مدخل للقارئ المسلم
ثمة موضوع نادر — قليلٌ من المواضيع يشبهه — يجد فيه المسلم والمسيحي أنفسهما يتكلمان بلغة متقاربة جداً، بل يكادان يصفان المشهد ذاته.
هذا الموضوع هو: عودة المسيح في آخر الزمان.
كلا الكتابين يُثبتها. كلاهما يجعلها حدثاً كونياً عظيماً. وكلاهما يربطها بنهاية هذا العالم كما نعرفه.
لكن — كما هو الحال دائماً بين الإسلام والمسيحية — الاتفاق في الخطوط العامة لا يعني الاتفاق في التفاصيل ولا في المعنى العميق.
فتعال نقرأ ما قاله كل كتاب بالتفصيل، ثم نضع النقاط جنباً إلى جنب.
أولاً: عودة المسيح في الإسلام
هل ذُكرت العودة في القرآن صراحةً؟
هذا سؤال دقيق يستحق الأمانة.
القرآن الكريم لم يذكر عودة عيسى في آخر الزمان بعبارة صريحة لا تقبل الجدل. لكن بعض المفسرين استندوا إلى آيتين رئيسيتين:
الآية الأولى:
“وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ” (الزخرف: 61)
كثير من المفسرين الكلاسيكيين — كابن كثير والطبري — فسّروا “إنه” بأنها تعود على عيسى، أي أن نزوله علامةٌ على قرب الساعة. وبعض المفسرين فسّروها بأنها تعود على القرآن نفسه.
الآية الثانية:
“وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ” (النساء: 159)
فسّرها جمهور المفسرين بأن كل أهل الكتاب سيؤمنون بعيسى حين ينزل في آخر الزمان — قبل موته الذي لم يقع بعد.
عودة عيسى في السنة النبوية
أما التفصيل الحقيقي لعودة عيسى، فيأتي من الأحاديث النبوية الصحيحة التي تتفق كتب الحديث الكبرى على روايتها. ومن أبرزها ما ورد في صحيح البخاري ومسلم:
“والذي نفسي بيده، ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية”
ماذا يفعل عيسى حين ينزل؟
تصف الأحاديث النبوية مشهد النزول بتفاصيل مثيرة:
- ينزل في دمشق، عند المنارة البيضاء الشرقية
- يقتل الدجال — المسيح الكذاب الذي فتن الناس
- يحكم بشريعة الإسلام، ويكسر الصليب رمزاً لإلغاء الفهم المسيحي للفداء
- يتزوج ويُنجب ويعيش حياة طبيعية
- يموت موتاً طبيعياً ويُدفن بالمدينة المنورة
توضيح للقارئ المسلم: في الفهم الإسلامي، عيسى حين يعود لا يعود نبياً برسالة جديدة — بل يعود مسلماً مؤمناً بشريعة محمد ﷺ، ويُتمّم ما لم يكتمل في زمانه.
ثانياً: عودة المسيح في الإنجيل والتعليم المسيحي
الوعد الصريح بالعودة
على عكس القرآن، الإنجيل صريح تماماً وبلا التباس في وعد العودة. بل إن يسوع نفسه هو من وعد بها:
“وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً، آتي أيضاً وآخذكم إليّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً” (يوحنا 14: 3)
وفي خطابه الأخروي الكبير، وصف يسوع عودته بصورة كونية لا تقبل التأويل:
“وحينئذٍ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء… ويرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير” (متى 24: 30)
والملاكان اللذان ظهرا للتلاميذ لحظة الصعود قالا بوضوح تام:
“هذا يسوع الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه ذاهباً” (أعمال 1: 11)
ماذا يفعل المسيح حين يعود؟
يصف الإنجيل وسفر الرؤيا عودة المسيح بمشهد مهيب:
- يعود بمجده الإلهي الكامل، لا كطفل في مذود ولا كإنسان متعب
- يدين العالم كله — الأحياء والأموات
- يُقيم مملكة الله الأبدية
- يُجدّد الخليقة كلها — “سماء جديدة وأرض جديدة”
- يمسح كل دمعة ويُلغي الموت والحزن والألم إلى الأبد
يقول سفر الرؤيا:
“هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين” (رؤيا 1: 7)
متى يعود؟
هذا سؤال طرحه التلاميذ على يسوع مباشرة، فكان جوابه لافتاً:
“أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا ملائكة السماوات، إلا أبي وحده” (متى 24: 36)
وهكذا جعل يسوع العودة حقيقةً مؤكدة — لكن توقيتها سرٌّ عند الله وحده.
توضيح للقارئ المسلم: في اللاهوت المسيحي، عودة المسيح ليست عودة نبيٍّ ليُكمل رسالة — بل هي عودة الملك الكوني ليستلم مُلكه ويُتمّ الخلاص الذي بدأه بالصليب. إنها الفصل الأخير في قصة طويلة، لا حدثٌ منفصل.
ثالثاً: نقاط الالتقاء — ما اتفق عليه الكتابان
هنا يقف القارئ مذهولاً من حجم الاتفاق:
١. العودة حقيقة — لا رمز ولا مجاز كلا الكتابين يُثبتان أن عيسى سيعود فعلاً إلى هذا العالم. ليست استعارة روحية أو حضوراً رمزياً — بل نزول حقيقي في التاريخ.
٢. العودة مرتبطة بنهاية هذا العالم في الإسلام، نزول عيسى من أشراط الساعة الكبرى. وفي المسيحية، عودته هي نهاية التاريخ كما نعرفه وبداية الأبدية.
٣. عيسى يقاتل الشر في عودته الإسلام يذكر قتل الدجال. والمسيحية تذكر انتصاره النهائي على الشيطان والموت والشر. كلاهما يرسم عودته نصراً كونياً لا هزيمة.
٤. البشرية كلها ستراه “وستنظره كل عين” تقول الرؤيا. وتصف الأحاديث نزوله أمام الناس بدمشق. كلاهما يجعل عودته حدثاً علنياً لا خاصاً.
٥. بعد عودته يموت موتاً طبيعياً هذه نقطة اتفاق مثيرة للانتباه. الإسلام صريح في أن عيسى سيموت بعد نزوله. والمسيحية تُثبت موته على الصليب — أي أنه ذاق الموت بالفعل. كلا الكتابين إذن لا يجعلانه خالداً بالمعنى الذي لا يعرف الموت.
رابعاً: نقاط الافتراق — أين يختلف الكتابان جوهرياً؟
الاختلاف الأول: من هو العائد؟
هذا هو الخلاف الأعمق من بعيد.
في الإسلام، العائد هو نبيٌّ مُكرَّم — إنسان اصطفاه الله — يعود ليُؤكد الإسلام ويحكم بشريعته.
في المسيحية، العائد هو ربّ المجد — الله المتجسد — يعود ليستلم ملكه الكوني الأبدي ويُتمّ خلاص البشرية الذي دفع ثمنه بدمه.
الشخص واحد — لكن الهوية مختلفة اختلافاً جذرياً.
الاختلاف الثاني: ما الغرض من العودة؟
في الإسلام، يعود عيسى ليؤكد أن الإسلام هو الدين الحق، وأنه لم يكن مسيحياً بالمفهوم الذي آمن به المسيحيون. “يكسر الصليب” في الحديث النبوي يعني — في فهم أكثر العلماء — إلغاء الاعتقاد بأن الصليب كان للفداء.
في المسيحية، يعود ليُتوِّج ما بدأه الصليب. عودته ليست تصحيحاً لسوء فهم — بل هي استكمال لخطة إلهية بدأت منذ الأزل.
الاختلاف الثالث: ماذا يحدث للمسيحيين عند عودته؟
في الإسلام، حين ينزل عيسى ويحكم بشريعة الإسلام، فإن ذلك يعني — ضمنياً — أن المسيحيين مدعوون للإسلام.
في المسيحية، عودة المسيح هي يوم الفرح الأعظم للمؤمنين به — يوم يرون ربهم وجهاً لوجه ويدخلون في مجده.
الاختلاف الرابع: الدجال ومن يواجهه
الأحاديث الإسلامية تُفرد حيزاً كبيراً لمعركة عيسى مع الدجال — المسيح الكذاب الذي يفتن الناس.
والمثير أن الإنجيل أيضاً يتحدث عن “المسيح الكذاب” و”ضد المسيح” في رسائل يوحنا وسفر الرؤيا. لكن التفاصيل وطبيعة هذا الشخص مختلفة بين التراثين.
الاختلاف الخامس: الحياة الشخصية بعد العودة
الأحاديث الإسلامية تذكر أن عيسى سيتزوج وينجب ويعيش سنوات ثم يموت ويُدفن.
الإنجيل لا يذكر شيئاً من هذا — بل يُصوّر عودته كحدث نهائي كوني يُفضي مباشرة إلى الدينونة والأبدية.
خامساً: جدول المقارنة
| المسألة | الإسلام | المسيحية |
|---|---|---|
| هل ستكون هناك عودة؟ | نعم | نعم |
| هل تُثبتها النصوص صراحة؟ | الحديث صريح، القرآن يحتمل التفسير | الإنجيل صريح جداً |
| من العائد؟ | نبيٌّ مُكرَّم | الرب المتجسد |
| الغرض من العودة | تأكيد الإسلام وقتل الدجال | الدينونة وإتمام الخلاص |
| علاقته بالساعة | من أشراطها الكبرى | هي نهاية التاريخ ذاتها |
| هل يموت بعدها؟ | نعم، موتاً طبيعياً | مات مرة واحدة على الصليب |
| ما مصير المسيحيين؟ | مدعوون للإسلام | يرون ربهم ويدخلون في مجده |
سادساً: تساؤل يستحق التوقف
الاتفاق على عودة عيسى — من بين كل أنبياء التاريخ — يطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه بسهولة:
لماذا عيسى تحديداً هو من سيعود؟ لماذا لا موسى؟ لماذا لا إبراهيم؟ لماذا لا أي نبي آخر؟
الإسلام يُجيب: لأنه رُفع حياً ولم يمت بعد، وأمره عند الله. المسيحية تُجيب: لأنه هو ربّ الكل، والتاريخ كله يسير نحوه.
الجوابان مختلفان — لكن كلاهما يضع عيسى في مركز النهاية، لا على هامشها.
خاتمة
عودة المسيح في آخر الزمان هي ربما الموضوع الذي يجعل المسلم والمسيحي يتكلمان بأكبر قدر من التقارب — وفي الوقت ذاته يكشف عمق الهوّة في فهم هوية عيسى.
كلانا ينتظره. لكننا ننتظر بفهمين مختلفين لمن هو.
وهذا الاختلاف ليس خلافاً في تفاصيل ثانوية — بل هو الخلاف الجوهري الذي يستحق أن يسأل كل إنسان نفسه أمامه:
من هو هذا الذي اتفق الكتابان على أنه سيعود ليُغلق التاريخ؟
“أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر” (رؤيا 22: 13)
