مدخل
من أكثر الأسئلة التي تُطرح حول المسيحية:
كيف تكوَّن الكتاب المقدس؟ ومن الذي قرر أن هذه الأسفار “مقدسة” بينما تُرفض كتب أخرى؟ وهل كان الأمر مجرد قرار سياسي اتخذته الكنيسة لاحقاً؟
هذه الأسئلة مشروعة، خصوصاً عندما يكتشف القارئ أن الكتاب المقدس ليس كتاباً نزل دفعة واحدة، بل مجموعة أسفار كُتبت عبر قرون طويلة. لكن الصورة الحقيقية تختلف كثيراً عن التصورات الشائعة.
فالكنيسة لم “تخترع” الكتاب المقدس من فراغ، ولم يجلس أشخاص في مجمع سري ليؤلفوا العقيدة كما يتخيل البعض. بل جرى الأمر بطريقة تاريخية وتدريجية، اعتمدت على ما تسلَّمته جماعات المؤمنين منذ البداية، وما تأكدت من صحته عبر الزمن.
أولاً: ماذا يعني “الكتاب المقدس”؟
الكتاب المقدس هو مجموعة من الأسفار التي آمن اليهود والمسيحيون بأنها موحى بها من الله.
وينقسم إلى قسمين:
- العهد القديم: وهو الكتب التي سبقت مجيء المسيح، وتشمل التوراة والمزامير وكتب الأنبياء.
- العهد الجديد: ويشمل الأناجيل ورسائل الرسل وسفر الرؤيا.
وقد كُتبت هذه الأسفار على مدى أكثر من ألف سنة، بواسطة أنبياء ورسل وكتّاب مختلفين، لكن جميعها تدور حول قصة واحدة: علاقة الله بالإنسان وخطة الخلاص.
ثانياً: كيف جُمعت أسفار العهد القديم؟
قبل ظهور المسيحية بقرون، كان اليهود يحتفظون بأسفارهم المقدسة بعناية شديدة.
وكانت هذه الكتب تُقرأ في المجامع اليهودية وتُنسخ بدقة كبيرة. وقد أشار المسيح نفسه إلى هذه الأسفار واعترف بسلطانها، فقال:
“الْكِتَابُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ”
(يوحنا 10: 35)
كما قال:
“لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسِ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا.”
(متى 11: 13)
أي أن يسوع تعامل مع كتب العهد القديم باعتبارها كلمة الله الموثوقة.
ومن المهم أن نلاحظ أن الكنيسة المسيحية لم تخترع العهد القديم، بل ورثته من اليهود الذين حافظوا عليه قبل المسيح بزمن طويل.
ثالثاً: كيف ظهر العهد الجديد؟
العهد الجديد لم ينزل ككتاب واحد، بل كُتب تدريجياً بعد قيامة المسيح.
ففي البداية، كان الرسل يبشرون شفهياً بما رأوه وسمعوه من يسوع. ثم بدأت تُكتب الأناجيل والرسائل لتوثيق التعليم المسيحي وحفظه.
- فكتب متى ومرقس ولوقا ويوحنا الأناجيل.
- وكتب بولس وبطرس ويعقوب وغيرهم رسائل إلى الكنائس.
- ثم جُمعت هذه الكتابات وتداولتها الجماعات المسيحية فيما بينها.
نقرأ مثلاً أن بولس طلب تبادل الرسائل بين الكنائس:
“وَمَتَى قُرِئَتْ عِنْدَكُمْ هذِهِ الرِّسَالَةُ، فَاجْعَلُوا تُقْرَأُ أَيْضًا فِي كَنِيسَةِ اللَّاوُدِكِيِّينَ.”
(كولوسي 4: 16)
وهذا يدل على أن المسيحيين منذ القرن الأول كانوا يعتبرون هذه الرسائل ذات أهمية روحية وتعليمية كبيرة.
رابعاً: كيف عرفت الكنيسة أي الكتب موحى بها؟
هذا هو السؤال الأهم.
الكنيسة لم تختر الأسفار بشكل عشوائي، بل استخدمت معايير واضحة لمعرفة الكتب التي تعود فعلاً إلى الرسل وتعليمهم.
ومن أهم هذه المعايير:
1. الأصل الرسولي
أي: هل كُتب السفر بواسطة رسول، أو شخص قريب جداً من الرسل؟
فالأناجيل الأربعة ارتبطت مباشرة بشهود المسيح ورسله.
2. التوافق مع التعليم المسيحي المعروف
إذا ظهر كتاب يحمل أفكاراً غريبة تناقض ما علّمه المسيح والرسل، كانت الكنيسة ترفضه.
ولهذا رُفضت كتب ظهرت لاحقاً وتحمل أفكاراً غنوصية أو خيالية، مثل بعض “الأناجيل” المتأخرة التي لم يعرفها المسيحيون الأوائل.
3. الاستخدام الواسع بين الكنائس
الأسفار القانونية لم تكن معروفة في مدينة واحدة فقط، بل كانت تُقرأ في الكنائس المنتشرة عبر مناطق مختلفة من العالم القديم.
فإذا كان كتاب ما مستخدماً باستمرار في العبادة والتعليم منذ وقت مبكر، اعتُبر دليلاً قوياً على أصالته.
خامساً: هل مجمع نيقية هو الذي قرر الكتاب المقدس؟
هذه فكرة منتشرة جداً، لكنها غير صحيحة تاريخياً.
مجمع نيقية الأول لم يجتمع لاختيار الأناجيل أو “اختراع” الكتاب المقدس، بل كان هدفه الأساسي معالجة الخلاف حول طبيعة المسيح والرد على تعليم آريوس.
وفي الحقيقة، كانت معظم أسفار العهد الجديد معروفة ومتداولة بين الكنائس قبل مجمع نيقية بوقت طويل.
لدينا كتابات مسيحية من القرن الثاني والثالث تقتبس من الأناجيل ورسائل بولس باعتبارها أسفاراً مقدسة بالفعل.
أي أن المجامع الكنسية لم “تخلق” الكتاب المقدس، بل أكدت رسمياً ما كانت الكنيسة تستخدمه منذ زمن.
سادساً: ماذا عن الكتب التي لم تدخل الكتاب المقدس؟
هناك كتب قديمة كثيرة تُنسب إلى شخصيات دينية، مثل “إنجيل توما” أو “إنجيل يهوذا”.
لكن معظم هذه الكتب كُتب بعد زمن الرسل بمدة طويلة، وتحمل أفكاراً مختلفة تماماً عن الإيمان المسيحي الأول.
ولهذا لم تقبلها الكنيسة، ليس بدافع المؤامرة، بل لأنها لم تستوفِ المعايير السابقة.
بل إن بعض هذه الكتب لم يكن معروفاً أصلاً عند أغلب المسيحيين في القرون الأولى.
سابعاً: هل تعرّض الكتاب المقدس للتحريف أثناء جمعه؟
من المهم التمييز بين أمرين:
- جمع الأسفار
- نسخ النصوص
أما من جهة النصوص، فالكتاب المقدس يتمتع بكم هائل من المخطوطات القديمة مقارنة بأي كتاب تاريخي آخر من العالم القديم.
ولدينا آلاف المخطوطات بلغات مختلفة، ما يسمح بمقارنة النصوص واكتشاف أي اختلافات بسيطة حدثت أثناء النسخ عبر القرون.
ولهذا يستطيع الباحثون اليوم إعادة النص الأصلي بدرجة عالية جداً من الدقة.
ماذا يقول القرآن عن التوراة والإنجيل؟
القرآن نفسه يتحدث باحترام عن التوراة والإنجيل، ويصفهما بأن فيهما هدى ونور:
“وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ”
(المائدة 43)
ويقول أيضاً:
“وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ”
(المائدة 46)
وهذا يفتح باباً مهماً للتأمل: إذا كانت هذه الكتب معروفة ومحفوظة زمن المسيح والقرون الأولى، فمن الطبيعي أن يسأل الإنسان بجدية: ما الذي تقوله فعلاً عن الله والمسيح والخلاص؟
خاتمة
الكتاب المقدس لم يظهر فجأة، ولم يُفرض بقرار سياسي متأخر، بل تكوَّن عبر تاريخ طويل من الحفظ والتداول والشهادة الجماعية.
فالكنيسة لم “تمنح” الأسفار سلطانها، بل اعترفت بالأسفار التي كانت تحمل هذا السلطان منذ البداية، لأنها ارتبطت بالأنبياء والرسل وتعليم المسيح نفسه.
وربما يبقى السؤال الأهم ليس فقط:
كيف جُمِع الكتاب المقدس؟
بل أيضاً:
هل نحن مستعدون أن نقرأه بأنفسنا، ونكتشف الرسالة التي حملها عبر القرون؟
