دمعةٌ غسلت الماضي: كيف يمنحنا الله بداية جديدة؟
تأخذنا روايات الإنجيل إلى مشهد مهيب ومؤثر، يفيض بالعبر والرحمة. مشهد لامرأة كسرها ماضيها، وعُرفت في مجتمعها بضعفها وذنوبها. هذه المرأة، عندما علمت بوجود السيد المسيح في بيت أحد وجهاء المجتمع، لم تتردد ولم يمنعها خجلها أو نظرات الناس القاسية من المجيء إليه.
جاءت وهي تحمل قارورة من عطرٍ طيب، ووقفت عند قدميه باكية. لم تنطق بكلمة، بل كانت دموع الندم والانكسار تنهمر من عينيها لتغسل قدميه، ثم مسحتهما بشعر رأسها وقبّلتهما ودهنتهما بالطيب (لوقا 7: 36-50).
في تلك اللحظة، كان الحاضرون ينظرون إليها بعين الاحتقار والازدراء، ويتساءلون كيف لرجل صالح أن يسمح لامرأة “خاطئة” بأن تلمسه! لكن رد فعل المسيح كان درساً خالداً في الرحمة الإلهية؛ لم يطردها، ولم يوبخها، ولم يفضح سترها، بل التفت إليها وقال ببلسم شافٍ لروحها المنهكة:
«مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ… إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ».
أعمق من مجرد ماضٍ
في ثقافتنا ومجتمعاتنا، كثيراً ما نقع في فخ “الوصمة”. نجلد أنفسنا، أو يجلدنا الآخرون بماضينا، حتى نشعر أن ذنوبنا القديمة قد حددت قيمتنا إلى الأبد، وكأن باب التغيير قد أُغلق. لكن هذه القصة العظيمة تقلب الموازين وتعلّمنا حقائق في غاية الروعة:
- الله ينظر إلى المستقبل لا إلى الماضي: لم ينظر المسيح إلى ما كانت عليه هذه المرأة في الأمس، بل نظر إلى صدق توبتها في اللحظة الراهنة، وإلى الإنسانة الطاهرة التي يمكن أن تصبح عليها غداً.
- الانكسار هو مفتاح القبول: لم يكن الغفران هنا مكافأة على أعمال عظيمة قامت بها، بل كان استجابة لقلبها المنكسر المستغفر. وكما يُقال في الأثر: “رُبّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً”.
- بين الستر والبداية الجديدة: لم يتجاهل المسيح حقيقة خطيئتها، ولم يقل إن الذنب أمر بسيط، ولكنه تعامل مع المذنب برحمة الطبيب الذي يداوي الجراح. لقد سلب منها “لقب الخاطئة” وأعطاها بدلاً منه صك الأمان والسلام النفسي، مانحاً إياها فرصة لولادة جديدة.
دعوة لغسل أثقال القلوب
إن الله الذي يقبل توبة عباده، يفرح برجوعهم إليه أشد الفرح. هذه القصة تهمس في أذن كل إنسان أثقلته القيود، وكل قلب يظن أنه قد ابتعد لدرجة لا يمكن الرجوع منها: إن قطرة دموع واحدة من قلب صادق نادم، كفيلة بأن تمحو بحوراً من الأخطاء.
سؤال للتأمل والتدبر: إذا كان الله يرى كل تفاصيل ماضيك، ومع ذلك لا يزال يناديك برحمته… فماذا لو كان مستعداً الآن، وفي هذه اللحظة، أن يطوي لك كل الصفحات القديمة ويفتح لك صفحة جديدة ناصعة؟ فهل تتقدم إليه بقلب منكسر؟
