مدخل للقارئ المسلم
هذا سؤال وجيه تماماً — ويستحق إجابة صادقة لا دفاعية. إذا كان يسوع في الفهم المسيحي هو ابن الله، وإذا كان الله قادراً على كل شيء — فلماذا ترك ابنه يُعذَّب ويُصلَب ويموت؟ أليس في هذا قسوة لا تليق بالله؟
الجميل في هذا السؤال أنه ليس سؤالاً إسلامياً فقط — بل كان أول من طرحه الحاضرون تحت الصليب أنفسهم، وهم يسخرون:
«إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ… إِنَّهُ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ فَلْيُنَقِّذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ»
إنجيل متى ٢٧: ٤٠-٤٣
رؤساء الكهنة والمارة والعلماء — كلهم طرحوا نفس السؤال أمام الصليب: إذا كان الله يُريد نجاته، فلماذا لا ينزل؟ وإذا لم ينزل، أليس هذا دليلاً أن الله لا يريده؟
في هذا المقال لا نهرب من السؤال ولا نتجاوزه — بل نجلس معه ونقرأ الإجابة المسيحية من الداخل، بطبقاتها المختلفة.
أولاً: السؤال الأعمق المُضمَر في هذا السؤال
قبل الإجابة، من المهم أن نُفكّك السؤال — لأنه يحمل في طيّه افتراضاً:
الافتراض هو: «إذا كان الله يُحب يسوع فعليه أن يُنقذه من الألم». وهذا الافتراض يُعرّف المحبة بأنها إزالة الألم عمّن تُحبّ. لكن يسوع نفسه طرح تعريفاً مختلفاً للمحبة في أشد لحظاته:
«لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ»
إنجيل يوحنا ١٥: ١٣
المحبة في هذا التعريف ليست درع الحماية من الألم — بل القدرة على الدخول في الألم من أجل الآخر. وهذا يُقلب السؤال الأصلي: ربما لم يُخلّصه لأن هذا هو بالضبط ما تبدو عليه المحبة الكاملة في الفهم المسيحي.
ثانياً: الإجابات المسيحية — بطبقاتها
للسؤال إجابات متعددة في اللاهوت المسيحي — ليست بديلاً عن بعضها بل طبقات متراكمة:
١. لم يكن ذلك قسراً — بل كان اختياراً
الجواب:
الإجابة الأولى والأكثر مباشرةً في الإنجيل: يسوع لم يُصلَب مقهوراً عاجزاً — بل مضى إلى الصليب بإرادته الكاملة. حين أراد أحد تلاميذه حمايته بالسيف، أوقفه:
«أَمْ تَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ مِنْ أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟»
إنجيل متى ٢٦: ٥٣
للتأمل:
القوة كانت حاضرة — القرار كان بعدم استخدامها. الإنقاذ كان ممكناً — الاختيار كان رفضه. هذا يُقلب السؤال: ليس «لماذا لم يستطع الله إنقاذه؟» بل «لماذا اختار ألا ينقذه؟»
٢. الصلب كان هو الهدف — لا العقبة
الجواب:
في الفهم المسيحي، الصلب لم يكن مصيبةً اعترضت الخطة — بل كان الخطة نفسها. يسوع لم يأتِ ليُعلّم فقط ويُبشّر ثم تُفاجئه نهاية مأساوية — بل جاء مع علمه الكامل بما ينتظره:
«لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ»
إنجيل مرقس ١٠: ٤٥
للتأمل:
كلمة «فِدية» — أي ثمن التحرير. يسوع يصف موته مسبقاً بأنه ثمن يُدفع لغرض محدد. لم يكن يكتشف في اللحظة الأخيرة أن موته سيكون ذا معنى — بل كان المعنى سابقاً للموت.
٣. إنقاذه كان سيعني تركنا
الجواب:
هذه الإجابة الأعمق لاهوتياً في الفهم المسيحي: الخلاص كان يتطلب أن يمرّ يسوع بالموت. لو أُنقذ في اللحظة الأخيرة لكان الباب — الذي يؤمن المسيحيون بأنه فُتح للإنسانية — قد أُغلق. بولس يصوغها بالأوضح:
«وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَإِيمَانُكُمْ بَاطِلٌ، وَأَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ»
رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ١٥: ١٧
للتأمل:
المنطق: لا موت = لا قيامة. ولا قيامة = لا انتصار على الموت. والانتصار على الموت هو بالضبط ما يؤمن المسيحيون أن يسوع جاء ليُحقّقه لكل إنسان.
٤. الله لم يغب — بل كان حاضراً بطريقة مختلفة
الجواب:
المزمور الثاني والعشرون — الذي صرخ به يسوع على الصليب «إلهي إلهي لماذا تركتني؟» — لا يُقرأ وحده. يبدأ بالهجر الظاهر ثم ينتقل:
«لأَنَّهُ لَمْ يَحْتَقِرْ وَلَمْ يَكْرَهْ مَذَلَّةَ الْمِسْكِينِ، وَلَمْ يُخْفِ عَنْهُ وَجْهَهُ، بَلِ اسْتَجَابَ لَهُ حِينَ صَرَخَ إِلَيْهِ»
مزمور ٢٢: ٢٤
للتأمل:
يسوع يصرخ بأول المزمور — وهو يعرف آخره. الصرخة حقيقية. لكن المزمور كله شاهد على أن الله لا يُخفي وجهه نهائياً حتى في أشد لحظات الظلام.
٥. الله كان «في» الصلب لا «فوقه»
الجواب:
هذه الإجابة الأكثر دهشةً في اللاهوت المسيحي: الله لم يكن متفرجاً على ابنه يتألم — بل كان هو نفسه في الألم. في عقيدة التجسد، ما حدث على الصليب لم يكن إلهاً يُراقب إنساناً يموت — بل كان الله نفسه يعيش الموت من الداخل:
«لأَنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحاً الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ»
رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس ٥: ١٩
للتأمل:
«الله كان في المسيح» — ليس يُراقبه بل فيه. الصليب في هذا الفهم ليس تخلي الله عن يسوع بل الله يدخل شخصياً في أشد ما يعانيه الإنسان: الألم والموت والشعور بالتخلي.
ثالثاً: ليلة جثسيماني — حين أراد يسوع نفسه أن يُنقذ
لفهم لماذا لم يُنقذ الله يسوع، من المهم قراءة ليلة جثسيماني — اللحظة التي طلب فيها يسوع نفسه أن تمرّ عنه الكأس:
«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ. وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ»
إنجيل متى ٢٦: ٣٩
ثلاث مرات، بنفس الكلمات، طلب يسوع نفس الطلب — وفي كل مرة أضاف: «لكن كما تريد أنت». هذا الطلب لم يُجَب — لم تعبر الكأس. الصلب تمّ.
ماذا يعني هذا؟
اللاهوتيون المسيحيون يرون في هذا المشهد أعمق لحظة في الأناجيل كلها. إرادتان متمايزتان في داخل يسوع: الطبيعة البشرية التي تطلب الإنقاذ، والطبيعة الإلهية التي تُسلّم لما هو آتٍ. و«لكن كما تريد أنت» هي الكلمة الفاصلة.
الله لم يُجب «لا» لطلب يسوع بقسوة — بل الطلب نفسه كان يحمل في نهايته تسليماً. يسوع لم يطلب الإنقاذ مطلقاً — بل طلبه مشروطاً بإرادة الآب. وحين كانت إرادة الآب هي المضي — مضى.
رابعاً: لماذا يُنقذ الله أنبياءه — في المنطق الإسلامي؟
للإنصاف الفكري، من المهم أن نفهم لماذا يرى المسلم في عدم إنقاذ يسوع إشكاليةً أصلاً. المنطق الإسلامي:
الله أنجى أنبياءه في الإسلام إكراماً لهم ولمقامهم. إبراهيم أُلقي في النار فنجا. موسى أُوحي إليه باليم فنجا. يونس في بطن الحوت فنجا. ويسوع — وفق القرآن — لم يُصلَب بل رُفع. النجاة من الموت الذليل هي السمة الإلهية التي تليق بالأنبياء الكرام.
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
سورة المائدة: ٦٧ — الله يعصم نبيّه محمداً ﷺ من الناس
المسيحيون يردّون: هذا المنطق يفترض أن كرامة النبي تكمن في النجاة. لكن ماذا لو كانت كرامته تكمن أحياناً في الذهاب حتى النهاية؟ وماذا لو كانت النجاة هنا — في الفهم المسيحي — لم تأتِ بعدم الموت بل بما جاء بعد الموت؟
خامساً: الإجابة الكاملة لا تُقرأ دون ما بعد الصليب
الخطأ الأكثر شيوعاً في قراءة الصلب هو قراءته بمعزل عمّا يليه في الرواية المسيحية. السؤال «لماذا لم يُنقذه الله؟» يفترض أن القصة انتهت عند الموت. لكن المسيحيون يقرؤون الصلب كجزء من قصة ثلاثية الأيام:
• الجمعة — الموت: يسوع يُصلَب ويموت ويُدفن. يبدو كل شيء منتهياً.
• السبت — الصمت: القبر مُغلَق. التلاميذ يختبئون في خوف. لا صوت.
• الأحد — القيامة: القبر فارغ. يسوع يظهر للمرأة أولاً ثم للتلاميذ. ما بدا هزيمة انقلب.
في هذه القراءة، الله لم يُنقذ يسوع من الموت — بل أنقذه من خلال الموت وإلى ما بعده. ليس تجاوز الصليب بل اختراقه.
«الْمَوْتُ اُبْتُلِعَ إِلَى غَلَبَةٍ. أَيُّهَا الْمَوْتُ، أَيْنَ شَوْكَتُكَ؟»
رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ١٥: ٥٤-٥٥
الانتصار في الفهم المسيحي لم يكن بالنزول عن الصليب — بل بما أتى بعد الصليب. والسؤال «لماذا لم يُنقذه؟» يحتاج أن يُضاف إليه: «من الصليب» أم «من الموت»؟ لأن الإجابة المسيحية هي أنه أُنقذ — لكن من الموت، لا من الصليب.
سادساً: ما الذي يقوله الصليب عن طبيعة الله في الفهم المسيحي؟
هذه هي الطبقة الأعمق في الإجابة المسيحية — لا تُقال كرد دفاعي بل كتأمل لاهوتي:
الصليب يقول: الله لا يشاهد الألم من بعيد
في كل الأديان والفلسفات التي تُقدّم إلهاً قوياً، هذا الإله يقف فوق الألم ويُدبّره من مسافة آمنة. الصليب في المسيحية يقول شيئاً مختلفاً كلياً: الله دخل شخصياً في الألم البشري حتى أعمق نقطة فيه — الموت والشعور بالتخلي.
الصليب يقول: القوة تبدو أحياناً كضعف
المنطق البشري يقول: القوي ينجو. يسوع على الصليب يبدو مهزوماً لمن يقف تحته. وهذا بالضبط ما أربك الجميع. لكن بولس الرسول يقول:
«كَلِمَةُ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ»
رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ١: ١٨
«جهالة» عند من ينتظر إلهاً يُنقذ بالقوة الظاهرة. «قوة الله» عند من يرى أن الانتصار على الموت جاء من خلال الموت.
الصليب يقول: المحبة ليست حماية من الألم بل دخول فيه
كثيرون يتساءلون: «إذا كان الله يُحبني فلماذا يسمح بألمي؟» — وهو السؤال نفسه الذي يكمن وراء «لماذا لم يُنقذ يسوع؟» الصليب في الفهم المسيحي يُقدّم إجابةً لا بالكلمات بل بالفعل: الله لم يُجب على سؤال الألم بحجة فلسفية — بل دخل في الألم نفسه.
سابعاً: اعتراض مشروع يجب مواجهته
يبقى سؤال مشروع بعد كل ما سبق، يطرحه المسلم ومعه كثير من الفلاسفة والملحدين:
إذا كان الله يستطيع أن يغفر للإنسان مباشرةً — كما يفعل في الإسلام — فما الحاجة إلى كل هذا الألم؟ أليس الله قادراً على الغفران دون ثمن؟
هذا اعتراض عميق يجيب عنه اللاهوتيون المسيحيون بطرق مختلفة — لكن الجواب الأكثر شيوعاً:
المسيحيون لا يقولون إن الله «عاجز» عن المغفرة المجانية — بل يقولون إن الصلب ليس ثمناً يُدفع لإله غاضب يحتاج تهدئة. بل هو تعبير عن محبة اختارت أن تُعاني مع الإنسان وتنزل إلى قاع حاله لتُعيده منه. الله لم يُكرَه على الصلب — الله «هو» من اختاره:
«لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ»
إنجيل يوحنا ٣: ١٦
«بذل» — فعل إرادي من الفاعل. الله هو من بذل. ليس أُكرِه ولا اضطرّ.
خاتمة تأملية
السؤال «لماذا لم يُخلّص الله يسوع من الصلب؟» سؤال حقيقي لا إجابة بسيطة عنه. الإجابة المسيحية ليست جملة واحدة — بل هي رؤية كاملة للعالم تقول:
• الإنقاذ لم يكن هو الهدف — بل كان الصلب هو الهدف.
• القوة لا تعني دائماً النجاة — بل تعني أحياناً الذهاب حتى النهاية.
• الله لم يكن غائباً في الصلب — بل كان حاضراً فيه بطريقة غير متوقعة.
• الإنقاذ الحقيقي في الفهم المسيحي لم يكن من الصليب — بل من الموت، وجاء في اليوم الثالث.
والسؤال الذي يبقى مفتوحاً — ولا يُجيب عنه هذا المقال بل تُجيب عنه القراءة المباشرة:
حين صرخ يسوع «إلهي لماذا تركتني؟» ثم قال في اللحظة الأخيرة «بيدك أستودع روحي» — ماذا يعني ذلك عن طبيعة علاقته بالله في تلك اللحظة؟
هذا السؤال لا يُجاب عنه بمقال — بل بقراءة الفصول ٢٦ و٢٧ و٢٨ من إنجيل متى متتاليةً، من الليل حتى الفجر.
نصوص للقراءة المباشرة
• إنجيل متى ٢٦: ٣٦-٧٥ — جثسيماني والقبض على يسوع
• إنجيل متى ٢٧: ١-٦٦ — المحاكمة والصلب والدفن
• إنجيل متى ٢٨: ١-٢٠ — القيامة
• مزمور ٢٢ — الصرخة والثقة (اقرأه كاملاً لتفهم صرخة يسوع)
• رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ١٥: ١-٥٨ — الفصل الكامل عن القيامة
• إنجيل يوحنا ١٠: ١٧-١٨ — يسوع يتكلم عن موته كاختيار
