هذا واحد من أصعب الأسئلة التي يمكن أن يطرحها أي إنسان.
إذا كان الله محبة، فلماذا يوجد ألم؟ لماذا نرى حروبًا، أمراضًا، ظلمًا، وفقدانًا؟ ولماذا يبدو أحيانًا أن الله صامت؟
هذا السؤال ليس مجرد فكرة فلسفية، بل غالبًا تجربة شخصية عميقة. ربما صليت ولم يتغير شيء، أو فقدت شخصًا عزيزًا، أو مررت بظروف جعلتك تتساءل: “أين الله في كل هذا؟” فهل يعني وجود الألم أن الله ليس محبة، أم أن هناك شيئًا أعمق لم نفهمه بعد؟
نحن غالبًا نفترض أن محبة الله تعني أن يمنع كل ألم فورًا، لكن ماذا لو كانت الصورة أكبر من ذلك؟ تخيّل عالمًا بلا ألم ولا نتائج للأفعال، هل سيكون هناك عدل حقيقي؟ وهل سيكون لاختياراتنا معنى؟ الله لم يخلق الإنسان كآلة، بل أعطاه حرية أن يختار، أن يحب أو يرفض، أن يفعل الخير أو يصنع الشر. هذه الحرية هي جزء من كرامة الإنسان، لكنها تحمل معها إمكانية الألم، لأن الشر الذي يختاره الإنسان لا يؤثر عليه وحده بل يمتد إلى الآخرين أيضًا. لهذا يقول الكتاب: “اخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ…” (يشوع 24: 15). فالسؤال الحقيقي يصبح: هل نريد عالمًا بلا شر، أم عالمًا بلا حرية؟
ومع ذلك، ليس كل ألم يمكن تفسيره بسهولة. هناك آلام لا نعرف سببها: مرض مفاجئ، خسارة غير متوقعة، أو ظروف قاسية لا نفهمها. هنا يصبح السؤال أعمق، وربما أكثر إيلامًا. الكتاب المقدس لا يقدّم دائمًا إجابة مباشرة لكل “لماذا”، لكنه يقدّم منظورًا مختلفًا:
“لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلا طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ” (إشعياء 55: 8)
هذا لا يعني أن الألم بلا معنى، بل يعني أن الصورة الكاملة قد تكون أكبر مما نراه الآن.
لكن ما يميّز الإيمان المسيحي هو أن الله لم يبقَ بعيدًا عن الألم، بل دخل إليه. يسوع نفسه عاش الألم واختبر الحزن، حتى قيل عنه:
“رجل أوجاع ومختبر الحزن” (إشعياء 53: 3)
ولم يكن بعيدًا عن معاناة الناس، بل بكى معهم أيضًا (يوحنا 11: 35). هذا يغيّر طريقة النظر إلى الموضوع؛ فبدل أن يكون السؤال “أين الله عندما أتألم؟” يمكن أن يصبح “هل الله معي في هذا الألم؟” الإيمان لا يقول إن الله يشرح كل شيء، لكنه يعلن حضوره في وسط المعاناة.
ومع مرور الوقت، يكتشف كثيرون أن الألم، رغم قسوته، يمكن أن يحمل معنى لم يكونوا يرونه من قبل. ليس لأن الألم جيد في ذاته، بل لأن الله قادر أن يعمل من خلاله. كما يقول الكتاب:
“نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ” (رومية 8: 28)
وفي وسط الانكسار، هناك وعد آخر:
“قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ” (مزمور 34: 18)
الله لا يعد بحياة خالية من الألم، لكنه يعد بحضور لا يترك الإنسان فيها.
في النهاية، السؤال ليس فقط لماذا يوجد الألم، بل هل الله تركنا فيه؟ والإجابة التي يقدّمها الإيمان المسيحي هي لا. فمحبة الله لا تعني غياب المعاناة، بل تعني أن هذه المعاناة ليست النهاية، وأن الإنسان ليس وحده فيها. كما كُتب:
“لأَنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لا مَوْتَ وَلا حَيَاةَ… تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ” (رومية 8: 38-39)
عندما تمر بالألم، قد يبدو الله بعيدًا، لكن هل يمكن أن يكون في الحقيقة أقرب مما تتخيل؟
