في أقصر آية في الكتاب المقدس كله، كلمتان لا أكثر: «بكى يسوع» (يوحنا ١١: ٣٥). يبدو المشهد للوهلة الأولى غريباً؛ فالرجل الذي وقف عند القبر باكياً هو نفسه الذي كان يعلم أنه بعد دقائق سينادي: «لعازر، هلم خارجاً!» فيخرج لعازر حياً. فلماذا يبكي من يملك القدرة على إبطال الموت ذاته؟ هذا السؤال ليس اعتراضاً حديثاً، بل هو سؤال يطرحه النص نفسه، إذ يسجّل الإنجيل أن بعض الحاضرين استغربوا حينها: «أما كان يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضاً لا يموت؟» (يوحنا ١١: ٣٧). هذا المقال محاولة للنظر في هذا المشهد عن قرب: ماذا يقول النص بدقة؟ وماذا يكشف بكاء يسوع عن فهم المسيحية لعلاقة الله بالألم البشري؟
١. المشهد كما يرويه الإنجيل
تدور القصة في إنجيل يوحنا (الإصحاح ١١) حول رجل اسمه لعازر، من قرية بيت عنيا قرب أورشليم، وأخته مرثا ومريم. يروي النص أن يسوع كان يحب هذه الأسرة الثلاثية تحديداً (يوحنا ١١: ٥)، ولمّا بلغه خبر مرض لعازر تأخر عمداً يومين قبل التوجه إليهم (يوحنا ١١: ٦)، فوصل بعدما مات لعازر ودُفن منذ أربعة أيام (يوحنا ١١: ١٧).
الأحداث تتوالى بترتيب لافت: مرثا تخرج لتلقاه أولاً وتقول له: «يا سيد، لو كنت ههنا لم يمت أخي!» (يوحنا ١١: ٢١)، فيجيبها بأنه «القيامة والحياة» (يوحنا ١١: ٢٥). ثم تأتي مريم وتكرر العبارة نفسها وهي باكية، ومعها اليهود الذين جاءوا لتعزيتها يبكون أيضاً (يوحنا ١١: ٣٢-٣٣). عند هذا المشهد بالذات، يسجّل النص أن يسوع «انزعج بالروح واضطرب» (يوحنا ١١: ٣٣)، ثم سأل: «أين وضعتموه؟» فقالوا له: «تعال وانظر»، وعندها جاءت الآية الأقصر: «بكى يسوع» (يوحنا ١١: ٣٥).
| «فلما رآها تبكي، واليهود الذين جاءوا معها يبكون، انزعج بالروح واضطرب، وقال: أين وضعتموه؟ قالوا له: يا سيد، تعال وانظر. بكى يسوع. فقال اليهود: انظروا كيف كان يحبه!» إنجيل يوحنا ١١: ٣٣-٣٦ |
ثم يُكمل النص: بعد البكاء، يذهب يسوع إلى القبر، يأمر برفع الحجر رغم اعتراض مرثا بأن الجسد «قد أنتن» بعد أربعة أيام (يوحنا ١١: ٣٩)، يصلي بصوت مسموع لأجل الحاضرين، ثم يصرخ: «لعازر، هلم خارجاً!» فيخرج لعازر حياً، ويداه ورجلاه لا تزالان ملفوفتين بأقمطة الكفن (يوحنا ١١: ٤٣-٤٤). المعجزة إذن ليست موضع خلاف في النص؛ فالسؤال الذي يطرحه هذا المقال لا يتعلق بما فعله يسوع، بل بما شعر به قبل أن يفعله.
٢. الفعلان اليونانيان: تفصيل لغوي مهم
من المفيد هنا الالتفات إلى تفصيل في اللغة اليونانية الأصلية للنص، لأنه يوضح طبيعة السؤال أكثر. النص يستخدم فعلين مختلفين للبكاء في المشهد نفسه:
• الفعل الأول (κλαίω) يوصف به بكاء مريم واليهود المعزّين (يوحنا ١١: ٣٣)، وهو يدل على نحيب مسموع مصحوب بصوت مرتفع، أقرب إلى العويل.
• الفعل الثاني (δακρύω) هو الذي يوصف به بكاء يسوع وحده (يوحنا ١١: ٣٥)، وهو فعل نادر لا يرد في العهد الجديد كله إلا في هذا الموضع، ويعني تحديداً ذَرْف الدمع بصمت، دون صراخ.
هذا التمييز ليس تفصيلاً لغوياً عابراً؛ فهو يشير إلى أن يسوع لم يبكِ بالطريقة نفسها التي كان الحاضرون يبكون بها. لم يكن في حالة عويل جماعي أو فقدان للسيطرة، بل كان بكاؤه هادئاً، دموعاً صامتة تعبّر عن مشاركة حقيقية للألم من غير أن تطغى عليه.
أما التعبير الآخر الذي يصف حالة يسوع عند رؤية البكاء، «انزعج بالروح واضطرب» (يوحنا ١١: ٣٣)، فهو مأخوذ من فعل يوناني (ἐνεβριμήσατο) استُخدم أصلاً لوصف زفير الخيل الغاضب أو المنفعل بشدة. هذا يشير إلى أن ما اعترى يسوع لم يكن حزناً هادئاً فحسب، بل انفعالاً داخلياً عميقاً — يقرأه بعض المفسرين المسيحيين على أنه غضب من سلطان الموت ذاته وما يفعله بالبشر، لا مجرد تأثر عابر بمشهد النحيب.
٣. لماذا يبكي من يعلم أن المعجزة قادمة؟
هنا يكمن جوهر السؤال. النص صريح في أن يسوع كان يعلم مسبقاً أن لعازر سيقوم؛ فقد قال لتلاميذه قبل وصوله بأيام: «هذا المرض ليس للموت» (يوحنا ١١: ٤)، وقال لهم أيضاً: «وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك، لتؤمنوا» (يوحنا ١١: ١٥)، أي أنه كان يعرف مسبقاً أن غيابه عن لحظة الموت وتأخره كانا جزءاً من خطة تنتهي بمعجزة. فكيف يبكي وهو يعلم أن الفرح قادم بعد لحظات؟
الإجابة المسيحية التقليدية على هذا السؤال تقوم على تمييز بين معرفة النهاية والشعور باللحظة. أن يسوع كان يعلم أن لعازر سيقوم لا يعني أن الموت نفسه لم يكن حقيقياً، ولا أن ألم مرثا ومريم والحاضرين لم يكن حقيقياً. النص يقول صراحة إن يسوع بكى تحديداً «لما رآها تبكي، واليهود الذين جاءوا معها يبكون» (يوحنا ١١: ٣٣) — أي أن الدافع المباشر لدموعه لم يكن موت لعازر بحد ذاته، بل مواجهة الحزن البشري الحيّ أمامه: دموع مريم، ونحيب الجمع، وحقيقة أن الموت — حتى حين يكون مؤقتاً في هذه الحالة تحديداً — لا يزال شيئاً يمزق القلب البشري.
ثلاث قراءات لاهوتية للبكاء
عبر تاريخ التفسير المسيحي، طُرحت عدة قراءات لهذا المشهد، وهي ليست متعارضة بل متكاملة:
• البكاء كتضامن حقيقي: يسوع لا يبكي لأنه لا يعرف النهاية، بل يبكي لأنه يشارك من يحبهم ألمهم في اللحظة التي يعيشونها، دون أن يستبق الفرح فيلغي الحزن الحاضر. المحبة هنا لا تُقاس بمعرفة الحل، بل بالحضور الكامل في الألم.
• البكاء كموقف من الموت ذاته: يقرأ بعض المفسرين «الانزعاج والاضطراب» على أنه استياء يسوع من الموت كقوة غريبة عن التصميم الأصلي للخلق، لا استسلاماً له. فهو يبكي أمام الموت قبل أن يواجهه ويهزمه، تماماً كما يواجه قائد عدواً يعلم أنه سيهزمه، لكنه لا يقلل من فظاعة المعركة قبل خوضها.
• البكاء كإعلان للطبيعة البشرية الكاملة: في اللاهوت المسيحي، يُقرأ هذا المشهد أيضاً كدليل على أن يسوع، رغم كونه في مركز إيمانهم الوسيط بين الله والبشر، لم يكن بعيداً عن التجربة الإنسانية العادية، بل شارك فيها بصدق، بما في ذلك الدمعة.
٤. مشاهد أخرى: هل بكى يسوع في مواضع غير هذه؟
قصة لعازر ليست الموضع الوحيد الذي يسجّل فيه الإنجيل بكاء يسوع، وهذا يساعد على فهم أن دموعه لم تكن استجابة لموقف واحد فريد، بل نمطاً متكرراً في استجابته للألم من حوله.
قبل دخوله أورشليم بأيام قليلة من صلبه، ينظر يسوع إلى المدينة ويبكي عليها، متأملاً مصيرها المقبل: «ولما اقترب، نظر إلى المدينة وبكى عليها» (لوقا ١٩: ٤١). واللافت أن الفعل اليوناني المستخدم هنا هو نفسه الفعل الذي وُصف به نحيب مريم والجمع في قصة لعازر (κλαίω) — أي بكاء بصوت، لا الدموع الصامتة. هذا بكاء مختلف في طبيعته عن بكاء يوحنا ١١: ٣٥، لأن النتيجة هنا مختلفة؛ فأورشليم — كما يرد في النص — لم تكن مقبلة على معجزة قيامة، بل على دينونة تاريخية.
كذلك تذكر رسالة العبرانيين أن يسوع، في أيام جسده، «قدّم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات» (عبرانيين ٥: ٧) — في إشارة إلى ليلة صلاته المضطربة في بستان جثسيماني قبيل القبض عليه. هذه المواضع مجتمعة ترسم صورة ثابتة: يسوع، بحسب النص الإنجيلي، لم يكن متعالياً عن الألم البشري أو غير متأثر به، بل كان يواجهه بصدق تام.
٥. البكاء عند فقد عزيز: مقارنة موجزة
يجد القارئ المسلم في السنة النبوية مساحة مشتركة مهمة مع هذا المشهد، إذ يُروى أن النبي محمد ﷺ بكى بدوره عند احتضار ابنه إبراهيم ووفاته، فقال له عبد الرحمن بن عوف مستغرباً: «وأنت يا رسول الله؟!»، فأجابه: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (رواه البخاري). هذا التشابه في المشهد الإنساني — دمعة صامتة عند فقد من يُحَب — يفتح مجالاً لتأمل مشترك حول مكانة الحزن في العلاقة بالله.
| المحور | مشهد يسوع ولعازر | مشهد النبي محمد وإبراهيم |
| طبيعة البكاء | دموع صامتة (δακρύω) دون صراخ | دموع صامتة «تذرفان» دون نياحة |
| السياق | أمام قبر، قبل إقامة الميت مباشرة | عند الاحتضار، قبل الوفاة بلحظات |
| استغراب الحاضرين | «انظروا كيف كان يحبه!» (يوحنا ١١: ٣٦) | «وأنت يا رسول الله؟!» (البخاري) |
| التفسير المُعطى | بكاء كتضامن مع حزن مرثا ومريم | «إنها رحمة» — رقة القلب لا الجزع |
| الموقف من علم الغيب | علم أن لعازر سيقوم بعد لحظات وبكى رغم ذلك | علم بقضاء الله وقَبِله، وبكى رغم ذلك |
الفارق الجوهري بين المشهدين لاهوتي لا إنساني: ففي حادثة لعازر، يقترن البكاء بمعجزة إحياء وشيكة يعلمها يسوع مسبقاً بيقين تام، بينما في حادثة إبراهيم، كان البكاء أمام موت نهائي بالمعنى الدنيوي، لا تسبقه معرفة بإحياء فوري. لكن القاسم المشترك يبقى لافتاً: كلا المشهدين يقرران أن معرفة الغيب أو الرضا بالقضاء لا يُلغيان مشروعية الدمعة، بل الدمعة نفسها — في كلا التقليدين — تُقرأ كعلامة رحمة لا كعلامة ضعف أو نقص إيمان.
٦. سؤال يستحق التوقف: العلاقة بين الإحياء والبكاء في القرآن
يذكر القرآن الكريم قدرة عيسى عليه السلام على إحياء الموتى ضمن آياته التي أرسله بها الله إلى بني إسرائيل: «وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ… وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ» (آل عمران: ٤٩)، وتتكرر الإشارة في سورة المائدة: «وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي» (المائدة: ١١٠). هذا الاتفاق بين النصين — الإنجيلي والقرآني — على قدرة عيسى عليه السلام على إحياء الموتى بإذن الله يجعل مشهد لعازر أرضاً مشتركة يمكن التأمل فيها من الجانبين، وإن اختلفت التفاصيل والدلالات اللاهوتية المترتبة عليها في كل تقليد.
هنا يبرز سؤال مشروع من منظور القارئ المسلم: إن كانت هذه الآية القرآنية تصف عيسى عليه السلام بأنه يحيي الموتى بإذن الله، أي بوصفه أداة لقدرة إلهية وليس مصدرها، فهل ينسجم ذلك مع بكائه في المشهد الإنجيلي، أم يتعارض معه؟ الجواب المسيحي هنا لا يرى تعارضاً؛ فاللاهوت المسيحي نفسه يقرّ بأن يسوع صلّى إلى الآب علانية قبل المعجزة وقال: «أيها الآب، أشكرك لأنك سمعت لي… لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنك أرسلتني» (يوحنا ١١: ٤١-٤٢) — وهو نص يُظهر أن يسوع، حتى في لحظة إجراء المعجزة، يوجّه الفعل إلى الآب صراحة أمام الحاضرين. البكاء إذن لم يكن تناقضاً مع القدرة على الإحياء، بل تمهيداً إنسانياً صادقاً سبق فعلاً إلهياً معلناً.
٧. قائمة للقراءة المباشرة
- إنجيل يوحنا، الإصحاح ١١ كاملاً — قصة موت لعازر وإقامته.
- إنجيل لوقا ١٩: ٤١-٤٤ — بكاء يسوع على أورشليم.
- رسالة العبرانيين ٥: ٧ — إشارة إلى صلاة يسوع ودموعه في جثسيماني.
- سورة آل عمران: ٤٩، وسورة المائدة: ١١٠ — آيات إحياء الموتى بإذن الله.
- صحيح البخاري، كتاب الجنائز — حديث وفاة إبراهيم ابن النبي ﷺ وبكاء النبي عليه.
✦ ✦ ✦
للتأمل
يبقى أمام القارئ، أيّاً كانت خلفيته الدينية، مشهد إنساني مؤثر: رجل يعلم بيقين أن الفرح قادم بعد لحظات، ومع ذلك لا يمنع نفسه من الدمعة. فهل معرفة الغيب أو اليقين بالقضاء يُفترض أن يُلغيا الحزن في اللحظة الحاضرة؟ وما الذي يقوله بكاء من يملك القدرة على إبطال الموت، عن علاقة الله — كما يفهمها كل تقليد — بالألم البشري؟ هذا سؤال يستحق أن يُترك مفتوحاً لكل قارئ يتأمله بنفسه.
