ يحتاج إلى أدلة سياقية أقوى.
ثالثًا: “الفارقليط” في إنجيل يوحنا: هل هو محمد؟
في إنجيل يوحنا، يعد يسوع تلاميذه:
“وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، رُوحَ الْحَقِّ…” (يوحنا 14: 16-17)
الكلمة اليونانية الأصلية هي **Παράκλητος **(Parakletos)، وتعني “المُعزّي”، “الشفيع”، “المعين”.
🔹 لماذا يُربط هذا بمحمد؟
- بعض الباحثين يرون أن “أحمد” أو “محمد” قد تكون ترجمة أو تحريفًا لكلمة “بيريكليتوس” (Periklutos) اليونانية التي تعني “المحمود”.
- وصف الروح بأنه “يرشدكم إلى جميع الحق” (يوحنا 16: 13) يتوافق مع دور النبي الهادي.
🔹 كيف يفهم النص في سياقه؟
- يسوع يوضح أن هذا “المعزّي” هو “روح الحق” (يوحنا 14: 17)، وليس إنسانًا.
- يقول: “يَمْكُثُ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ” — وهذا ينطبق على الروح القدس الذي حلّ في التلاميذ يوم الخمسين، وليس على نبي يأتي بعد قرون.
- في نفس الإصحاح، يربط يسوع بين “الروح القدس” و”المعزّي” بشكل صريح (يوحنا 14: 26).
🔹 سؤال للتأمل:
إذا كان يسوع يعد تلاميذه بمعزٍّ يأتي “بعد وقت قصير” (أعمال 1: 4-5)، فهل ينطبق ذلك على مجيء محمد ﷺ بعد 600 سنة؟ أم أن الوعد كان لجيل التلاميذ أنفسهم؟
رابعًا: ما الذي تتنبأ به الأسفار حقًا عن المستقبل؟
بدلاً من البحث عن أسماء، لنرَ ما يقوله الكتاب المقدس بوضوح عن مجيء المخلص:
🔹 التوراة: نبوات عن “نسل المرأة” الذي يسحق رأس الحية (تكوين 3: 15)، وعن “شيلوه” الذي له يكون طاعة الشعوب (تكوين 49: 10).
🔹 المزامير: مزمور 22 يصف آلام المصلوب بتفاصيل مذهلة قبل قرون من الصلب.
🔹 إشعياء 53: يصف “عبد الرب” المتألم لأجل خطايا شعبه — نص يراه المسيحيون تطبيقًا تامًا على يسوع.
🔹 العهد الجديد: يؤكد أن “مَجْمُوعُ الْكَلِمَةِ هُوَ الْحَقُّ” (مزمور 119: 160)، وأن يسوع هو “الغاية للناموس” (رومية 10: 4).
خامسًا: نقطة اتفاق مهمة: الكتاب المقدس يدعو للتمييز
كلا الكتابين — القرآن والإنجيل — يدعوان إلى التثبّت وعدم قبول أي ادعاء دون برهان:
- يقول القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]
- ويقول العهد الجديد: “أَمَّا كُلُّ شَيْءٍ فَامْتَحِنُوهُ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ” (تسالونيكي الأولى 5: 21)
لذا، لا حرج أبدًا في أن نبحث بصدق: هل هذه النبوات تُطبّق حرفيًا على محمد ﷺ؟ أم أن لها معنى أعمق في سياق الوحي الكتابي؟
خلاصة للتفكير الشخصي
| الادعاء | النص المستشهد به | السياق الكتابي | سؤال للتأمل |
|---|---|---|---|
| نبي مثل موسى | تثنية 18: 18 | سلسلة أنبياء لإسرائيل | هل “الإخوة” تعني العرب أم بني إسرائيل؟ |
| النبي الأمي | إشعياء 29: 12 | نبوة عن ديانة شكلية | هل السياق يتحدث عن شخص أم عن حالة روحية؟ |
| الفارقليط | يوحنا 14-16 | وعد بالروح القدس للتلاميذ | هل “يمكث معكم إلى الأبد” ينطبق على نبي بشري؟ |
دعوة أخيرة: البحث عن الحق بقلب منفتح
أيها الباحث العزيز،
سواء كنت مسلمًا تبحث عن تأكيد إيمانك، أو مسيحيًا يريد فهم وجهة النظر الأخرى، أو باحثًا محايدًا — فإن الله يرى قلبك.
“وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ” (إرميا 29: 13)
لا نريد أن نثبت “صحة” كتاب على آخر بالجدال، بل أن نساعدك على:
- قراءة النصوص في سياقها الأصلي.
- فهم كيف يفسّر كل دين نبواته.
- اتخاذ قرار شخصي مبني على معرفة، لا على تقليد.
إذا أردت أن تبدأ رحلة القراءة، نقترح عليك:
- قراءة إنجيل يوحنا (سفر قصير يركّز على هوية المسيح).
- مقارنة آيات التثنية 18 مع أعمال الرسل 3 لفهم التفسير المسيحي.
- الصلاة بصدق: “اللهم، أرني الحق حقًا وارزقني اتباعه”.
“الحق يعرفكم، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32)
