هذا سؤال يطرحه المسلم بصدق وبحق.
يقول القرآن الكريم إن عيسى عليه السلام بشّر ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: 6)
فإذا كان المسيح قد بشّر بـ”أحمد”، فأين هذه البشارة في الأناجيل؟
في هذا المقال، لن نتجاهل السؤال ولن نُقلّل منه. سنجلس أمام نصوص متى ومرقس ولوقا — وهي ما يُسمّيها العلماء “الأناجيل الإزائية” — ونقرأ معاً ما قاله يسوع عن الذي يأتي من بعده، بهدوء وأمانة.
أولاً: ما الذي يبحث عنه المسلمون في هذه الأناجيل تحديداً؟
قبل أن نستعرض النصوص، من المهم أن نفهم ما الذي يتوقعه الباحث المسلم عادةً:
١ — وجود اسم “محمد” أو “أحمد” صريحاً، أو إشارة إلى نبي يأتي من العرب بعد المسيح.
٢ — وصف شخصية تنطبق على النبي محمد: خاتم الأنبياء، صاحب شريعة جديدة، من غير بني إسرائيل.
٣ — نصوص تتحدث عن “آتٍ من بعدي” يكمل الرسالة أو يجدّدها.
هذه توقعات مشروعة. والسؤال هو: هل يقدّم الأناجيل الثلاثة ما يدعمها؟
ثانياً: ماذا قال يسوع فعلاً عمّن يأتي من بعده؟
النص الأول — “الحجر الذي رفضه البنّاؤون” (متى 21: 42-43)
يقتبس يسوع من المزمور 118، ثم يضيف جملةً صدمت الحاضرين:
“أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البنّاؤون هو قد صار رأس الزاوية. من قِبَل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله يُنزَع منكم ويُعطى لأمة تعمل أثماره” (متى 21: 42-43)
ما يقوله بعض الباحثين المسلمين:
يرى بعضهم أن “الأمة” التي ستأخذ ملكوت الله إشارةٌ إلى الأمة الإسلامية، وأن “الحجر المرفوض” رمزٌ للنبي محمد الذي رفضه أهل الكتاب.
ما يقوله السياق الإنجيلي:
لفهم هذا النص يجب أن نقرأه في سياق مثل الكرّامين (متى 21: 33-41). يسوع يتحدث عن قادة الشعب اليهودي الذين رفضوه هو نفسه، ويقول إن “ملكوت الله” سيُعطى لـ”أمة” — والكلمة اليونانية هي ἔθνει (إيثنِي) وتعني “شعباً” أو “أمةً” عامة، لا تُشير بالضرورة إلى قوم بعينه. المسيحية تفهم هذا على أنه توسيع لمجتمع الإيمان ليشمل غير اليهود — أي الأمم كلها.
نقطة تأمل: الكلمة اليونانية ἔθνος (إيثنوس) وردت في الأناجيل 163 مرة، وتُترجم في معظم الأحيان “أمم” أو “شعوب” بالجمع. إطلاقها على العرب تحديداً يحتاج إلى مسوّغ سياقي.
النص الثاني — “الإنجيل يُكرَز به في كل العالم” (متى 24: 14 / مرقس 13: 10)
“ويُكرَز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم، ثم يأتي المنتهى” (متى 24: 14)
وفي مرقس:
“وينبغي أن يُكرَز أولاً بالإنجيل لجميع الأمم” (مرقس 13: 10)
ما يقوله بعض الباحثين المسلمين:
يرى بعضهم أن “جميع الأمم” تشمل العرب، وأن هذا الكرازة الشاملة تمّت بالإسلام الذي انتشر في كل الأرض.
ما يقوله السياق الإنجيلي:
هذا النص جزء من “خطاب نهاية الأزمنة” الذي يجيب فيه يسوع تلاميذه عن علامات نهاية العالم. يسوع لا يتنبأ هنا بنبي آتٍ، بل يصف المهمة التي وكّلها لتلاميذه قبل نهاية العالم. الكرازة بـ”هذا الإنجيل” — أي إنجيل المسيح — هي الموضوع الصريح للنص.
النص الثالث — “إيليا الذي كان ينبغي أن يأتي” (متى 11: 13-14 / مرقس 9: 11-13)
“فإن أردتم أن تقبلوا، فهذا هو إيليا العتيد أن يأتي” (متى 11: 14)
الأهمية للموضوع:
هذا النص يوضح كيف يتعامل يسوع مع مفهوم “التحقق النبوي”. يوحنا المعمدان هو “إيليا” الموعود — لا لأن روح إيليا انتقلت إليه حرفياً، بل لأنه جاء “بروح إيليا وقوته” (لوقا 1: 17). هذا يعني أن يسوع يفهم النبوة أحياناً بمعنى روحي/وظيفي لا حرفي.
ما يعنيه هذا للسؤال: حتى لو افترضنا أن ثمة “آتياً بعد المسيح” في نصوص الأناجيل الثلاثة، فإن طريقة يسوع في تفسير النبوة تعني أن “الاسم” لا يكفي وحده — بل الدور والوظيفة والسياق.
النص الرابع — “لمّا جاء الفارقليط” وعلاقته بالأناجيل الثلاثة
كثيراً ما يُستشهد بـ”الفارقليط” في إنجيل يوحنا، وقد تناولناه في مقال سابق. لكن الأناجيل الثلاثة — متى ومرقس ولوقا — لا تتضمن هذه الكلمة أصلاً. وهذا في حد ذاته معلومة مهمة: الوعد بـ”المعزي” أو الفارقليط موجود في يوحنا فقط، وليس في الأناجيل الإزائية الثلاثة.
ثالثاً: نصوص مباشرة عمّن يأتي “بعد” يسوع في هذه الأناجيل
في متى (3: 11) و مرقس (1: 7-8) ولوقا (3: 16)
يقول يوحنا المعمدان — وهو في حد ذاته نبي معترَف به في الإسلام:
“أنا أعمّدكم بماء للتوبة، لكن الذي يأتي بعدي أقوى مني، لستُ أهلاً أن أحمل حذاءه. هو سيعمّدكم بالروح القدس والنار” (متى 3: 11)
الشخص الذي ينتظره يوحنا هو الذي يُعمِّد “بالروح القدس والنار” — وهو وصف طقسي/روحي لا ينطبق على ما نعرفه من طبيعة رسالة النبي محمد. السياق الإنجيلي يُطبّق هذا الوصف على المسيح نفسه.
“الابن الوحيد والعبيد” — مَثَل الكرّامين بالتفصيل (متى 21 / مرقس 12 / لوقا 20)
هذا المثل موجود في الأناجيل الثلاثة الإزائية كلها — وهو نادر الحدوث، مما يدل على أهميته القصوى.
“وله بعدُ ابنٌ واحد حبيبٌ عنده، فأرسله إليهم أخيراً قائلاً: يهابون ابني” (مرقس 12: 6)
يقدّم هذا المثل منطقاً صريحاً: الله أرسل الأنبياء فرُدّوا وأُسيء إليهم، ثم أرسل “الابن الوحيد” أخيراً. التسلسل في المثل يضع “الابن” في موضع الرسالة الختامية — لا قبلها.
من المنطق الإنجيلي الداخلي: إذا كان الابن هو المرسَل الأخير، فأين يُدرَج نبي لاحق في هذه المنظومة؟
رابعاً: أسئلة جوهرية تستحق التأمل
السؤال الأول: إذا كانت هذه الأناجيل تتنبأ بمجيء نبي جديد بعد يسوع، لماذا لم يفهمها أحد من الصحابة الأوائل الذين أسلموا وكانوا يعرفون الكتاب المقدس، مثل سلمان الفارسي، على أنها تشير صراحةً إلى محمد؟
السؤال الثاني: ماذا يعني “أثمار الملكوت” في سياق متى 21؟ يسوع يُحدد هذه الأثمار في الأصحاح التالي مباشرةً: المحبة لله والمحبة للقريب (متى 22: 37-40). هل هذا وصف لأمة جغرافية بعينها، أم لطريقة حياة روحية؟
السؤال الثالث: إذا كان يسوع يبشّر بمحمد، لماذا لا يُورد متى ولوقا — وكلاهما كتب للأمم ولم يتحرجا من الإشارة إلى الأمم غير اليهودية — هذه البشارة بوضوح؟
خامساً: ما الذي تقوله هذه الأناجيل الثلاثة صراحةً عمّن يأتي بعد يسوع؟
ما تقوله الأناجيل الثلاثة بوضوح لا لبس فيه هو:
أولاً: يسوع نفسه سيعود في “مجيء ثانٍ” — وهذا الموضوع يملأ متى 24-25 ومرقس 13 ولوقا 21 بالكامل.
ثانياً: الروح القدس سيُرشد تلاميذه من بعده (لوقا 12: 12، مرقس 13: 11).
ثالثاً: تحذيرات صريحة من “مسحاء كذبة وأنبياء كذبة” يأتون بعده:
“فإنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويُعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يُضلوا — لو أمكن — المختارين أيضاً” (متى 24: 24)
هذا لا يعني بالضرورة أن كل نبي لاحق هو “نبي كذاب” — لكنه يدل على أن يسوع لا يُرشد تلاميذه إلى انتظار نبي جديد، بل إلى الحذر.
سادساً: كيف يُجيب المسيحيون عن الآية القرآنية في سورة الصف؟
هذا سؤال منصف ويستحق إجابة صريحة.
المسيحيون يقولون: الآية في سورة الصف تتحدث عمّا قاله عيسى عليه السلام. والنصوص الإنجيلية التي بين أيدينا — متى ومرقس ولوقا — لا تتضمن هذه البشارة الصريحة باسم “أحمد”.
ثم ينقسمون في تفسير ذلك:
- الموقف المسيحي التقليدي: القرآن يتضمن معلومة لا وجود لها في الأناجيل التي وصلت إلينا، وهذا بحد ذاته من دواعي التساؤل عن أي المصدرَين أدق.
- بعض الباحثين: ربما كانت هناك أناجيل أخرى لم تصلنا — لكن هذا استدلال على الغائب، لا على الموجود.
والسؤال الذي يطرحه المسيحيون بدورهم: إذا كان عيسى يُبشّر صراحةً بمحمد، لماذا لم يفهم تلاميذ يسوع الأوائل — الذين سمعوه بأذانهم — أن رسالته مرحلة انتقالية لا نهائية؟
خاتمة: ما الخطوة التالية؟
لا يوجد في متى ومرقس ولوقا اسم “محمد” ولا “أحمد” صريح. وهذه حقيقة يجب أن تُقال بأمانة.
ما تقوله هذه الأناجيل الثلاثة بوضوح هو أن يسوع يرى نفسه نهاية مسار نبوي طويل — الابن الأخير في مثل الكرامين، “مَن يأتي” الذي انتظره يوحنا، والراعي الذي يجمع كل الشعوب في ملكوت الله.
لكن السؤال الأعمق ليس: “هل ذُكر محمد في الإنجيل؟” السؤال الأعمق هو: “من هو يسوع فعلاً؟”
لأنك إذا فهمتَ من هو يسوع كما يقوله الإنجيل — لا كما سمعتَ عنه — فستجد أن السؤال عن محمد يصبح جزءاً من سؤال أكبر وأعمق وأكثر إلحاحاً.
الإنجيل أمامك. اقرأه بنفسك.
اقرأ أيضًا: هل الإنجيل محَرَّف؟
