مدخل للقارئ المسلم
إذا كنتَ مسلماً وتقرأ هذا المقال، فأنت تعرف يسوع باسم عيسى بن مريم، وتحبه وتُجلّه كنبي من أنبياء الله. لكن ربما لا تعلم كم الأحاديث النبوية التي تحدثت عن هذه الشخصية بشكل مفصّل ومتكرر.
في هذا المقال لا نناقش ولا نجادل. نضع أمامك فقط ما قاله النبي محمد ﷺ عن عيسى بن مريم كما وُثِّق في الصحاح والمسانيد، ثم نقرأ إلى جانبها ما يقوله الإنجيل عن نفس الأحداث والصفات، لنترك لك فرصة المقارنة والتأمل بنفسك.
أولاً: كيف وصف النبي محمد يسوعَ بن مريم؟
١. الصفة الجسدية
روى البخاري ومسلم أن النبي محمداً ﷺ رأى عيسى في المنام ووصفه وصفاً دقيقاً:
«رأيتُ ليلةَ أُسريَ بي موسى وعيسى وإبراهيم؛ فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر» صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء
وفي رواية أخرى عند مسلم قال ﷺ:
«رأيتُ عيسى ابنَ مريم… فإذا هو أقربُ من رأيتُ به شبهاً بعروة بن مسعود» صحيح مسلم، كتاب الإيمان
هذه الأوصاف الجسدية الدقيقة تدل على أن النبي محمداً ﷺ تحدث عن عيسى بن مريم كشخصية حقيقية محددة المعالم، وليس مجرد رمز أو فكرة مجردة.
٢. مكانته عند الله
وصف النبي محمد ﷺ عيسى بأوصاف رفيعة لم تُعطَ لغيره من الأنبياء بنفس الصياغة. فقد قال:
«أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياءُ إخوةٌ لِعلّات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبين عيسى نبيٌّ» صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء
هذا الحديث لافت من ناحيتين: أولاً، ادّعى النبي محمد ﷺ قرابةً خاصةً بعيسى دون سائر الأنبياء. وثانياً، أكد أنه لم يأتِ نبيٌّ بينهما، مما يجعل عيسى آخر الأنبياء قبله مباشرةً.
ثانياً: معجزات عيسى في الأحاديث النبوية
لم يكتفِ القرآن الكريم بذكر معجزات عيسى، بل أكدت الأحاديث النبوية أيضاً على طبيعتها الفريدة والخارقة:
إحياء الموتى وشفاء المرضى
قال النبي ﷺ في حديث وصف معجزات الأنبياء:
«ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أُعطيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُه وحياً أوحاه الله إليّ» صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن
وما يُلفت النظر أن القرآن الكريم ذكر صراحةً معجزات عيسى بتفاصيل لم تُذكر لأي نبي آخر بهذا الوضوح:
﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ سورة آل عمران: ٤٩
وفي الإنجيل، تُروى هذه المعجزات بتفاصيل أكثر دقةً وشهوداً:
«فَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ وَجَدَهُ قَدْ مَكَثَ فِي الْقَبْرِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ… صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا. فَخَرَجَ الْمَيِّتُ» إنجيل يوحنا ١١: ١٧، ٤٣-٤٤
ثالثاً: عيسى في آخر الزمان — نزوله وعودته
من أبرز ما تميّزت به الأحاديث النبوية هو الحجم الكبير من النصوص المتعلقة بعودة عيسى في آخر الزمان. وهذا الموضوع تفرّد به عيسى بن مريم دون سائر الأنبياء:
١. نزوله من السماء
«كيف أنتم إذا نزل ابنُ مريم فيكم وإمامُكم منكم؟» صحيح البخاري ومسلم، متفق عليه
«يوشكُ أن ينزل فيكم ابنُ مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء
لاحظ في هذا الحديث عبارة “ينزل”، وليس “يُبعث” أو “يُرسَل” — وهي عبارة تدل على النزول من مكان عُلوي. وهو ما يتوافق مع ما ورد في الإنجيل:
«وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ آيَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاء… وَيَرَوْنَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَابِ السَّمَاء بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِير» إنجيل متى ٢٤: ٣٠
٢. مكان نزوله
«ينزل عيسى بنُ مريم عند المنارة البيضاء شرقيَّ دمشق» سنن أبي داود، كتاب الملاحم — صحّحه الألباني
٣. صلاته خلف إمام من هذه الأمة
«فإذا رآه عدوُّ الله ذاب كما يذوب الملح في الماء… ثم يُصلي عيسى معهم» صحيح مسلم، كتاب الفتن
هذا الحديث يُثير تساؤلاً عميقاً: لماذا تتحدث الأحاديث عن عيسى بهذا الثقل في أحداث آخر الزمان تحديداً؟ وما الذي يجعله — دون غيره من الأنبياء — هو الذي ينزل ويُحكّم؟
رابعاً: وفاة عيسى ودفنه — تفصيل نادر في الأحاديث
ما يدهش القارئ أن الأحاديث النبوية تتحدث عن وفاة عيسى المستقبلية وعن مكان دفنه بتفاصيل محددة جداً:
«ثم يموتُ عيسى فيُصلي المسلمون عليه» سنن ابن ماجه، كتاب الفتن
«واللهِ ليَنزِلَنَّ ابنُ مريم حكماً عادلاً… ثم لَيَمُوتَنَّ فليُدفَنَنَّ في قبري أنا وهو، ونقوم أنا وهو في قبرٍ واحدٍ بين أبي بكر وعمر» سنن الترمذي وابن ماجه — وقد ضعّفه بعض العلماء في إسناده
وهذا الحديث الأخير — بصرف النظر عن درجة صحته — يدل على أن تصوّر دفن عيسى في المدينة المنورة كان حاضراً في التراث الإسلامي المبكر، وأن النبي ﷺ نفسه ربط مصير عيسى بمصيره.
خامساً: الألقاب التي أعطاها النبي محمد لعيسى
تعددت الألقاب التي استخدمها النبي ﷺ لعيسى بن مريم في الأحاديث، وكلٌّ منها يحمل دلالةً خاصة:
روح الله وكلمته — وهو اللقب الوارد في القرآن (سورة النساء: ١٧١) والذي نادراً ما يُعطى لأحد في أي كتاب مقدس
المسيح ابن مريم — وهو اللقب الأكثر تكراراً في الأحاديث
الحكم العدل — لقب يُستخدم في سياق نزوله آخر الزمان
ابن مريم — مع الإشارة الدائمة لأمه العذراء دون أب
وكلمة “روح الله” تستوقف كثيراً من الباحثين؛ فهي لم تُقَل في القرآن والسنة عن أي نبي آخر بهذه الإضافة المباشرة إلى اسم الله. وفي الإنجيل يقرأ المسيحيون:
«أَمَّا مَا حُبِلَ بِهِ فِيهَا فَهُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ» إنجيل متى ١: ٢٠
خاتمة تأملية
حين تجمع هذه الأحاديث أمامك في مكان واحد، لا يسعك إلا أن تتوقف قليلاً.
النبي محمد ﷺ تحدث عن عيسى بن مريم بطريقة مختلفة عن سائر الأنبياء: وصف ملامحه الجسدية، وادّعى قرابةً خاصة به، وأخبر عن عودته في آخر الزمان، وتحدث عن دفنه قرب قبره الشريف. كل هذا يجعل عيسى بن مريم شخصيةً مركزيةً في الرواية الإسلامية لمستقبل البشرية، لا مجرد نبيٍّ من الماضي.
ويطرح الإنجيل من جهته نفس هذه الشخصية — لكن بعمق مختلف في التفاصيل وفهم مختلف للهوية. وبين ما قاله النبي محمد وما يقوله الإنجيل، تتسع مساحة التساؤل:
من هو حقاً هذا الرجل الذي تحدث عنه نبيّان من أعظم الأنبياء في التاريخ، وكلاهما يقول إنه سيعود؟
هذا سؤال يستحق أن تقرأ فيه بنفسك، من المصدر مباشرةً.
المصادر الرئيسية
- صحيح البخاري — كتاب أحاديث الأنبياء، كتاب فضائل القرآن
- صحيح مسلم — كتاب الإيمان، كتاب الفتن وأشراط الساعة
- سنن أبي داود — كتاب الملاحم
- سنن الترمذي وابن ماجه — كتاب الفتن
- القرآن الكريم — سورة آل عمران: ٤٩، سورة النساء: ١٧١
- الإنجيل المقدس — إنجيل متى، إنجيل يوحنا
