قد يبدو هذا السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة يمسّ شيئًا عميقًا داخل كل إنسان. لأن الطريقة التي تجيب بها عليه لا تغيّر فقط نظرتك إلى الله، بل تغيّر أيضًا إحساسك بالحياة نفسها.
هل تشعر أن الله قريب منك فعلًا؟ أم أنه يبدو بعيدًا، لا تلتقي به إلا في لحظات محددة—في الصلاة، أو عندما تضيق بك الأمور؟
كثيرون، دون أن ينتبهوا، يحملون صورة معيّنة عن الله. يرونه في السماء فقط، منفصلًا عن تفاصيل حياتهم اليومية، كأن حضوره مرتبط بمكان أو وقت. وعندما يحتاجونه، يتوجّهون إليه، لكن بقية الوقت يعيشون وكأنه بعيد.
لكن هل هذه هي الحقيقة فعلًا؟ أم أنها مجرد صورة تعلّمناها مع الوقت؟
عندما تحدّث يسوع عن الله، لم يقدّمه بهذه الطريقة. لم يتكلم عن إله بعيد يصعب الوصول إليه، بل عن إله يعرف الإنسان معرفة شخصية. إله يسمع، ويرى، ويهتم. لم تكن الفكرة أن الله موجود في مكان بعيد تنتظر الوصول إليه، بل أنه قريب بطريقة لا نتوقعها.
بل ذهب أبعد من ذلك، حين شبّه العلاقة مع الله بعلاقة الأب بأولاده. وهذه الصورة، رغم بساطتها، تحمل معنى عميقًا. لأن علاقة الأب بابنه ليست علاقة رسمية، ولا قائمة على المسافة، بل على القرب والمعرفة والثقة.
ومع ذلك، يبقى داخل كثيرين شعور صادق: “أنا أتكلّم مع الله… لكن لا أشعر أن أحدًا يسمعني.”
هذا الشعور ليس غريبًا، لكنه لا يعني بالضرورة أن الله لا يسمع. ربما لأننا نربط السماع بطريقة معيّنة، أو بكلمات محددة، أو بإحساس معيّن. لكن الصورة التي قدّمها يسوع كانت مختلفة. لم يقل إن الله يسمع من يتكلم كثيرًا، أو من يستخدم كلمات خاصة، بل أشار إلى أن الله يعرف ما في القلب قبل أن يُقال بالكلمات.
كأن العلاقة معه لا تبدأ من اللسان، بل من الصدق.
ومن اللافت في حياة يسوع أنه لم يقترب فقط من الذين يُعتبرون قريبين من الله في نظر الناس، بل اقترب تحديدًا من الذين يشعرون أنهم بعيدون. من الضعفاء، من الحزانى، من الذين يحملون شعورًا داخليًا بالذنب أو بعدم الاستحقاق. وكان حضوره معهم يوصل رسالة بسيطة لكنها عميقة: الله ليس بعيدًا عنكم.
وهنا يظهر التناقض الذي يعيشه كثيرون. الله قد يكون قريبًا، لكن الإنسان يشعر أنه بعيد. وقد يكون السبب ليس في الله، بل في الطريقة التي ننظر بها إليه. أحيانًا نخاف الاقتراب لأننا نراه قاسيًا، أو نبتعد لأننا نشعر أننا لا نستحق، أو ببساطة لأننا لا نعرف كيف نبدأ.
فنظن أن المشكلة في المسافة، بينما قد تكون في الاتجاه.
لكن ماذا لو كان الله أقرب مما تتخيّل؟ ماذا لو كان يسمعك الآن، ويفهمك، حتى تلك الأشياء التي لا تعرف كيف تعبّر عنها؟ ماذا لو كان لا ينتظر منك كلمات مثالية، بل ينتظر فقط أن تأتي كما أنت؟
ربما البداية ليست معقّدة كما نتصوّر. ربما لا تحتاج إلا أن تتكلّم بصدق، دون ترتيب أو تزييف، وأن تقول ما في داخلك كما هو.
قد تكون جملة بسيطة مثل: “يا رب، إن كنت قريبًا مني، ساعدني أن أشعر بذلك” بداية حقيقية.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا، ليس للنقاش فقط، بل لك أنت شخصيًا: إذا كان الله قريبًا فعلًا، فلماذا نعيش أحيانًا وكأنه بعيد؟ هل لأن المسافة حقيقية… أم لأننا لم نجرّب أن نقترب بعد؟
