إذا قرأتَ القرآن الكريم، فإنك ستجد أنه يُسمّي أتباع عيسى بـ«النصارى»، لا بـ«المسيحيين». وإذا سألتَ مسيحياً عن نفسه، أجابك: «أنا مسيحي»، ولن يخطر على باله أن يقول «أنا نصراني».
فمن أين جاء القرآن بهذا اللفظ؟ هل هو ترجمة للاسم الذي كان يعرفه العرب في القرن السابع الميلادي؟ أم له جذر آخر؟ وهل ثمة صلة بين «نصارى» القرآن و«مسيحيي» اليوم؟
هذا المقال لا يجيب عنك، بل يضع بين يديك الأدوات التي تجيب بها بنفسك.
أولاً: «النصارى» في القرآن — الكلمة ومواضعها
وردت كلمة «النصارى» في القرآن الكريم أربعة عشر مرة، وفي كل موضع تُقابَل بـ«اليهود» أو «الذين آمنوا» أو كليهما. ومن أبرز هذه المواضع:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ» — البقرة: ٦٢
«لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ» — المائدة: ٨٢
لاحظ في الآية الثانية أن النصارى يُعرِّفون أنفسهم بقولهم: «إِنَّا نَصَارَىٰ» — أي إن هذه هي الكلمة التي كانوا يستخدمونها لوصف أنفسهم، أو هكذا كان العرب المعاصرون للقرآن يعرفونهم.
ثانياً: أصل الكلمة — ثلاث نظريات
النظرية الأولى: من «الناصرة» — مدينة يسوع
الرأي الأكثر شيوعاً وقبولاً بين الباحثين هو أن «نصراني» مشتقة من «الناصرة» (Nazareth)، المدينة في الجليل التي نشأ فيها يسوع. وهو ما يوافق الاستخدام في الإنجيل تماماً:
«وَجَاءَ يَسُوعُ مِنَ النَّاصِرَةِ الجَلِيلِيَّةِ» — مرقس ١: ٩
«وَكَانَ يُدعَى يَسُوعَ النَّاصِرِي» — لوقا ١٨: ٣٧
«يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الَّذِي صُلِبَ» — ما كُتب على لوح الصليب، يوحنا ١٩: ١٩
وبالمسلك اللغوي ذاته: كما يُنسَب المرء إلى بلده فيقال «مكّي» و«مدني» و«حلبي»، قيل «ناصري» نسبةً إلى الناصرة. وفي العبرية والآرامية واليونانية: Notzri / Nazarenos / Nazōraios — وكلها تعود إلى الجذر نفسه.
وهكذا أصبحت التسمية: يسوع الناصري → أتباع يسوع الناصري → النصارى.
النظرية الثانية: من «ناصر» أو «النصرة»
ذهب بعض المفسرين المسلمين إلى أن «النصارى» مشتقة من الجذر العربي «ن-ص-ر»، أي: النصرة والمعاونة. ويستندون إلى الآية:
«مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ» — آل عمران: ٥٢
وبهذا التفسير يكون «النصارى» = «أنصار الله»، أي الذين أعانوا عيسى ونصروا دينه. وهذا تفسير ذو بعد لاهوتي جميل، لكنه ليس اشتقاقاً لغوياً بالمعنى الدقيق — إذ إن الأقرب أنه تفسير معنوي أُضفي على الاسم لا أنه أصل اشتقاقه.
النظرية الثالثة: جماعة «ناصوراييا» أو أهل ناصرة من منطقة الأردن
يرى بعض الباحثين المعاصرين — ومنهم جيمس دانيلو في دراسات الفرق الدينية في فلسطين — أن «نصراني» قد تكون أقدم من نسبتها إلى الناصرة. فقد وُجدت جماعات دينية قبل المسيحية تُعرف بـ«الناصوراييين» أو «الناصوريين» في المنطقة، ولا يُستبعد أن يكون الاسم قد انتقل إلى أتباع يسوع الناصري أو التبس بهم لاحقاً. غير أن هذه النظرية أقل قبولاً ولا تزال محل جدل أكاديمي.
ثالثاً: كيف كان يُسمّي يسوع أتباعه؟
الأمر اللافت أن يسوع نفسه لم يُسمِّ أتباعه «مسيحيين» ولا «نصارى»، بل استخدم مصطلحات أخرى:
- «تَلاميذ» — وهو الاسم الأكثر ورودًا في الأناجيل
- «أحباء» — يوحنا ١٥: ١٣-١٤
- «أصدقاء» — يوحنا ١٥: ١٥: «لستُ أُسمّيكم عبيداً بعدَ الآن… بل سمّيتُكم أحباء»
- «أغنام» — يوحنا ١٠: ١٤ «أنا الراعي الصالح وأعرف خاصتي»
أما لفظة «مسيحي» فأول ظهورها كان في أنطاكية، بعد صلب يسوع وقيامته، حين أطلق السكان اليونانيون على أتباعه هذا الاسم:
«وَفِي أَنطَاكِيَةَ دُعِيَ التَّلامِيذُ مَسِيحِيِّينَ أَوَّلاً» — أعمال الرسل ١١: ٢٦
أي أنها تسمية جاءت من الخارج لا من أفواه المؤمنين أنفسهم، وهذا ما يفسّر لماذا لم تكن شائعة في البيئة الفلسطينية-السامرية-السورية التي التقى بها الإسلام أول الأمر.
رابعاً: ماذا كان العرب في الجزيرة يُسمّون المسيحيين؟
في الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، كانت توجد جاليات مسيحية معروفة: في نجران واليمن والشام والحيرة. وكان العرب يُسمّونهم «نصارى» لا «مسيحيين» — وهو ما يدلّ على أن هذا الاسم كان الاسم الرائج في البيئة العربية قبل الإسلام وفي صدره.
ومن الأدلة على ذلك:
- الشعر الجاهلي يذكر «النصارى» في سياقات دينية
- معاهدة النبي ﷺ مع نصارى نجران تستخدم هذا المصطلح
- السريانية — وهي لغة كنيسة المشرق القريبة من العرب — تستخدم «نصرايا» (Naṣrāyā)
وهكذا فإن القرآن الكريم حين قال «النصارى» كان يستخدم المصطلح المألوف للعرب في ذلك الزمان، لا مصطلحاً يونانياً أجنبياً.
خامساً: جدول مقارن — أسماء المسيحيين في اللغات
| اللغة / المصدر | الاسم المستخدم | الجذر |
| اليونانية (Χριστιανός) | Christianos — مسيحي | Christos = الممسوح |
| الآرامية / السريانية | Naṣrāyā — نصرايا | Naṣrat = الناصرة |
| العبرية | Notzri — نوتصري | Natzeret = الناصرة |
| العربية (قبل الإسلام وعصر النبي) | نصراني / نصارى | نفس الجذر الآرامي |
| القرآن الكريم | النصارى (١٤ مرة) | المصطلح العربي السائد |
| أعمال الرسل (٤٣ م) | مسيحيون — في أنطاكية | المسيح = الممسوح |
يكشف الجدول أن «نصارى» و«مسيحيين» كلاهما يصفان الجماعة ذاتها، غير أن كل اسم جاء من بيئة لغوية مختلفة: «مسيحي» من البيئة اليونانية الغربية، و«نصراني» من البيئة الآرامية السريانية الشرقية. والقرآن استخدم الاسم المألوف لعرب الجزيرة.
سادساً: «نصارى القرآن» — هل هم المسيحيون اليوم؟
يسأل بعض العلماء المسلمين: هل «نصارى» القرآن هم المسيحيون اليوم؟ ويرى بعضهم أن المسيحية الأولى التي عرفها القرآن كانت مختلفة عن المسيحية التي انتشرت لاحقاً. وهذا موضوع دقيق تتشعب فيه الآراء، لكن ثمة نقاط موضوعية:
- المسيحيون في نجران وسوريا وبلاد الشام الذين عرفهم العرب كانوا يؤمنون بإنجيل وبثالوث، وهم أسلاف المسيحيين اليوم
- لا يوجد دليل تاريخي على وجود «مسيحية بلا ثالوث» كانت مُنتشرة وضائعت لاحقاً — الأقليات اللاهوتية كالأريوسية كانت موجودة لكنها لم تكن الأغلبية
- المسيحيون أنفسهم يرون أن ما وصفه القرآن قد يكون فهماً خاطئاً لعقيدتهم، لا عقيدة مختلفة
ولكل طرف حجته، والقارئ المنصف يرجع إلى المصادر الأولية: الإنجيل من جهة، والقرآن وشروح المفسرين من جهة أخرى.
سابعاً: كلمة «المسيح» — اتفاق في اللفظ وتساؤل في المعنى
الجميل أن القرآن والإنجيل يتفقان على لقب «المسيح» ليسوع — فالقرآن يذكر «المسيح عيسى ابن مريم» مرات عدة. وكلمة «المسيح» في العبرية (Mashiach) معناها «الممسوح»، أي المُختار المُعيَّن من الله.
«إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» — آل عمران: ٤٥
أما الإنجيل فيبني على هذا اللقب كل إعلانه، إذ يرى في يسوع تحقيقاً لنبوءات العهد القديم عن المسيح الموعود الذي سيأتي من نسل داود. وهنا يبدأ الاختلاف الحقيقي: ليس في اللقب، بل في ما يعنيه.
فالمسيح في الإنجيل هو ليس ملكاً سياسياً فحسب، بل هو «ابن الله» بمعنى خاص، وكلمة الله المتجسدة. أما في الإسلام فهو نبي ورسول ممسوح بالروح القدس — لكن دون اتحاد بالله.
والاتفاق على اللقب مع الاختلاف في المعنى هو ما يجعل الحوار بين المسلم والمسيحي ممكناً ومثمراً في الوقت نفسه: لكليهما نقطة بداية مشتركة، ثم تتشعب الطريق.
خاتمة — سؤال يستحق أن تجلس معه
لفظة «نصارى» إذن ليست مجرد كلمة عابرة — هي نافذة على تاريخ طويل من التلاقي بين الثقافات واللغات والأديان في منطقة الشرق الأوسط.
حين قال القرآن «النصارى» فهو يستخدم الاسم العربي الذي كان مألوفاً للجميع، والمشتق بدوره من التقليد الآرامي الذي ربط يسوع بالناصرة. وحين قال أتباع يسوع في أنطاكية «نحن مسيحيون» فهم يُسمّون أنفسهم باسم شخص، لا باسم مكان.
والسؤال الذي يستحق أن تجلس معه ليس: أيُّ الاسمين أصح؟ — بل: مَن هو يسوع نفسه الذي أعطى الاسمين معاً؟
إذا كنت مهتماً، فالإنجيل نفسه يجيبك من المصدر — لا من خلال طرف ثالث.
للقراءة المباشرة
- إنجيل مرقس — الإصحاح الأول: «يسوع الناصري»
- إنجيل يوحنا — الإصحاح الأول: «الكلمة صارت جسداً»
- أعمال الرسل — الإصحاح ١١: نشأة اسم «مسيحيين» في أنطاكية
- القرآن — سورة المائدة: ٨٢-٨٥: وصف النصارى وأقربيتهم للمؤمنين
- القرآن — سورة آل عمران: ٤٥-٥٥: قصة عيسى والمسيح والحواريين
