مدخل للقارئ المسلم
يُحيّر المسلمَ أن المسيحي يشرب الخمر دون حرج ديني — بل أحياناً في احتفالات دينية كالقداس. وقد يبدو هذا متناقضاً لمن يعلم أن يسوع كان يهودياً يتبع الشريعة، وأن الإسلام الذي جاء بعده حرّم الخمر صراحةً.
لكن الإجابة ليست «المسيحيون يتساهلون في الأخلاق» — بل هي أعمق من ذلك: إنها تمس فهم المسيحية للشريعة ذاتها، ودور يسوع فيها، والفرق بين ما يُحرَّم لذاته وما يُحرَّم لظروف وسياق.
أولاً: الخمر في الكتاب المقدس — صورة معقدة
الكتاب المقدس لا يتجاهل الخمر ولا يتعامل معه بصمت — بل يذكره في سياقات متعددة ومتباينة:
الخمر في العهد القديم
الخمر في التوراة ليس محرّماً بل هو جزء من الحياة اليومية والعبادة. فقد كان قرباناً في الهيكل، ونعمةً تُذكر في المزامير:
«وَخَمْرٌ تُفَرِّحُ قَلْبَ الإِنْسَانِ» مزمور ١٠٤: ١٥
«اذْهَبْ كُلْ بِفَرَحٍ خُبْزَكَ، وَاشْرَبْ بِقَلْبٍ طَيِّبٍ خَمْرَكَ» سفر الجامعة ٩: ٧
في المقابل، التوراة تُحذّر من الإفراط في الشراب وتصف عواقبه بوضوح — لكن التحذير من الإفراط يختلف عن التحريم الكامل.
يسوع والخمر — لحظات فارقة
يسوع لم يتجنب الخمر — بل كانت علاقته به لافتة ومتعددة الأوجه:
معجزة قانا الجليل
أولى معجزات يسوع كانت تحويل الماء إلى خمر في عرس — لا إلى عصير عنب ولا إلى ماء مبارك:
«هَذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ» إنجيل يوحنا ٢: ١١
ما يلفت الانتباه أن رئيس المتكأ — حين تذوّق الخمر الجديدة — قال إنها أجود من التي قُدِّمت أولاً. يسوع لم يصنع خمراً رديئة رمزية، بل خمراً ممتازة حقيقية في وليمة.
العشاء الأخير
في آخر ليلة له، رفع يسوع كأس الخمر وأعطاها لتلاميذه قائلاً:
«هَذِهِ هِيَ كَأْسُ الدَّمِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْكَبُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا» إنجيل متى ٢٦: ٢٨
هذا الفعل صار الأساس لسرّ الإفخارستيا (القداس) الذي يُكرّره المسيحيون حتى اليوم — وهو ما يجعل الخمر ليس فقط مباحاً بل ذا بعد ديني مركزي في بعض الكنائس.
يسوع بين «آكل الطعام وشارب الخمر»
وصف أعداء يسوع له بقولهم:
«هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ» إنجيل متى ١١: ١٩
يسوع لم ينفِ هذا الوصف جملةً — بل ردّ على المنطق الذي خلفه. وهذا يؤكد أنه لم يكن يتجنب الخمر تجنباً دينياً مبدئياً.
ثانياً: لماذا لا تُحرّم المسيحية الخمر؟ — السبب اللاهوتي
الجواب يكمن في فهم المسيحية للشريعة — وهو ما يختلف جوهرياً عن الفهم الإسلامي.
١. المسيحية والشريعة اليهودية — قراءة مختلفة
يسوع كان يهودياً يتبع شريعة موسى — لكنه أعلن موقفاً مثيراً من الشريعة:
«مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ» إنجيل متى ٥: ١٧
المسيحيون يفهمون هذا «الإكمال» بأن يسوع أتى على كل ما كانت الشريعة تُشير إليه — فصارت الشرائع الطقسية (الأطعمة المحرمة، والختان، وشعائر الهيكل) قد أكملت غرضها ولم تعد ملزمة. أما الشريعة الأخلاقية — لا تقتل، لا تزنِ، لا تكذب — فهي باقية بل تعمّقت.
٢. «ليس ما يدخل الفم ينجّس الإنسان»
«لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هَذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ» إنجيل متى ١٥: ١١
هذه الجملة — في سياق نقاش حول أطعمة محرمة يهودياً — تُعلن مبدأً: النجاسة الأخلاقية والدينية ليست في المأكولات والمشروبات بل في ما يصدر عن القلب. وهذا المبدأ وسّع نطاق ما هو مباح أكلاً وشرباً.
٣. رسالة بولس — الحرية والضمير
بولس الرسول يُصوغ الموقف المسيحي من المأكل والمشرب بصراحة:
«كُلُّ شَيْءٍ مُبَاحٌ لِي، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ. كُلُّ شَيْءٍ مُبَاحٌ لِي، لَكِنْ لَنْ أُسْتَعْبَدَ مِنْ شَيْءٍ» رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٦: ١٢
«مَلَكُوتُ اللهِ لَيْسَ أَكْلاً وَشُرْباً، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ» رسالة بولس إلى أهل رومية ١٤: ١٧
المعيار المسيحي إذاً ليس «هل هذا الشيء محرّم؟» بل «هل يُفيد؟ هل يُعبّد؟ هل يُشكّل ضميراً أخاً؟» — وهو معيار يتطلب نضجاً شخصياً لا مجرد اتباع قائمة.
ثالثاً: لماذا حرّم الإسلام الخمر؟ — منطق التحريم
من الإنصاف عرض المنطق الإسلامي في التحريم — لأنه منطق متماسك وله أسبابه الواضحة:
التحريم القرآني جاء تدريجياً في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الإشارة إلى أن فيها إثماً ومنفعة (البقرة: ٢١٩)
المرحلة الثانية: النهي عن الصلاة حال السُّكر (النساء: ٤٣)
المرحلة الثالثة: التحريم الصريح والقاطع (المائدة: ٩٠-٩١)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ سورة المائدة: ٩٠
التحريم الإسلامي يقوم على اعتبارين: أن الخمر تُشعل العداوة والبغضاء، وتصدّ عن ذكر الله والصلاة. والإسلام كشريعة شاملة يختار سدّ الذريعة — أي تحريم الشيء كله درءاً للضرر الجزئي، لا الاكتفاء بتحريم الإفراط.
رابعاً: الفرق الجوهري في منطق الشريعة
هنا يكمن قلب الاختلاف بين الإسلام والمسيحية — ليس في الخمر فقط بل في طريقة بناء الشريعة كلها:
الإسلام: شريعة شاملة ومفصّلة تُغطي الحلال والحرام في تفاصيل الحياة — الطعام والشراب والزواج والمعاملات والعبادة. الله شرّع لكل شيء حكماً محدداً، والمؤمن مدعو إلى الامتثال.
المسيحية: تُركّز على تحويل القلب لا على قائمة التحريمات. معظم الشرائع الطقسية أُكملت في يسوع. المؤمن مدعو إلى نضج الضمير والتمييز — «كل شيء مباح لكن ليس كل شيء ينفع».
المسلم يرى في النهج الإسلامي وضوحاً وحمايةً. والمسيحي يرى في نهجه حريةً ومسؤوليةً. كلٌّ منهما ينطلق من فهم مختلف لطبيعة علاقة الله بالإنسان وطريقة التشريع.
خامساً: هل كل المسيحيين يشربون الخمر؟
لا — وهذه نقطة مهمة يجهلها كثيرون. المسيحيون أنفسهم منقسمون في هذه المسألة:
١. الكنائس التي تُبيح الخمر بتوسط
معظم الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والأنجليكانية والبروتستانتية التاريخية ترى الخمر مباحاً باعتدال. وفي القداس الكاثوليكي والأرثوذكسي يُستخدم خمر العنب الحقيقي في سرّ الإفخارستيا.
٢. الكنائس التي تُحبّذ الامتناع
الكنائس الإنجيلية المحافظة والمعمدانية وكنيسة المورمون وكنيسة الأدفنتست وغيرها تدعو إلى الامتناع الكامل عن الكحول — ليس بسبب تحريم قاطع بل بسبب مبدأ «لا تُعثّر أخاك» وتجنب الإدمان. بعضها يستخدم عصير عنب غير مخمّر في القداس.
٣. حركة الاعتدال والامتناع في التاريخ المسيحي
في القرن التاسع عشر قادت كنائس بروتستانتية في أمريكا حركة «التمبرانس» للامتناع عن الكحول — وكان لها أثر في قانون الحظر الأمريكي الشهير (١٩٢٠-١٩٣٣م). هذا يكشف أن الموقف المسيحي من الخمر ليس موقفاً واحداً جامداً عبر التاريخ.
سادساً: ماذا يقول الإنجيل عن الإفراط في الشرب؟
إذا كان الخمر مباحاً، فهل يعني ذلك أن الإنجيل صامت عن الإفراط؟ أبداً — بل هو صريح جداً:
«وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، لَكِنِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ» رسالة بولس إلى أهل أفسس ٥: ١٨
«وَأَمَّا أَعْمَالُ الْجَسَدِ فَهِيَ مَعْرُوفَةٌ… السُّكْرُ… الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ الأُمُورِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ» رسالة بولس إلى أهل غلاطية ٥: ١٩-٢١
الإنجيل يُبيح الخمر ويُحرّم السُّكر. الفارق الجوهري بين الموقفين — الإسلامي والمسيحي — ليس في الموقف من الإفراط (كلاهما يرفضه) بل في الحكم على التناول المعتدل.
سابعاً: سؤال مثير للتأمل
هناك سؤال يطرحه اللاهوتيون المسيحيون أنفسهم في هذا الحوار:
إذا كانت الخمر محرمة لذاتها — فلماذا اختار يسوع أن تكون معجزته الأولى تحويل الماء إليها؟ ولماذا اختارها رمزاً لدمه في أقدس لحظة في حياته؟
المسيحيون يرون في هذا السؤال دليلاً على أن الخمر لم تكن محرمة في تعليم يسوع. والمسلمون يردّون بأن هذه الأحداث سبقت التحريم الإلهي الذي جاء في القرآن لاحقاً. وكلٌّ من الطرفين يقرأ التاريخ من داخل إطاره.
خاتمة تأملية
الخمر ليست مجرد مسألة «حلال وحرام» — بل هي نافذة على فلسفتين مختلفتين في التشريع الديني:
الإسلام يقول: الله يشرّع لحماية الإنسان من نفسه — والوضوح خير من ترك الباب مفتوحاً للتأويل.
المسيحية تقول: الله يدعو الإنسان إلى النضج والضمير الحي — والحرية مع المسؤولية خير من الامتثال دون تفكير.
كلٌّ من هذين المنطقين له وجاهته — وكلٌّ منهما يعكس فهماً مختلفاً لطبيعة الإنسان وطبيعة علاقة الله به.
الخلاف ليس بين دين يُبيح الرذيلة ودين يمنعها — بل بين دينين يملكان فلسفتين مختلفتين في التشريع والحرية والمسؤولية.
نصوص للقراءة المباشرة
- إنجيل يوحنا ٢: ١-١١ — معجزة قانا الجليل
- إنجيل متى ٢٦: ٢٦-٢٩ — العشاء الأخير وكأس الخمر
- رسالة بولس إلى أهل رومية ١٤: ١٣-٢١ — الخمر وضمير الأخ
- رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٦: ١٢ — «كل شيء مباح لكن ليس كل شيء ينفع»
- سورة البقرة: ٢١٩ — المرحلة الأولى في تحريم الخمر
- سورة المائدة: ٩٠-٩١ — التحريم القاطع
