في الليلة الأخيرة قبل صلبه، وقد عرف يسوع «أن الآب دفع كل شيء إلى يديه، وأنه من عند الله خرج وإلى الله يمضي» — أي في اللحظة التي كان فيها على وعي كامل بمن هو وما ينتظره — لم يفعل ما يُتوقع من مَن هذه سلطته. لم يجلس ليُخدَم. قام عن العشاء، وخلع رداءه، واتّزر بمنشفة، وسكب ماء في مِغسَل، وبدأ يغسل أقدام تلاميذه، ويمسحها بالمنشفة التي كان متّزراً بها.
هذا المشهد، المسجَّل في الإصحاح الثالث عشر من إنجيل يوحنا، يطرح على القارئ المسلم سؤالاً مباشراً: لماذا يفعل نبيٌّ — أو كما يؤمن المسيحيون، اللهُ نفسه في المسيح — عملاً كان في ذلك الزمن من أحطّ أعمال الخدم؟ وماذا كان يريد أن يقول بهذا الفعل الصامت قبل أن يُفسّره بالكلام؟
خلفية المشهد: لماذا كان غسل الأقدام عملاً مهيناً؟
في فلسطين القرن الأول، كانت الطرق ترابية والمشي بالصنادل هو وسيلة التنقل المعتادة. عند دخول بيتٍ ما، كان غسل أقدام الضيوف أمراً ضرورياً للنظافة والراحة — لكنه كان يُوكَل عادة إلى العبيد، وتحديداً إلى العبيد غير اليهود، إذ اعتُبر هذا العمل مهيناً لدرجة أن الشريعة اليهودية أعفت العبد العبراني منه. غسل أقدام شخص آخر كان يعني وضع نفسك موضع الأدنى مادياً — راكعاً أمامه، ممسكاً بقدمه المتسخة بيديك.
فحين قام «الرب والمعلّم» — كما وصف نفسه في هذا المشهد بالذات — وتولّى هذا العمل بيديه، لم يكن ذلك لفتة رمزية عابرة، بل انقلاباً كاملاً على ترتيب المكانة الاجتماعية المعروف للجميع.
المشهد كما يرويه إنجيل يوحنا
| «فَقَامَ عَنِ الْعَشَاءِ وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا. ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا.» إنجيل يوحنا ١٣: ٤-٥ |
جاء بطرس في دوره، فرفض بصدمة: «يا رب، أأنت تغسل رجليَّ؟» فأجابه يسوع بجملة ستصير مفتاحاً لفهم المشهد كله:
| «إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ.» إنجيل يوحنا ١٣: ٨ |
وبعد أن أتمّ المهمة وعاد إلى مكانه، فسَّر فعله بنفسه، دون أن يترك القارئ في حيرة:
| «فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ. لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا.» إنجيل يوحنا ١٣: ١٤-١٥ |
طبقتان في المعنى: الأدب الأخلاقي، والرمز اللاهوتي
يقرأ المفسرون المسيحيون هذا المشهد على طبقتين متلازمتين، لا تُلغي إحداهما الأخرى:
الطبقة الأولى أخلاقية وعملية مباشرة: هذا درسٌ في التواضع وخدمة الآخرين، موجَّه لتلاميذ كانوا قبل ساعات فقط يتجادلون — كما يروي إنجيل لوقا في السياق نفسه — «فيهم مَن يُعَدّ أكبر». الرسالة بسيطة: مَن يريد أن يكون قائداً، فليكن خادماً أولاً، ولو اقتضى ذلك عملاً يستنكف عنه غيره.
والطبقة الثانية رمزية أعمق: حواره مع بطرس («إن كنت لست أغسلك فليس لك معي نصيب») يشير إلى أن الغسل هنا صورة مسبقة لعمل الصليب نفسه — تطهير لا يقدر عليه الإنسان لنفسه، ويُقدَّم له مجاناً من الذي يخدمه. هذا ما يجعل كثيراً من علماء اللاهوت المسيحي يقرأون غسل الأقدام باعتباره «مثالاً» مصغَّراً لكل ما سيحدث على الصليب بعد ساعات قليلة: مَن هو أعلى الجميع مقاماً ينزل ليخدم مَن هم دونه، ويُطهّرهم بما يبذله من نفسه لا بما يفعلونه هم.
لماذا هذا الترتيب في التوقيت؟
يُشير النص إلى أن هذا حدث «في وقت العشاء» — أي في الليلة نفسها التي أسّس فيها يسوع، بحسب الأناجيل الإزائية، العشاء الرباني، وفي الليلة السابقة مباشرة لصلبه. لم يكن هذا فعلاً عابراً في يوم عادي، بل حركة أخيرة ومقصودة قبل أن «يُسلَّم». والنص يُصرّح بوعي يسوع الكامل بهويته ومصيره في تلك اللحظة بالذات:
| «وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ عَالِمًا أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ وَإِلَى اللهِ يَمْضِي، قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ.» إنجيل يوحنا ١٣: ٣-٤ |
هذا التفصيل مهم للقارئ الذي قد يفترض أن يسوع خدم تلاميذه لأنه كان في موضع أدنى أو غير واثق من مكانته. النص يقول العكس تماماً: هو فعل ذلك وهو على وعي كامل بأن «كل شيء» بين يديه.
صدى الفكرة في مواضع أخرى من الإنجيل
ليس مشهد غسل الأقدام معزولاً؛ فكرة القائد الذي يخدم بدل أن يُخدَم تتكرر في تعليم يسوع بصيغ متعددة. ففي إنجيل لوقا، وفي سياق جدال مشابه بين التلاميذ حول مَن هو الأعظم بينهم، يقول يسوع:
| «فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ، الَّذِي يَتَّكِئُ أَمِ الَّذِي يَخْدِمُ؟ أَلَيْسَ الَّذِي يَتَّكِئُ؟ ولٰكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدِمُ.» إنجيل لوقا ٢٢: ٢٧ |
والرسائل التي كتبها تلاميذه لاحقاً تحمل الصدى نفسه؛ فبولس، في وصفه لتنازل المسيح، يستخدم لغة «إخلاء الذات» — أخذ صورة عبد، واتّضع، حتى الموت. غسل الأقدام، في هذا الإطار، ليس استثناءً في سيرة يسوع، بل مثالٌ حيّ ومُجسَّد لخط ثابت في تعليمه: أن العظمة الحقيقية تُقاس بالخدمة لا بالتسلّط.
المنظور الإسلامي: التواضع في سيرة الأنبياء
لا يفتقر القارئ المسلم إلى ما يوازي هذا المعنى في تراثه؛ فالتواضع رغم علو المكانة قيمة راسخة في السيرة النبوية. توجّه القرآن إلى النبي محمد ﷺ بقوله:
| ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة الشعراء: ٢١٥ |
وقد فسّر المفسرون «خفض الجناح» بأنه كناية عن اللين والتواضع ورقة الجانب مع أتباعه، على الرغم من مقامه ﷺ الرفيع. وتذكر السيدة عائشة رضي الله عنها، حين سُئلت عمّا كان يفعله النبي ﷺ في بيته، أنه:
| «كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَكَانَ يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ.» رواه الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها |
فالنبي ﷺ، بحسب هذا الأثر، كان يخدم نفسه وأهله بيده رغم مكانته، ويرفض التميّز الشكلي عن الناس. هذا يعطي القارئ المسلم أرضية مألوفة لفهم منطق غسل الأقدام: قائدٌ يُثبت مكانته لا بالتميّز عن أتباعه، بل بخدمتهم.
غير أن الفارق اللاهوتي بين المشهدين يبقى جوهرياً ولا ينبغي طمسه: خدمة النبي ﷺ لنفسه وأهله تُقرأ في الإسلام كتواضع بشري نموذجي من رسول مُرسَل، بينما يقرأ المسيحيون غسل يسوع لأقدام تلاميذه، بحوار «إن كنت لست أغسلك فليس لك معي نصيب»، كفعل يحمل بُعداً فوق بشري — تنازل الخالق نفسه ليخدم مخلوقاته، وهو ادعاء يرفضه الإسلام جملة وتفصيلاً باعتباره مساساً بتوحيد الله المطلق وتنزّهه عن الحاجة إلى التجسد أو الخدمة.
مقارنة سريعة
| المحور | المنظور الإنجيلي | المنظور الإسلامي |
| مَن قام بالفعل ولماذا | يسوع، وهو — بحسب الإيمان المسيحي — الله المتجسد، يخدم تلاميذه بيده | النبي محمد ﷺ، رسول بشري مكرَّم، يخدم نفسه وأهله ويتواضع لأتباعه |
| الأساس اللاهوتي | الله ذاته ينزل ليخدم الإنسان، تجسيداً لمحبة تُضحّي بذاتها | التواضع صفة يُؤمر بها الأنبياء والمؤمنون، دون أن يمسّ ذلك ألوهية الله المتعالية عن الحاجة |
| الرمزية الأعمق | غسل الأقدام مثال مصغَّر لتطهير الصليب — نعمة تُمنَح لا تُكتسَب | الفعل نموذج أخلاقي يُقتدى به، لا يحمل بُعداً فدائياً أو تكفيرياً |
| الأثر على التلاميذ/الأتباع | أمر مباشر: «يغسل بعضكم أرجل بعض»، كنموذج خدمة متبادلة | أمر بلين الجانب والرأفة، لا بطقس متبادل محدد |
ما الذي يبقى من المشهد بعد كل هذا التفسير؟
مهما اختلف القارئ المسيحي والمسلم في تفسير هوية الفاعل وحدود ما يجوز نسبته إلى الله، يبقى في المشهد نفسه شيء يصعب أن يختلف عليه أحد: صورة إنسانٍ ذي مكانة عالية يركع أمام أتباعه ليخدمهم بيديه، في الليلة التي يعرف فيها أنه سيُسلَّم إلى الموت. سواء قرأتَه كفعل بشري نموذجي أو كتنازل إلهي، فإن السؤال الذي يطرحه المشهد على كل قارئ واحدٌ: هل تُقاس عظمة الإنسان بمن يخدمه، أم بمن يخدمهم هو؟
للقراءة المباشرة
- إنجيل يوحنا، الإصحاح ١٣ كاملاً — المشهد الكامل وما تلاه من حوار وتعليم
- إنجيل لوقا ٢٢: ٢٤-٢٧ — الجدال حول الأعظم، وقول يسوع «أنا بينكم كالذي يخدم»
- رسالة بولس إلى أهل فيلبي ٢: ٥-٨ — «إخلاء الذات» ومعناه اللاهوتي
- سورة الشعراء: ٢١٥، وسورة الحجر: ٨٨ — الأمر بخفض الجناح للمؤمنين
- كتب السيرة النبوية — أبواب التواضع في سيرة النبي ﷺ
سؤال للتأمل
حين تتخيّل صورة القائد الأعظم أو النبي الأخير — هل ترى فيها مَن يُخدَم أولاً، أم مَن يخدم أولاً؟ وأيّ الصورتين أقرب إلى ما تعرفه من سيرة الأنبياء الذين تؤمن بهم؟
