حين تقرأ الأناجيل، يلفت انتباهك شيء يتكرر باستمرار: يسوع لا يقول «يا الله» ولا «يا ربّ» ولا «يا خالق» — بل يقول «أبي».
هذه الكلمة الصغيرة ليست عادةً لغوية. كانت — في سياقها — إعلاناً استفزّ خصومه، وحيّر تلاميذه، ولا يزال يستوقف القارئ حتى اليوم.
ما الذي أراد يسوع قوله حين نادى الله «أبي»؟ هل هو مجاز شعري؟ علاقة روحية؟ أم ادّعاء لاهوتي؟
أولاً — السياق: هل كان الله «أباً» في الفكر اليهودي؟
السؤال المهم أولاً: هل كانت كلمة «الأب» غريبة عن الثقافة الدينية التي نشأ فيها يسوع؟
الجواب: لا — لكن بمعنى مختلف جداً.
في العهد القديم، «الأب» يُطلَق على الله في سياقات محددة: الله أبٌ للشعب الإسرائيلي كجماعة، أو لملك إسرائيل بوصفه ممثلاً للأمة. يقول سفر المزامير:
“أنت أبي، إلهي وصخرة خلاصي.” — مزمور ٨٩: ٢٦
لكن هذه الأبوّة كانت دائماً جماعية أو رمزية — لم يكن من المألوف أن يخاطب الفرد اليهودي الله بـ«أبي» في صلاته الخاصة كلقب حميم شخصي.
يسوع فعل شيئاً مختلفاً: جعل «أبي» خطابه الثابت والشخصي لله في كل صلاة، وفي كل تعليم.
ثانياً — «أبّا» — الكلمة التي احتفظ بها الإنجيل بالآرامية
في ليلة القبض عليه، حين كان يسوع في جثسيماني تحت ثقل ما ينتظره، صلّى بكلمة واحدة احتفظ بها الإنجيل كما نطقها — بالآرامية — دون ترجمة:
“أبّا، أيها الآب، كل شيء مستطاع لك، فأبعد عني هذه الكأس.” — مرقس ١٤: ٣٦
«أبّا» — كلمة آرامية لا يعادلها في العربية حرفياً إلا «بابا» أو «يا أبت» بدلالة حميمة جداً. لم تكن تُستخدَم لمخاطبة الله في الصلاة اليهودية المعتادة — كانت كلمة طفل يخاطب أباه في ثقة ودفء.
حين كتب بولس لاحقاً عن تجربة المسيحيين مع الله، استخدم هو أيضاً هذه الكلمة بالذات:
“لم تقبلوا روح العبودية للخوف، بل قبلتم روح التبنّي الذي به نصرخ: أبّا، أيها الآب!” — رومية ٨: ١٥
الكلمة لم تكن عشوائية — كانت تحمل ثقلاً وجدانياً ولاهوتياً معاً.
ثالثاً — كم مرة قالها يسوع؟ نظرة في الأناجيل
| الموقف | الكلمة | الإنجيل |
| تعليم الصلاة | «أبانا الذي في السموات» | متى ٦: ٩ |
| دعوة التلاميذ | «أبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون» | متى ٦: ٣٢ |
| صلاة جثسيماني | «أبّا، أيها الآب» | مرقس ١٤: ٣٦ |
| صلاة يوحنا ١٧ | «أيها الآب، جاءت الساعة» | يوحنا ١٧: ١ |
| على الصليب | «أبتاه، لماذا تركتني» | متى ٢٧: ٤٦ |
| آخر كلماته | «أبتاه، في يدَيك أستودع روحي» | لوقا ٢٣: ٤٦ |
في إنجيل يوحنا وحده، يخاطب يسوع الله بـ«الآب» ما يزيد على مئة مرة. هذا نمط ثابت ومتعمَّد — لا تعبير عاطفي عارض.
رابعاً — لماذا استفزّ هذا خصومه؟
القصة في إنجيل يوحنا الإصحاح الخامس كاشفة:
شفى يسوع رجلاً مريضاً في يوم السبت — وهذا وحده كان كافياً لإثارة الجدل. لكن حين سُئل، قال:
“أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل.” — يوحنا ٥: ١٧
كان رد الحاضرين شديداً:
“لهذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فحسب، بل قال أيضاً إن الله أبوه، مساوياً نفسه بالله.” — يوحنا ٥: ١٨
القضية هنا ليست أن يسوع قال «الله أبو الجميع» — فهذا لم يكن يثير ضجة. القضية أنه قال «أبي» بصيغة تدل على علاقة خاصة حصرية، ثم استخدمها لتبرير فعله يوم السبت — وهو ما فهمه السامعون على الفور كادّعاء بالمساواة مع الله.
خامساً — ماذا يعني «الأب» في تعليم يسوع؟ ثلاثة معانٍ
١. الأبوّة كمصدر الوجود
يسوع يقول في إنجيل يوحنا:
“أنا والآب واحد.” — يوحنا ١٠: ٣٠
“من رآني فقد رأى الآب.” — يوحنا ١٤: ٩
هذه ليست صياغة «الطاعة للسيد» أو «الخضوع للخالق» — بل وحدة وجودية أعمق. المسيحيون يفهمون هذا على أنه يشير إلى طبيعة واحدة مشتركة.
٢. الأبوّة كعلاقة محبة أزلية
في «صلاة الكهنوت الكبرى» في يوحنا ١٧، يتحدث يسوع عن محبة كانت قبل وجود العالم:
“أيها الآب، أحببتني قبل إنشاء العالم.” — يوحنا ١٧: ٢٤
هذه ليست علاقة نشأت مع الخلق — بل علاقة سابقة للزمن نفسه. المسيحية تفهم هذا على أن الله بطبيعته علاقة: ليس وحيداً في ذاته، بل الآب والابن والروح في وحدة أزلية.
٣. الأبوّة كنموذج تُدعى إليه البشرية
يسوع لم يحتجز هذه العلاقة لنفسه — بل دعا تلاميذه إلى نفس المخاطبة:
“هكذا فصلّوا أنتم: أبانا الذي في السموات.” — متى ٦: ٩
لكنه حافظ دائماً على تمييز دقيق في صياغته: «أبي» و«أبوكم» — لم يقل «أبونا» جمعاً يضم نفسه مع التلاميذ بالمعنى ذاته. كأنه يشير إلى أن الأبوّة التي بينه وبين الله مختلفة نوعياً، وإن كانت تفتح الباب لأبوّة الله للآخرين.
سادساً — الاعتراض الإسلامي وكيف يُجيب المسيحيون
القرآن يرفض صريحاً أن يكون لله ولد:
“وقالوا اتخذ الرحمن ولداً. لقد جئتم شيئاً إدّاً.” — مريم: ٨٨-٨٩
هذا الاعتراض القرآني يستهدف تحديداً فكرة أن الله «أنجب» ابناً بمعنى جسدي — كما تتخيله الأساطير الوثنية. وفي هذا المعنى، كثير من اللاهوتيين المسيحيين يوافقون على الرفض: الله لم «يُنجب» ولداً كما ينجب البشر.
المسيحيون يوضّحون أن «الابن» هنا ليس ولادة زمنية — بل علاقة أزلية داخل ذات الله. الكلمة مجازية بمعنى، لكنها تشير إلى حقيقة أعمق من المعنى الجسدي.
الخلاف الحقيقي إذن ليس في لفظ «الأب والابن» — بل في فهم طبيعة هذه العلاقة: هل هي ولادة جسدية (وهو ما يرفضه الجميع)؟ أم علاقة وجودية أزلية (وهو ما يقوله المسيحيون)؟
سابعاً — ماذا يعني هذا للمؤمن المسيحي؟
ربما أجمل ما كتبه بولس في هذا الباب هو هذا:
“لأن الذين يُقادون بروح الله هؤلاء هم أبناء الله… والروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أبناء الله.” — رومية ٨: ١٤، ١٦
المعنى في المسيحية: حين يقول يسوع «أبي» — فهو لا يتكلم فقط عن علاقته الخاصة بالله. هو يفتح باباً: يدعو كل إنسان إلى أن يجرّب الله بنفس الدفء والثقة التي عاشها هو.
«الصلاة الربية» — «أبانا الذي في السموات» — لم تكن فلسفة لاهوتية. كانت دعوة لكل إنسان عادي أن يقف أمام الله كما يقف الطفل أمام أبيه: بلا رهبة مُقعِدة، وبلا تكلّف مصطنع.
خاتمة — كلمة وراءها سؤال
حين تقرأ يسوع وهو يقول «أبّا» في جثسيماني — في أشد لحظاته وطأةً — لا تجد مسافةً. لا بروتوكول. لا خطاباً رسمياً. بل محادثة.
هذا هو جوهر ما أراد يسوع أن يُعلّمه: الله ليس فقط عظيماً جليلاً بعيداً — بل هو قريب، يسمع، ويُعنى.
السؤال الذي يتركه هذا كله للقارئ المتأمل: إذا كانت هذه العلاقة حقيقية — علاقة أبٍ بابن، سابقة للزمن، مليئة بالمحبة — فماذا يعني أن الابن جاء إلى العالم؟ وماذا يعني أن يموت؟ وماذا يعني أن يُقال إنه قام؟
لا إجابة مفروضة هنا — لكن السؤال يستحق وقفة.
للقراءة المباشرة من الإنجيل:
- يوحنا ١٧ — الصلاة الكاملة ليسوع لـ«الآب»
- متى ٦: ٩-١٣ — «الصلاة الربية»
- رومية ٨: ١٤-١٧ — روح التبنّي
- يوحنا ٥: ١٧-٢٣ — سبب استفزاز الكلمة
