مدخل للقارئ المسلم
“عيسى نبيٌّ عظيم، ونحن نحبه ونحترمه.”
هذه الجملة يرددها كثير من المسلمين بصدق وإخلاص، وهي تعبير حقيقي عن مكانة عيسى في الإسلام. لكن حين يسمعها المسيحي، يشعر أن شيئاً جوهرياً قد فُقد في الترجمة.
ليس لأن المسيحي يرفض أن يكون يسوع نبياً — بل لأنه يرى أن يسوع أكبر من أن تحتويه هذه الكلمة وحدها.
فما مفهوم النبوة في كل من الإسلام والمسيحية؟ وهل يسوع نبيٌّ بالمعنى الكامل الذي تفهمه كل ديانة؟
أولاً: النبوة في الإسلام — المفهوم والوظيفة
في العقيدة الإسلامية، النبي هو إنسانٌ اختاره الله اختياراً خاصاً، أوحى إليه، وأرسله إلى قومٍ بعينهم أو إلى البشرية جمعاء، ليبلّغ رسالة الله ويدعو إلى عبادته وحده.
والأنبياء في الإسلام بشرٌ كاملو الإنسانية — يأكلون ويشربون ويتزوجون ويموتون. عظمتهم في الاختيار الإلهي واستقامة سيرتهم، لا في طبيعة تختلف عن طبيعة البشر.
وعيسى ابن مريم في الإسلام نبيٌّ ورسول، بل من أولي العزم من الرسل — وهم أعلى درجات النبوة. يقول القرآن الكريم:
“وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ” (آل عمران: 81)
فالنبي في الإسلام: بشر — مرسَل — مُوحىً إليه — مُبلِّغ.
ثانياً: هل وصف القرآن يسوع بالنبي؟
نعم، وبصريح العبارة. يقول القرآن على لسان عيسى نفسه وهو في المهد:
“قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا” (مريم: 30)
لكن القرآن — وهذا مثير للتأمل — لم يكتفِ بهذا الوصف. فقد أضاف لعيسى ألقاباً لم يُضفها على أي نبي آخر: كلمة الله، روح منه، المسيح، وجيه في الدنيا والآخرة. وهذه الألقاب تتجاوز حدود ما يُقال عادةً عن الأنبياء.
توضيح للقارئ المسلم: المسيحي لا يُنكر أن يسوع نبيٌّ — لكنه يقول: هذا صحيح وناقص في آنٍ واحد. كمن يصف الشمس بأنها مضيئة؛ الوصف صحيح لكنه لا يقول كل شيء.
ثالثاً: النبوة في الإنجيل — صورة مختلفة
في الإنجيل، النبوة ليست غائبة — بل يسوع نفسه وصف بها. حين دخل أورشليم، قال الجمع:
“هذا يسوع النبي الذي من الناصرة الجليلية” (متى 21: 11)
وحين كلّم المرأة السامرية، قالت:
“يا سيد، أرى أنك نبي” (يوحنا 4: 19)
لكن الإنجيل لا يتوقف عند هذا الوصف. فيسوع نفسه لم يُقدّم نفسه كنبيٍّ يُبلّغ كلام الله فحسب — بل قدّم نفسه كمن يتكلم بسلطانه الخاص:
“سمعتم أنه قِيل للقدماء… أما أنا فأقول لكم” (متى 5: 21-22)
الأنبياء كانوا يقولون: “هكذا قال الرب”. أما يسوع فكان يقول: “أنا أقول لكم”. هذا فارقٌ جوهري في طريقة التكلم — لا في اللهجة، بل في السلطة.
رابعاً: ثلاثة فوارق بين يسوع وسائر الأنبياء
الفارق الأول: يسوع لم يُبلِّغ رسالةً خارجه — بل قدّم نفسه رسالةً
كل نبي في التاريخ جاء بكتاب أو شريعة أو تعليم. لكن يسوع قال:
“أنا هو الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14: 6)
لم يقل: “أُعلّمكم الطريق” أو “أُريكم الحق” — بل قال: “أنا هو”. النبي يُشير إلى الله؛ يسوع أشار إلى نفسه.
الفارق الثاني: يسوع قبِل العبادة ولم يرفضها
في العهد الجديد، حين سجد له الناس، لم ينهَهم كما فعل الأنبياء والملائكة دائماً. فحين سجد له توما قائلاً “ربي وإلهي”، لم يُصحّح يسوع قوله، بل قال:
“لأنك رأيتني يا توما آمنت، طوبى للذين آمنوا ولم يروا” (يوحنا 20: 28-29)
في المقابل، حين سجد قرنيليوس لبطرس رسول يسوع، رفع بطرس يده قائلاً: “قم، أنا أيضاً إنسان مثلك” (أعمال 10: 26).
توضيح للقارئ المسلم: هذا لا يعني أن يسوع كان يدّعي الربوبية بمفهومها الوثني — بل يعني أن المسيحيين يفهمون علاقته بالله علاقةً لا مثيل لها في تاريخ الأنبياء.
الفارق الثالث: يسوع ادّعى غفران الخطايا مباشرةً
حين قال يسوع للمشلول: “مغفورةٌ لك خطاياك”، ثار الفريسيون قائلين: “من يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟” (مرقس 2: 7). ولم يُصحّح يسوع اعتراضهم بالقول: “أنا مجرد نبي يُبلّغ مغفرة الله” — بل أثبت سلطانه بشفاء المشلول.
خامساً: ماذا قال يسوع عن نفسه؟
هذا هو السؤال الأهم. لأن من حقنا أن نسأل: كيف قدّم يسوع نفسه؟
قال يسوع:
“أنا والآب واحد” (يوحنا 10: 30)
“من رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 9)
“قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (يوحنا 8: 58)
هذه الأقوال لا يمكن وضعها في خانة “كلام النبي العادي”. إما أن تكون صحيحة فيسوع ما قال إنه هو، أو أن تكون ادّعاءات لا يجرؤ نبيٌّ صادق على قولها.
المسيحيون يؤمنون بالاحتمال الأول. ويدعون كل قارئ إلى أن يتأمل هذه الأقوال ويتخذ موقفه منها.
سادساً: الخلاصة — جدول مقارن
| المسألة | في الإسلام | في المسيحية |
|---|---|---|
| هل يسوع نبي؟ | نعم، من أولي العزم | نعم، لكنه أكثر من ذلك |
| طبيعته | بشر كامل، مُختار من الله | إنسان كامل وإله كامل |
| كلامه | وحيٌ من الله إليه | كلامه هو كلام الله |
| غفران الخطايا | لله وحده | يسوع غفر الخطايا بسلطانه |
| العبادة | لله وحده | يسوع يستحق العبادة كالآب |
خاتمة
القول بأن يسوع “نبيٌّ فقط” هو — من المنظور المسيحي — كالقول إن الشمس “مضيئةٌ فقط”. الوصف صحيح، لكنه لا يقول النصف.
والمسيحيون لا يُنكرون نبوة يسوع — بل يرون أن نبوّته امتزجت بشيء آخر لا مثيل له: أن المتكلِّم باسم الله كان هو الله نفسه معلناً.
الجواب الحقيقي على سؤال “من هو يسوع؟” لن تجده في المقارنات والجداول — بل في قراءة أقواله بنفسك، والتأمل في كل ما قاله عن ذاته.
“من تقولون أنتم إني أنا؟” — يسوع (متى 16: 15)
هذا السؤال لا يزال يبحث عن جوابك أنت.
