من أقدم الأسئلة التي يطرحها القارئ المسلم على المسيحي، وأكثرها إلحاحاً: كيف يقبل عقلٌ سليمٌ فكرة أن يتنازل الله — القادر، المنزّه، الذي لا يشبهه شيء — عن جلاله ليظهر في هيئة إنسان يأكل ويتعب وينام؟ أليس هذا انتقاصاً من الألوهية؟ أليس الأولى أن يبقى الله في علوّه، ويرسل رسله كما أرسل موسى وإبراهيم ومحمداً، بلا حاجة إلى أن يتجسد بنفسه؟
هذا السؤال مشروع تماماً، وهو ليس سؤالاً معادياً بل سؤالاً يمسّ جوهر التوحيد نفسه. والإسلام يجيب عنه بوضوح تام: الله منزّه عن أن يتخذ صورة، وعن أن يلد أو يولد، وعن أن يحلّ في خلقه. والمسيحية، من جهتها، لا تنكر هذا التنزيه، بل تنطلق منه لتطرح سؤالاً آخر: هل التنزيه يعني أن الله لا يمكن أن يقترب من خلقه، أم أن اقترابه هو بالذات ما يليق بكماله المطلق؟
في هذا المقال نعرض المنطق الإسلامي في تنزيه الله عن الصورة والحلول بكل قوته، ثم نعرض الجواب المسيحي عن سبب التجسد كما تفهمه الكنيسة، تاركين للقارئ أن يزن الحجتين بميزانه الخاص.
١. السؤال في صميمه: التنزيه الإسلامي
يقوم التوحيد الإسلامي على تنزيه الله تنزيهاً مطلقاً عن كل ما يوحي بالتجسيم أو المشابهة. وسورة الإخلاص، التي تعادل — بحسب الحديث النبوي — ثلث القرآن، تُلخّص هذا التنزيه في أربع آيات محكمة نزلت رداً على من سأل النبي محمداً ﷺ أن ينسب له ربّه.
| ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ سورة الإخلاص: ١-٤ |
والمفسرون يذكرون أن هذه السورة نزلت جواباً مباشراً على من نسب لله ولداً، سواء من قال إن الملائكة بنات الله، أو من قال عزير ابن الله، أو من قال المسيح ابن الله؛ فجاء النفي «لم يلد» أولاً لأنه ردّ على هذه الدعاوى تحديداً، ثم «ولم يولد» تنزيهاً له عن أن يكون صادراً عن أصل سابق. وابن كثير ينقل في تفسيره أن معنى الآية: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة.
من هذا المنطلق، فإن فكرة أن يظهر الله في صورة إنسان تبدو للعقل المسلم مناقضة لصفة «الصمد» ذاتها — الذي لا يحتاج ولا يُحتاج، ولا يتغيّر ولا يتجزّأ. فالتجسد، في هذا التصور، يعني أن يدخل الأزلي في الزمان، وأن يُحصر غير المحدود في جسد محدود، وهذا يبدو تناقضاً في ذات المفهوم قبل أن يكون مسألة إيمان.
٢. الجواب المسيحي: لماذا التجسد وليس مجرد الإرسال؟
المسيحية لا تختلف مع الإسلام في أن الله واحد لا شريك له، ولا في أنه منزّه عن الحاجة والتغيّر في ذاته. لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً: إذا كان الله محبة، وإذا كانت غايته أن يُعرَف ويُقتَرب منه، فهل الوسيلة الأكمل لذلك هي أن يبقى بعيداً ويرسل رسالة عن طريق رسول، أم أن يأتي هو نفسه ليُظهر تلك المحبة بصورة لا لبس فيها؟
الإنجيل يصف هذه اللحظة بعبارة موجزة وكثيفة المعنى، في مطلع إنجيل يوحنا الذي يبدأ بوصف «الكلمة» الأزلي الذي كان عند الله وكان الله:
| «وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا» إنجيل يوحنا ١: ١٤ |
اللافت في هذا النص أنه لا يقول إن الله «تحوّل» إلى إنسان أو «فقد» ألوهيته، بل يقول إنه «صار جسداً» و«حلّ بيننا» — أي أخذ الطبيعة البشرية إضافة إلى طبيعته الإلهية، لا بديلاً عنها. هذا هو ما تسميه اللاهوت المسيحي «التجسد»: اتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية في أقنوم واحد، دون أن تفنى إحداهما في الأخرى أو تختلطا.
مفهوم الإخلاء (Kenosis)
يشرح الرسول بولس هذا المعنى بدقة أكبر في رسالته إلى أهل فيلبي، مستخدماً فعلاً يونانياً يُترجم «أخلى نفسه»:
| «الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلهِ، لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ» رسالة فيلبي ٢: ٦-٧ |
هذا النص لا يصف تنازلاً عن الألوهية، بل تنازلاً عن مظاهر المجد والسلطان التي كانت له بحكم طبيعته الإلهية، من أجل أن يشارك الإنسان حاله من الداخل. المسيحية هنا لا تقول إن الله «تحجّم» أو «انتقص»، بل إنه اختار — بإرادته الحرة لا باضطرار — أن يظهر في صورة العبد لا في صورة الملك، وهذا عندها هو بالذات دليل الكمال لا نقيضه: فالقادر على كل شيء هو وحده القادر على أن يتنازل عن كل شيء طواعية.
٣. هل التنزيه يعني البعد، أم يحتمل القرب؟
هنا تكمن نقطة الافتراق الحقيقية بين التصورين. فالتنزيه الإسلامي يفهم كمال الله من خلال بُعده عن مشابهة الخلق: فهو ليس كمثله شيء، ولا يحلّ في شيء، ولا يتحد بشيء. أما اللاهوت المسيحي فيرى أن الله المتعالي القادر على كل شيء قادرٌ أيضاً — دون أن ينتقص من تعاليه — على أن يقترب من خليقته بالطريقة التي يختارها هو، لا بالطريقة التي يفرضها عليه العقل البشري مسبقاً.
ويستشهد بعض اللاهوتيين المسيحيين بنص مبكر في سفر التكوين، حين خلق الله الإنسان:
| «فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ» سفر التكوين ١: ٢٧ |
فيرون في هذا تمهيداً لاهوتياً: إذا كان الإنسان أصلاً مخلوقاً على «صورة» تحمل ملامح من صفات خالقه — العقل، الإرادة، القدرة على المحبة — فإن ظهور الله في صورة إنسان ليس اقتحاماً لعالم غريب عنه بالكلية، بل عودة الصورة إلى أصلها. وهذا تفسير مسيحي داخلي بحت، لا يوافق عليه الفكر الإسلامي، الذي يرفض أصلاً فكرة أن يكون للإنسان «صورة» تشبه صورة الله بأي معنى من المعاني.
كما يشير الإنجيل نفسه إلى أن رؤية الله المباشرة بذاته أمر يفوق طاقة البشر: «الله لم يره أحد قط» (يوحنا ١: ١٨)، وأن المسيح، بحسب الفهم المسيحي، هو الوسيلة التي بها يمكن للإنسان أن يرى شيئاً من الله دون أن يفنى أمام جلاله المباشر — وهو مبدأ لا يبعد كثيراً عن الفكرة القرآنية في طلب موسى رؤية الله وجواب الله له: ﴿لَن تَرَانِي﴾ (الأعراف: ١٤٣)، مع اختلاف جوهري في النتيجة بين الدينين.
٤. اعتراضات إسلامية مشروعة وردود مسيحية
الاعتراض الأول: التجسد يعني التغيّر، والله لا يتغيّر
هذا اعتراض قوي، ويشترك فيه كثير من علماء الكلام المسلمين. والجواب المسيحي أن التجسد، بحسب مجمع خلقيدونية (٤٥١م) الذي صاغ العقيدة الرسمية، لم يكن تحوّل اللاهوت إلى ناسوت، بل اتحاد الطبيعتين في أقنوم واحد «بلا اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا افتراق». بعبارة أخرى: الطبيعة الإلهية، بحسب هذا التصور، لم «تتغيّر»؛ بل «أضافت» إليها طبيعة بشرية كاملة. يبقى هذا تمييزاً دقيقاً يطلب من القارئ تأملاً هادئاً، لا رفضاً سريعاً ولا قبولاً سريعاً.
الاعتراض الثاني: هذا يشبه أساطير الآلهة الوثنية التي تتجسد في هيئة بشر
هذا الاعتراض يُطرح كثيراً، وفيه وجاهة تاريخية، إذ عرفت الأساطير اليونانية والرومانية آلهة تتخذ صوراً بشرية أو حيوانية بشكل عابر ولأغراض متقلبة. لكن اللاهوت المسيحي يميز بوضوح: التجسد في الفهم المسيحي حدث مرة واحدة، لا يتكرر، وليس تنكراً مؤقتاً بل اتحاداً دائماً بالطبيعة البشرية استمر — بحسب العقيدة — حتى بعد القيامة والصعود. وهو مرتبط بهدف أخلاقي واحد ثابت هو الفداء، لا بنزوة أو رغبة عابرة كما في الأساطير.
الاعتراض الثالث: كان يكفي أن يرسل الله رسولاً كما فعل مع الأنبياء السابقين
هذا هو جوهر المنطق القرآني في النبوة: الله يرسل رسلاً من البشر يبلّغون كلامه، ولا حاجة لأن يأتي هو بنفسه. والمسيحي يقرّ بأن هذا هو فعلاً النمط الذي جرى عليه الله مع الأنبياء من موسى إلى الأنبياء اللاحقين. لكنه يرى أن رسالة يسوع مختلفة نوعياً لا كمّاً: فهي ليست إبلاغاً لكلام عن الله، بل — بحسب الإيمان المسيحي — إظهاراً لشخص الله ذاته في المحبة والتضحية، وهو أمر لا يمكن أن يُبلَّغ بالكلمات وحدها بقدر ما يُظهَر بالفعل والحياة المُعاشة.
٥. مقارنة موجزة بين التصورين
| المحور | التصور الإسلامي | التصور المسيحي |
| طبيعة الله | منزّه مطلقاً، لا يشبه خلقه بأي وجه | متعالٍ في ذاته، لكنه قادر على القرب دون انتقاص |
| معنى «لم يلد ولم يولد» | نفي قاطع لأي نسبة جسدية أو ولادة لله | المسيحية لا تقول إن الله ولد المسيح جسدياً؛ التجسد ليس ولادة بالمعنى الحرفي |
| الهدف من إرسال الرسل | تبليغ الوحي دون حاجة لحضور الذات الإلهية | التجسد إظهار للذات لا مجرد تبليغ رسالة |
| رؤية الله | لا يُرى في الدنيا؛ سؤال موسى قوبل بـ﴿لَن تَرَانِي﴾ | لا يُرى مباشرة، لكن يُرى «فيه» عبر المسيح بحسب الإيمان المسيحي |
| الثابت المشترك | الله واحد لا شريك له، ولا يحتاج إلى خلقه | الله واحد في الجوهر، ولا يحتاج إلى خلقه |
✦ ✦ ✦
للتأمل
بين تنزيه يرى في البعد كمالاً، وتجسد يرى في القرب كمالاً أعظم، يبقى السؤال مفتوحاً أمام كل قارئ: هل الأليَق بالله أن يبقى بعيداً عن ألمنا لأنه أعلى منه، أم أن يقترب منه بنفسه لأنه قادر على أن يفعل ما لا يقدر عليه أحد سواه؟ وهل التنزيه الحقيقي هو أن نحصر الله فيما نتصوره لائقاً به، أم أن نترك له وحده أن يقرر كيف يُظهر ذاته لخلقه؟
للقراءة المباشرة
- سورة الإخلاص، الآيات ١-٤
- سورة الأعراف، الآية ١٤٣ (طلب موسى رؤية الله)
- إنجيل يوحنا، الإصحاح الأول، الآيات ١-١٨
- رسالة بولس إلى أهل فيلبي، الإصحاح الثاني، الآيات ١-١١
- سفر التكوين، الإصحاح الأول، الآية ٢٧
