كثيرٌ ممن يقرأ سيرة الأنبياء يبحث عن معجزة كبرى، أو خطبة عصماء، أو معركة حاسمة، ليقيس بها أثر النبي في زمانه. لكن من يقرأ الإنجيل بعناية يلحظ شيئاً مختلفاً: الأثر الأعمق ليسوع في الناس لم يكن غالباً في جموع تُخاطَب من بعيد، بل في أفرادٍ بأعينهم، جلس معهم، أكل على موائدهم، وقف أمامهم، ونظر في عيونهم. رجل قصير القامة تسلّق شجرة، امرأة جاءت لتستقي ماءً في وقتٍ لا يراها فيه أحد، جابي ضرائب يجلس عند طاولته المكروهة، صيّاد أنكر أنه يعرفه أصلاً. هؤلاء لم يخرجوا من لقائهم بيسوع كما دخلوا إليه.
هذا المقال يتتبع أربعة أو خمسة من هذه اللقاءات كما رواها الإنجيل، ليس بحثاً عن عِبرة أخلاقية عامة، بل ليسأل سؤالاً أدق: ما الذي كان يحدث فعلاً في هذه اللقاءات؟ وهل يشبه هذا شيئاً مما يعرفه القارئ المسلم عن النبي محمد ﷺ وأثره في أصحابه، أم يختلف عنه في نقطة جوهرية؟
١. زكّا: الرجل الذي لم يستطع أحد أن يراه
في مدينة أريحا، كان هناك رجل اسمه زكّا، رئيسٌ لجباة الضرائب، وكان غنياً. الجباة في ذلك الزمن لم يكونوا موظفين عاديين؛ كانوا يعملون لحساب السلطة الرومانية المحتلّة، ويجمعون من أبناء شعبهم أكثر مما هو مقرر، فيكرههم الناس ويعدّونهم خونة وسارقين. لم يكن مسموحاً لهم حتى بدخول الهيكل. زكّا كان في قمة هذه الكراهية الاجتماعية: رئيسٌ للعشّارين، وغنيٌّ بأموال جُمعت من ظلمٍ معلوم للجميع.
أراد زكّا أن يرى يسوع فحسب، لا أن يتحدث إليه. لكنه كان قصير القامة، والجموع تحجب الرؤية، فركض متقدماً وصعد على شجرة جميز — وهو تصرّف كان مُهيناً لرجلٍ في مكانته، أن يتسلق شجرة كما يفعل الصبية. لم يكن يطلب شيئاً سوى النظر من بعيد.
المشهد كما رواه لوقا:
«فَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْمَكَانِ، نَظَرَ إِلَى فَوْقُ فَرَآهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وَانْزِلْ، لأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِكَ.»
(إنجيل لوقا ١٩: ٥)
لم يطلب زكّا شرفاً، فمُنحه على غير سؤال. ولاحظ القارئ التفصيل: يسوع لم يقل «سآتي إن دعوتني»، بل قال «ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك» — وكأن المبادرة منه هو، لا من الرجل المرفوض اجتماعياً. تذمّر الحاضرون: «إنه دخل ليبيت عند رجل خاطئ» — فمجرّد الجلوس على مائدة زكّا كان يُقرأ في ذلك المجتمع كتأييدٍ لسلوكه.
لكن ما حدث بعد ذلك هو ما يستحق التوقف عنده: زكّا لم يُطالَب بشيء، ومع ذلك تحوّل سلوكه من تلقاء نفسه.
«فَوَقَفَ زَكَّا وَقَالَ لِلرَّبِّ: هَا أَنَا يَا رَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ.»
(إنجيل لوقا ١٩: ٨)
أربعة أضعاف هو مقدار التعويض الذي تفرضه الشريعة الرومانية على السارق المُدان، لا مجرد ندمٍ لفظي. زكّا اعترف ضمناً بأنه كان يسرق، وقرر أن يعوّض بأقصى ما تطلبه العدالة، لا بأدنى ما يمكن أن يُغتفر به. لم يأمره يسوع بذلك؛ الرجل بادر به من تلقاء نفسه، بعد أن شعر أنه مقبولٌ قبل أن يتغيّر، لا بعده.
٢. متّى: من طاولة الجباية إلى كتابة الإنجيل
متّى، الذي عُرف أيضاً باسم لاوي، كان يجلس عند «مكان الجباية» في كفرناحوم حين مرّ يسوع من هناك. لم يسبق حديث، ولم تُذكر مقدمات.
المشهد كما رواه متّى بنفسه:
«وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَاناً جَالِساً عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ.»
(إنجيل متّى ٩: ٩)
كلمتان فقط: «اتبعني». ومع ذلك، ترك متّى طاولته وماله ووظيفته على الفور، دون تردد، ودون استشارة أحد. اللافت أن متّى، وهو كاتب هذا الإنجيل بحسب التقليد المسيحي المبكر، لم يُخفِ عن نفسه هذا الماضي المخجل؛ فهو الذي دوّن أنه كان جالساً «عند مكان الجباية»، ولم يُجمّل صورته أو يحذف تفصيل مهنته المكروهة.
ثم أقام متّى وليمة في بيته، ودعا إليها زملاءه من العشّارين والخطأة — وكأنه أراد أن يُشرك من عرفهم في نفس هذا اللقاء الذي غيّره. اعترض الفريسيون: «لماذا يأكل معلّمكم مع العشّارين والخطأة؟» فجاء ردّ يسوع تفسيراً لكل ما سبق ولكل ما سيأتي في هذا المقال:
«لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى… لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ.»
(إنجيل متّى ٩: ١٢-١٣)
٣. المرأة السامرية: حوار عند بئر في الظهيرة
في طريقه من اليهودية إلى الجليل، اجتاز يسوع أرض السامرة، حيث كانت العداوة بين اليهود والسامريين قديمة وعميقة، لدرجة أن اليهودي لم يكن يستعير إناءً من سامري أو يخاطبه. وامرأة سامرية جاءت لتستقي عند بئر يعقوب في وقتٍ غير معتاد — الظهيرة — وهو تفصيل يلمحه كثير من المفسرين كإشارة إلى أنها كانت تتجنب الزحام والنظرات، ربما بسبب وضعها الاجتماعي.
طلب منها يسوع أن يشرب، فتعجّبت: «كيف تطلب مني لتشرب، وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟» ثم دار بينهما حوار لاهوتي عميق عن الماء الحي والعبادة الحقيقية، قبل أن ينتقل يسوع فجأة إلى صميم حياتها الشخصية:
المشهد كما رواه يوحنا:
«قَالَ لَهَا يَسُوعُ: اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى هُنَا. أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ وَقَالَتْ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ. قَالَ لَهَا يَسُوعُ: حَسَناً قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ، لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ.»
(إنجيل يوحنا ٤: ١٦-١٨)
لم يواجهها يسوع بإدانة، بل بمعرفةٍ دقيقة قالها بلطفٍ لافت — لم يستخدم كلمة صريحة محرجة، بل عبارة رقيقة تحفظ لها كرامتها رغم كشفه لحقيقة حالها. أدركت المرأة أنها أمام نبيّ، بل أكثر من نبي. وما حدث بعد ذلك يستحق التأمل: امرأة كانت تتجنب الناس في الظهيرة، تركت جرّتها عند البئر وذهبت إلى المدينة لتخبر الجميع.
«فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ… فَآمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَثِيرُونَ مِنَ السَّامِرِيِّينَ بِسَبَبِ كَلاَمِ الْمَرْأَةِ.»
(إنجيل يوحنا ٤: ٣٩، بتصرف يسير)
المرأة التي كانت تتجنب اللقاء بالناس صارت أول من كرز بيسوع في مدينتها. هذا الانقلاب — من الاختباء إلى الإعلان — هو نفس النمط الذي يتكرر في كل المشاهد التالية: من عرف أنه مقبولٌ رغم ماضيه، لم يعد قادراً على الصمت عنه.
٤. بطرس: حين تُستَرد الثقة بعد الإنكار
بطرس كان أقرب تلاميذ يسوع وأكثرهم اندفاعاً، وقد وعد ليلة القبض على يسوع أنه سيموت معه إن لزم الأمر. لكنه، في تلك الليلة نفسها، أنكر معرفته بيسوع ثلاث مرات أمام خدم رئيس الكهنة، خوفاً على نفسه. وبعد القيامة، في لقاءٍ على شاطئ بحيرة طبرية، وبعد وجبة إفطار مشتركة، سأله يسوع سؤالاً واحداً كرّره ثلاث مرات:
المشهد كما رواه يوحنا:
«يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ. قَالَ لَهُ: ارْعَ خِرَافِي.»
(إنجيل يوحنا ٢١: ١٥، وتكرر السؤال ثلاث مرات في الآيات ١٥-١٧)
لاحظ المفسرون أن عدد الأسئلة الثلاثة يقابل عدد مرات الإنكار الثلاث، وأن بطرس «حَزِنَ» حين سُئل للمرة الثالثة، لأنه أدرك المقصد. لم يُوبَّخ بطرس بكلمة قاسية، ولم يُطالَب باعتذار مطوّل؛ بل استُعيدت ثقته عبر إعادة تكليفه بذات المهمة التي كان يُفترض أن يقوم بها: «ارعَ خرافي». من أنكر ثلاثاً، أُعيد تكليفه ثلاثاً، لا لِيُذَكَّر بفشله، بل لِيُستَرَدّ إلى موضعه.
٥. الخيط الجامع بين هذه المشاهد
من يقرأ هذه اللقاءات الأربعة معاً — العشّار الغني المرفوض، الجابي المكروه، المرأة ذات الماضي المتعدد، التلميذ الذي أنكر معلّمه — يلحظ نمطاً واحداً يتكرر:
◆ يسوع يبادر هو، لا الشخص المرفوض. في كل مشهد تقريباً، يسوع هو من ينظر، من يتكلم أولاً، من يطلب اللقاء.
◆ القبول يسبق التغيّر، لا يتبعه. لم يُطالَب أيٌّ منهم بإصلاح نفسه أولاً كشرطٍ للقبول؛ التغيّر جاء نتيجة القبول لا سبباً له.
◆ من عرفوا أنهم مقبولون، تغيّروا من تلقاء أنفسهم. زكّا وعد بالتعويض من غير أن يُطلَب منه، والمرأة السامرية كرزت من غير أن تُؤمَر.
◆ الاعتراض جاء دائماً من المتديّنين المراقبين، لا من الأشخاص أنفسهم. الفريسيون تذمّروا على مائدة متّى وعلى ضيافة زكّا، بينما الأشخاص أنفسهم كانوا يتغيّرون بصمت.
جدول مقارنة: أربعة لقاءات، نمط واحد
| الشخص | موضع الرفض الاجتماعي | مبادرة يسوع | أثر اللقاء |
| زكّا | رئيس عشّارين، غنيّ بمالٍ مشبوه | «ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك» | ردّ أربعة أضعاف، وتصدّق بنصف ماله |
| متّى | جابي ضرائب يعمل لحساب الرومان | «اتبعني» بلا مقدّمات | ترك كل شيء، وصار كاتب إنجيل |
| المرأة السامرية | سامرية، وماضٍ اجتماعي صعب | يطلب أن يشرب منها، ويكشف حالها بلطف | تركت جرّتها وكرزت في مدينتها |
| بطرس | أنكر معرفته بيسوع ثلاث مرات | يكرر السؤال «أتحبني» ثلاث مرات بلا توبيخ | استُعيد إلى الرعاية والقيادة |
٦. سؤال للقارئ المسلم: أهو أمرٌ مألوف أم مختلف؟
قد يجد القارئ المسلم في هذه المشاهد صدىً لما يعرفه عن النبي محمد ﷺ وأصحابه: أن الإسلام أيضاً فتح الباب للتائبين، وأن أحاديث كثيرة تتحدث عن سعة رحمة الله وقبوله للعائدين إليه، مثل الحديث القدسي المشهور عن الله تعالى: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي». هذا التقاء حقيقي يستحق أن يُذكر بإنصاف: كلا الدينين يؤكد أن باب التوبة مفتوح، وأن الله لا يرفض التائب أياً كان ماضيه.
لكن المتأمل في هذه المشاهد الإنجيلية تحديداً قد يلحظ فارقاً في البنية لا في المبدأ: في هذه اللقاءات، ليست التوبة هي التي تفتح الباب للقبول، بل القبول هو ما يفتح الباب للتوبة. زكّا لم يُطالَب بالتغيّر قبل أن يُستَقبَل؛ استُقبِل أولاً، ثم تغيّر من تلقاء نفسه. وهذا يرتبط عند المسيحيين بفهمهم لشخص يسوع نفسه: أنه لم يأتِ ليُخبر الناس بشروط القبول، بل ليكون هو نفسه سبب القبول — وهي نقطة تستحق مقالاً مستقلاً عن معنى الصلب والفداء في الفكر المسيحي، وقد سبق تناولها في مقالات أخرى على هذا الموقع.
السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً للقارئ هو: حين يتأمل هذه اللقاءات — العشّار، الجابي، المرأة، التلميذ المنكِر — أين يجد نفسه؟ وهل يشبه اقتراب يسوع من هؤلاء شيئاً في تصوّره الخاص عن كيف يقترب الله من عباده، أم يفتح أمامه سؤالاً جديداً لم يطرحه من قبل؟
للقراءة المباشرة
- إنجيل لوقا ١٩: ١-١٠ — قصة زكّا العشّار كاملة
- إنجيل متّى ٩: ٩-١٣ — دعوة متّى ووليمته
- إنجيل يوحنا ٤: ١-٤٢ — يسوع والمرأة السامرية كاملاً
- إنجيل يوحنا ٢١: ١٥-١٩ — استعادة بطرس بعد القيامة
- إنجيل لوقا ١٥: ١١-٣٢ — مَثَل الابن الضال، لمن أراد التوسّع في نفس الفكرة
