هذا سؤال مهم يطرحه المسلمون:
إذا كان الختان وصية من الله منذ أيام إبراهيم، فلماذا لا يلتزم به المسيحيون اليوم؟
هل تخلّت المسيحية عن وصية إلهية؟
لنحاول أن نفهم الموضوع بهدوء، من خلال ما يقوله الكتاب المقدس، مع الإشارة أيضًا لما يذكره القرآن.
أولًا: الختان – علامة العهد القديم
في الكتاب المقدس، كان الختان علامة العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم.
“فَتَخْتَتِنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ” (تكوين 17: 11)
كان الختان إذًا:
- علامة خارجية
- تشير إلى الانتماء لشعب الله
- مرتبطة بعهد معين (عهد إبراهيم)
والقرآن أيضًا يشير إلى إبراهيم كمثال للإيمان والطاعة:
“ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا” (النحل 123)
ثانيًا: هل كان يسوع مختونًا؟
نعم. يسوع وُلد تحت الشريعة اليهودية، وتم ختانه.
“وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ، سُمِّيَ يَسُوعَ” (لوقا 2: 21)
وهذا مهم جدًا: يسوع لم يأتِ ليكسر الشريعة، بل ليتممها.
“مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ” (متى 5: 17)
ثالثًا: ماذا تغيّر بعد مجيء المسيح؟
هنا نصل إلى النقطة الأساسية. بحسب العهد الجديد، ما كان يرمز إليه الختان قد تحقق في المسيح.
لم يعد التركيز على العلامة الخارجية، بل على تغيير داخلي في القلب.
كما كُتب:
“لَيْسَ الْيَهُودِيُّ مَنْ هُوَ فِي الظَّاهِرِ… بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ” (رومية 2: 28-29)
رابعًا: قرار مهم في الكنيسة الأولى
عندما بدأ غير اليهود (الأمم) يؤمنون، ظهر سؤال كبير:
هل يجب عليهم أن يختتنوا ليكونوا من شعب الله؟
تمت مناقشة هذا الأمر بجدية بين الرسل، والنتيجة كانت واضحة:
“لاَ نُثَقِّلُ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ” (أعمال 15: 19)
أي أن الختان لم يُفرض عليهم.
خامسًا: ماذا قال بولس الرسول؟
شرح بولس الفكرة بشكل مباشر:
“لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ” (غلاطية 5: 6)
وقال أيضًا:
“وَبِهِ أَيْضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ… بِخِتَانِ الْمَسِيحِ” (كولوسي 2: 11)
الفكرة هنا أن:
- الختان الجسدي كان رمزًا
- لكن في المسيح، صار هناك “ختان روحي” أعمق
سادسًا: هل هذا إلغاء أم إكمال؟
قد يبدو للبعض أن المسيحية “ألغت” الختان… لكن بحسب الإنجيل، الفكرة مختلفة.
الأمر يشبه:
- ظلّ → ثم جاء الواقع
- رمز → ثم جاء المعنى الكامل
فالتركيز انتقل من:
- علامة في الجسد
إلى - تغيير في القلب والعلاقة مع الله
ماذا عن القرآن؟
اللافت أن القرآن، رغم تأكيده على ملة إبراهيم، لا يذكر الختان كفريضة صريحة مفروضة في نص قرآني مباشر.
بل يركّز أكثر على:
- الإيمان
- الطاعة
- القلب السليم
“يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الشعراء 88-89)
وهذا ينسجم مع الفكرة التي يطرحها الإنجيل عن أهمية الداخل قبل الخارج.
في النهاية…
المسيحية لم تتخلَّ عن قصد الله… بل تعلن أن ما كان يرمز إليه الختان قد تحقق في المسيح.
لم يعد السؤال: هل الإنسان مختون جسديًا؟
بل: هل قلبه متجه نحو الله؟
