كثيراً ما يسمع القارئ المسلم أن قصة الصليب هي رواية إنجيلية بحتة، وأن الاعتماد عليها كدليل تاريخي يعني الدوران في حلقة مغلقة: الإنجيل يشهد لنفسه. هذا سؤال مشروع تماماً، بل هو من الأسئلة التي يطرحها المؤرخون أنفسهم قبل أن يطرحها أي طرف ديني: هل هناك من كتب عن صلب يسوع من خارج دائرة أتباعه؟
الجواب — بحسب المؤرخين المتخصصين في هذه الحقبة، من المسيحيين وغير المسيحيين على حد سواء — هو نعم، وإن كانت هذه الشواهد قليلة العدد ومقتضبة، كما هو متوقّع من أي شخصية عادية في نظر الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول. سنعرض هنا أربعة مصادر تاريخية مستقلة عن الكتاب المقدس، ثم نضع الأمر كله في مواجهة السؤال القرآني الأعمق: ما الذي حدث فعلاً على الصليب؟
١. تاسيتُس — المؤرخ الروماني الذي كرِه المسيحيين
تاسيتُس (56–120م تقريباً) كان أعظم مؤرخي روما في عصره، وعضواً في مجلس الشيوخ. في كتابه «الحوليات» (Annals)، المؤلَّف نحو سنة 116م، يشرح كيف اتُّهم الإمبراطور نيرون بإشعال حريق روما الكبير سنة 64م، وكيف حوّل نيرون الاتهام إلى جماعة يبغضها الناس يسمّونها «المسيحيين». يكتب تاسيتُس بنبرة ازدراء واضحة تجاه هذه الجماعة، مما يجعل شهادته أبعد ما تكون عن التعاطف مع المسيحية:
| «المسيح، الذي أخذوا عنه هذا الاسم، أُنزلت به أقسى العقوبات في عهد طيباريوس، على يد أحد ولاتنا، بيلاطس البنطي، فتوقّفت هذه الخرافة المؤذية للحظة، ثم عادت للظهور من جديد، لا في اليهودية فحسب، منشأ هذا الشر، بل حتى في روما.» تاسيتُس، الحوليات، الكتاب الخامس عشر، الفقرة ٤٤ |
أهمية هذا النص لا تكمن في تفاصيله — فهو مقتضب جداً — بل في مصدره: مؤرخ روماني وثني، لا مصلحة له في تأييد المسيحية، بل يحتقرها صراحةً، يذكر بشكل عرضي أن «المسيح» أُعدم في عهد طيباريوس على يد بيلاطس البنطي. وهذا يوافق تماماً ما تذكره الأناجيل عن توقيت الصلب وهوية الحاكم الروماني الذي أمر به.
٢. يوسيفوس — المؤرخ اليهودي وشقيق يعقوب
فلافيوس يوسيفوس (37–100م تقريباً) كان مؤرخاً يهودياً كتب باللغة اليونانية لصالح البلاط الروماني. في كتابه «العاديات اليهودية» (Jewish Antiquities)، ورد نصان يتعلقان بيسوع:
النص الأول: «الشهادة الفلافية» (Testimonium Flavianum)
هذا النص، في العاديات ١٨:٦٣–٦٤، هو موضع الجدل الأكبر بين المؤرخين. النسخة التي وصلتنا تحمل عبارات تبدو مسيحية العقيدة صراحة (مثل وصف يسوع بأنه «المسيح» والإشارة إلى قيامته)، وهو ما يجعل غالبية الباحثين — من مؤمنين وعلمانيين — يرون أن النص الأصلي الذي كتبه يوسيفوس قد أُضيفت إليه لاحقاً عبارات من نسّاخ مسيحيين، بينما بقي فيه نواة يوسيفية أصيلة تشمل ذكر إعدام يسوع على يد بيلاطس.
بعبارة أخرى: النص بصورته الحالية غير موثوق بالكامل، لكن أكثر الباحثين لا يرفضونه كلياً، بل يرون أن يوسيفوس تحدّث فعلاً عن يسوع وعن إعدامه، وأن ما أُضيف إليه لاحقاً هو الصياغات العقدية الصريحة فقط. لهذا السبب لا يُعتمد هذا النص وحده كدليل حاسم، بل يُذكر بحذر منهجي.
النص الثاني: الإشارة إلى يعقوب أخي يسوع
أما النص الثاني، في العاديات ٢٠:٢٠٠، فهو أقل إثارة للجدل بكثير، ويحظى بقبول شبه إجماعي بين الباحثين. يصف يوسيفوس فيه محاكمة أُعدم فيها رجل يُدعى يعقوب:
| «…أخو يسوع، الذي يُدعى المسيح، ويُسمّى يعقوب…» يوسيفوس، العاديات اليهودية، ٢٠:٩:١ (٢٠٠) |
هذا النص عرضي تماماً — يوسيفوس لا يتحدث هنا عن يسوع نفسه، بل يذكره فقط لتعريف هوية يعقوب. وهذا بالضبط ما يمنحه قوة تاريخية: لا يبدو أن أحداً أقحمه لاحقاً لأغراض عقدية، إذ لا يحمل أي مضمون لاهوتي، بل هو مجرد إشارة عابرة تفترض أن القارئ يعرف من هو «يسوع الذي يُدعى المسيح» أصلاً — وهذا يعني أن يوسيفوس تحدّث عنه في موضع سابق (وهو الشهادة الفلافية).
٣. لوقيانوس الساموساطي — الساخر الذي استهزأ بالمسيحيين
لوقيانوس (115–200م تقريباً) كان كاتباً ساخراً يونانياً، لا يُخفي احتقاره للمسيحيين ووصفه لهم بالسذاجة والغفلة. في مقالته الساخرة «موت بيريغرينوس»، يسخر من فيلسوف متجوّل اعتنق المسيحية، ويذكر عرضاً مؤسس هذه الديانة:
| «…كان ثانياً بعد ذلك الذي ما زالوا يعبدونه حتى اليوم، الرجل الذي صُلب في فلسطين لأنه أدخل إلى العالم هذه العبادة الجديدة.» لوقيانوس، موت بيريغرينوس، الفقرة ١١ |
لا يذكر لوقيانوس اسم «يسوع» صراحة، لكنه يشير إليه بوضوح باعتباره مؤسس الديانة المسيحية «الذي صُلب في فلسطين». وهذه شهادة أخرى من مصدر معادٍ للمسيحية تماماً، مما يستبعد فرضية أنها منقولة عن مصدر مسيحي متعاطف.
٤. التلمود — الرواية اليهودية المضادة
التلمود البابلي، في مقالة سنهدرين ٤٣أ، يحتوي على نص جدلي يعود على الأرجح إلى القرون الثلاثة الأولى الميلادية، ويتحدث عن إعدام شخص يُدعى «يشوع» (Yeshu) — وهو اسم يرى أغلب الباحثين أنه يشير إلى يسوع الناصري:
| «في عشية الفصح عُلِّق يشوع. ونادى مناد قبل ذلك بأربعين يوماً: يشوع سيُرجم لأنه مارس السحر وأغوى إسرائيل وأضلّهم؛ فمن يعرف له عذراً فليأتِ ويدافع عنه. فلمّا لم يأتِ أحد بعذر، عُلِّق في عشية الفصح.» التلمود البابلي، سنهدرين ٤٣أ |
هذا النص لافت لأنه معادٍ تماماً ليسوع — يتّهمه بـ«السحر» و«إغواء إسرائيل» — أي أنه ليس نصاً مسيحياً مُدسوساً، بل شهادة يهودية مضادة تماماً لدعوى يسوع. ومع ذلك فهي تتفق مع الأناجيل في نقطتين جوهريتين: أن يسوع أُعدم قرب عيد الفصح، وأن السلطات الدينية اليهودية كانت طرفاً في محاكمته. أما لفظ «عُلِّق» (hanged) فمفسِّرون يهود ومسيحيون كثيرون يرونه إشارة إلى الصلب، إذ كان اليهود يستخدمون فعل «التعليق» أحياناً للدلالة على تعليق الجثة على خشبة بعد الإعدام، وهو ما يستحضر مباشرة عبارة سفر التثنية (٢١: ٢٣) عن «المعلَّق على خشبة».
ما الذي تثبته هذه المصادر مجتمعة؟
من المهم أن يكون القارئ دقيقاً في تقييم هذه الشواهد: هي مصادر متأخرة نسبياً (بين ستين ومئة وخمسين سنة بعد الحدث)، وهي مقتضبة، وبعضها (الشهادة الفلافية) موضع جدل حول أصالته الكاملة. لكنها تشترك جميعاً في نقطة واحدة تستحق التأمل: لا يوجد ولو مصدر تاريخي واحد من العالم القديم — روماني أو يهودي، مؤيد أو معادٍ — يشكّك في أن يسوع الناصري صُلب فعلياً على يد السلطة الرومانية في عهد بيلاطس البنطي.
| المصدر | الموقف من المسيحية | ما يذكره |
| تاسيتُس (١١٦م تقريباً) | معادٍ | إعدام «المسيح» في عهد طيباريوس على يد بيلاطس |
| يوسيفوس (٩٣م تقريباً) | يهودي محايد | إعدام يسوع؛ ويعقوب «أخو يسوع الذي يُدعى المسيح» |
| لوقيانوس (١٧٠م تقريباً) | ساخر معادٍ | «الرجل الذي صُلب في فلسطين» |
| التلمود (سنهدرين ٤٣أ) | يهودي معادٍ | «تعليق» يشوع عشية الفصح بتهمة السحر |
السؤال القرآني الأعمق: ماذا حدث فعلاً؟
هنا يطرح القارئ المسلم سؤالاً مختلفاً تماماً عن سؤال «هل حدث إعدام على الصليب من الأساس»، إذ القرآن لا ينكر أن هناك حدث صلب تاريخياً وقع في فلسطين، بل ينكر أن عيسى عليه السلام هو من كان على تلك الخشبة فعلاً:
| ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ سورة النساء: ١٥٧ |
فسّر جمهور المفسرين المسلمين، كابن كثير والطبري والقرطبي، هذه الآية بأن الله ألقى شبَه عيسى على شخص آخر، فظنّ الحاضرون أنهم صلبوا عيسى بينما هو — بحسب هذه القراءة — رُفع إلى السماء ولم يُصلب أصلاً. وهذا يعني أن السؤال بين المسلم والمسيحي ليس عن وجود حدث الصلب في التاريخ (وهو ما تتفق عليه المصادر الأربعة السابقة اتفاقاً يكاد يكون كاملاً)، بل عن هوية من كان عليه.
وهنا بالضبط تكمن الصعوبة أمام أي محاولة للتوفيق بين الروايتين: فالمصادر التاريخية الأربعة — تاسيتُس ويوسيفوس ولوقيانوس والتلمود — لا تعرف شيئاً عن «شبيه» أو استبدال، بل تتحدث جميعها، بوضوح تام، عن يسوع نفسه بوصفه من أُعدم. لم يسجّل أي مؤرخ قديم، لا معادٍ ولا محايد، أي إشارة إلى التباس في الهوية أو نجاة يسوع من الصليب. هذا لا يحسم الجدل اللاهوتي — فالمصادر التاريخية بطبيعتها تنقل ما شهده الناس واعتقدوه، لا بالضرورة ما جرى في الغيب — لكنه يوضح لماذا يرى أغلب المؤرخين، بمن فيهم كثير من غير المسيحيين، أن حدث الصلب نفسه من أثبت الوقائع في سيرة يسوع التاريخية، بصرف النظر عن التفسير اللاهوتي الذي يعطيه كل قارئ لهذا الحدث.
قائمة للقراءة المباشرة
- تاسيتُس، الحوليات، الكتاب الخامس عشر، الفقرة ٤٤
- يوسيفوس، العاديات اليهودية، الكتاب الثامن عشر، الفصل الثالث، والكتاب العشرون، الفصل التاسع
- لوقيانوس الساموساطي، موت بيريغرينوس
- التلمود البابلي، سنهدرين ٤٣أ
- سورة النساء، الآيات ١٥٥–١٥٩، مع تفسير الطبري وابن كثير
- الأناجيل الأربعة: متى ٢٧، مرقس ١٥، لوقا ٢٣، يوحنا ١٩
إذا اتفق التاريخ على أن رجلاً اسمه يسوع صُلب فعلاً في فلسطين على يد الرومان، فما الذي يجعل إنساناً — مسلماً كان أو مسيحياً — يقبل رواية دون أخرى في تفسير هذا الحدث؟
