هناك أسئلة لا تُقال بسهولة، لكنها تبقى حاضرة في الداخل.
ومن أصدق هذه الأسئلة:
هل الله يحبني فعلًا؟ أم أن دوري فقط أن أطيعه؟
كثيرون يعيشون علاقتهم مع الله وكأنها قائمة على مبدأ بسيط:
أنا أطيع… حتى لا أُعاقَب.
ألتزم… حتى أكون مقبولًا.
لكن هل هذه علاقة حقًا؟ أم مجرد نظام نحاول الالتزام به؟
هناك فرق عميق بين من يفعل الصواب لأنه خائف، ومن يفعله لأنه محبوب.
الأول يعيش تحت ضغط مستمر، يحسب كل خطوة.
أما الثاني، فيتحرك من داخل مختلف، من ثقة وراحة.
الخوف قد يدفع الإنسان إلى الطاعة، لكنه لا يغيّر القلب.
أما الحب، فيفعل.
لهذا يصبح السؤال أكثر وضوحًا:
هل تقترب من الله… أم أنك في الحقيقة تختبئ منه؟
عندما تحدّث يسوع عن الله، لم يقدّمه كقوة بعيدة أو كحاكم يراقب من علٍ، بل كأب قريب.
أب يرى، ويسمع، ويهتم.
لم تكن كلماته معقّدة، بل كانت بسيطة وقريبة من الحياة:
اطلبوا تجدوا… اقرعوا يُفتح لكم.
كأن الرسالة تقول إن الله ليس بعيدًا ينتظر زلّتك، بل قريب، ينتظر اقترابك.
بل وأكثر من ذلك، قدّم صورة مختلفة تمامًا عن طبيعة علاقة الله بالإنسان.
تحدّث عن أب ينتظر ابنه الضائع، لا ليعاقبه، بل ليستقبله.
وعن راعٍ يترك الكثير ليبحث عن واحد ضائع.
هذه الصور لا تصف إلهًا يبحث أولًا عن الأخطاء، بل إلهًا يبحث عن الإنسان نفسه.
لكن يبقى سؤال صعب:
ماذا عن أخطائي؟
هل ما زال هناك مكان لي؟
ربما ما يثقل القلب ليس الخطأ بحد ذاته، بل الشعور أن هذا الخطأ أنهى كل شيء.
لكن الفكرة التي قد تغيّر نظرتك هي أن أخطاءك قد تُبعدك في إحساسك، لكنها لا تُلغي محبة الله لك.
نحن نبتعد، نعم.
لكن الله لا يتحوّل إلى عدو.
بل يظل حاضرًا… منتظرًا.
ليس انتظار إدانة، بل انتظار عودة.
المشكلة أن كثيرين تعلّموا أن الحب يُكتسب، وأن القبول له شروط، وأن القيمة مرتبطة بما يفعله الإنسان.
فنُسقِط هذا على الله دون أن نشعر، ونظن أنه يقول:
تحسّن أولًا… ثم سأحبك.
لكن الصورة التي قدّمها يسوع كانت معاكسة تمامًا.
الفكرة لم تكن: تحسّن لكي تُحَب،
بل: أنت محبوب، لذلك يمكنك أن تأتي.
وهنا تتغيّر نقطة البداية كلها.
الطاعة، في هذا الإطار، لا تعود شرطًا للحصول على القبول، بل نتيجة طبيعية لعلاقة حقيقية.
فالإنسان الذي يثق بمن يحبه، لا يحتاج إلى تهديد لكي يطيعه.
تصبح الطاعة تعبيرًا عن الثقة، لا استجابة للخوف.
وتتحوّل من عبء إلى حياة.
ورغم ذلك، يمر كثيرون بلحظات يشعرون فيها أن الله بعيد.
يصلّون ولا يشعرون بشيء، يطلبون ولا يرون إجابة، فيظنون أن الله لا يهتم.
لكن ربما المشكلة ليست دائمًا في غياب الله، بل في الصورة التي نحملها عنه.
عندما نراه كقاضٍ قاسٍ، نخاف الاقتراب.
وعندما نظنه بعيدًا، نتوقف عن المحاولة.
لكن ماذا لو كان أقرب مما نتصوّر؟
ما الذي يريده الله إذًا؟
هل يريد طقوسًا، كلمات محفوظة، أو أفعالًا متكررة؟
أم يريد شيئًا أبسط… وأعمق؟
يريد علاقة.
علاقة فيها صدق، لا تكلّف فيها، ولا محاولة لإخفاء الحقيقة.
أن يتكلّم الإنسان مع الله كما هو، لا كما يظن أنه يجب أن يكون.
أن يقول ما في داخله، حتى لو كان ارتباكًا أو شكًا أو تعبًا.
ربما هذه هي البداية الحقيقية.
ليس المطلوب أن تفهم كل شيء، ولا أن تغيّر كل شيء دفعة واحدة.
بل أن تبدأ بخطوة صادقة.
أن تقول ببساطة:
يا رب… إن كنت تحبني فعلًا، ساعدني أن أعرفك كما أنت، لا كما تخيّلتك.
في النهاية، يبقى سؤال يستحق أن يُسأل بهدوء:
إذا كان الله يحبك حقًا…
فهل علاقتك به اليوم تعكس هذا الحب؟
أم أنها ما زالت قائمة على الخوف والواجب فقط؟
ربما الإيمان لا يبدأ بإجابة جاهزة،
بل بلحظة صدق… يجرؤ فيها الإنسان أن يبحث.
