كثيرٌ منّا يعيش هذا الصراع كل يوم: بين واجب يُنجَز وقلبٍ يريد أن يهدأ، بين مطبخٍ يحتاج من يديره وصوتٍ يستحق أن يُسمع. من منّا لم يشعر يوماً أنه «مرتبك في خدمة كثيرة»، بينما هناك من حوله يبدو أكثر سكينة وحضوراً؟ هذا بالضبط ما وقع في بيت صغير في قرية بيت عنيا، حين استقبلت امرأتان، هما الأختان مرثا ومريم، ضيفاً غيَّر كل موازين ذلك البيت.
القصة قصيرة في ظاهرها، لكنها من أعمق مشاهد الإنجيل في تناول سؤال يشغل كل إنسان مؤمن، مسلماً كان أو مسيحياً: كيف يوازن المرء بين العمل الصالح والانشغال بخدمة الآخرين، وبين حق الله على قلبه ووقته؟ في هذا المقال نقرأ المشهد كما رواه الإنجيل، ثم نضعه في حوار مع ما جاء في القرآن والسنة عن هذا التوازن ذاته.
المشهد كما رواه الإنجيل
يروي إنجيل لوقا أن يسوع، وهو في طريقه إلى أورشليم، دخل قرية فاستقبلته امرأة اسمها مرثا في بيتها. وكان لها أخت تُدعى مريم، جلست عند قدمي يسوع تستمع إلى حديثه، بينما انشغلت مرثا بخدمة الضيوف حتى أرهقها العمل. فتقدمت إلى يسوع تشكو: «يا رب، أما تبالي بأن أختي تركتني أخدم وحدي؟ فقل لها أن تعينني».
| «وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ دَخَلَ قَرْيَةً، فَقَبِلَتْهُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا مَرْثَا فِي بَيْتِهَا. وَكَانَتْ لِهذِهِ أُخْتٌ تُدْعَى مَرْيَمَ، الَّتِي جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَكَانَتْ تَسْمَعُ كَلاَمَهُ. وَأَمَّا مَرْثَا فَكَانَتْ مُرْتَبِكَةً فِي خِدْمَةٍ كَثِيرَةٍ، فَوَقَفَتْ وَقَالَتْ: يَا رَبُّ، أَمَا تُبَالِي بِأَنَّ أُخْتِي قَدْ تَرَكَتْنِي أَخْدِمُ وَحْدِي؟ فَقُلْ لَهَا أَنْ تُعِينَنِي. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: مَرْثَا، مَرْثَا، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا». إنجيل لوقا ١٠: ٣٨-٤٢ |
لافتٌ أن يسوع لم يوجّه كلامه إلى مريم، بل إلى مرثا، وأن اسمها يتكرر مرتين: «مرثا، مرثا» — وهي صيغة نداءٍ حانٍ نجدها في الإنجيل في مواضع أخرى حين يخاطب يسوع أحداً بمشاعر رقيقة ممزوجة بالتصحيح، كما نادى «شمعان، شمعان» قبل أن يحذّره من الإنكار. لم يكن يسوع يوبّخ مرثا على خدمتها، بل كان يهدّئ اضطرابها ويعيد ترتيب أولوياتها.
ماذا كان يعني يسوع بـ «الحاجة إلى واحد»؟
من السهل أن يُقرأ هذا النص وكأن يسوع يقلل من شأن العمل والخدمة، أو يفضّل التأمل السلبي على الفعل الإيجابي. لكن قراءة متأنية للنص تكشف أمراً أدق. مرثا لم تُلَم على استضافتها ليسوع، ولا على رغبتها في إكرامه؛ فهذا عملٌ يستحق الثناء في حد ذاته. ما لاحظه يسوع هو أنها «تهتم وتضطرب» — أي أن قلبها انشغل بكثرة الأعمال حتى غاب عنها هدف العمل نفسه: وهو حضور يسوع ذاته.
بعبارة أخرى، لم يكن الخلاف بين «عمل» و«لا عمل»، بل بين عملٍ يُبعد القلب عن مركزه، وجلوسٍ يُبقي القلب متصلاً بذلك المركز. فمريم لم تكن كسولة أو متهربة من الواجب، بل كانت تمارس شكلاً آخر من التكريم: الإصغاء الكامل. وهذا ما عناه يسوع بـ«النصيب الصالح الذي لن يُنزع منها» — فالخدمات الجسدية زائلة بطبيعتها، أما الاتصال بالله من خلال كلمته فباقٍ.
من المهم أن نلاحظ أن يسوع نفسه، في مناسبات أخرى، مدح العمل والخدمة، بل قال إنه «جاء ليخدم لا ليُخدم» (متى ٢٠: ٢٨). فالمسألة إذن ليست عن قيمة العمل في ذاته، بل عن ترتيب الأولويات: أن يبقى العمل معبَّراً عن محبة الله لا بديلاً عنها.
السؤال نفسه في التراث الإسلامي: بين التجارة وذكر الله
هذا التوتر بين العمل والعبادة ليس غريباً عن القرآن أيضاً. فقد وصف القرآن نموذجاً مثالياً للمؤمن في سياق الحديث عن بيوت العبادة، فقال تعالى واصفاً رجالاً بلغوا الكمال في هذا التوازن:
| ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ سورة النور: ٣٧ |
روى المفسرون أن هذه الآية نزلت في تجّار المدينة الذين كانوا، إذا سمعوا نداء الصلاة وهم في السوق يبيعون ويشترون، تركوا ما بأيديهم وأقبلوا على الصلاة. وقد رُوي عن ابن عمر أنه مرّ بالسوق وقت الصلاة فوجدهم قد أغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال: «فيهم نزلت هذه الآية». والمعنى نفسه أورده ابن كثير في تفسيره، موضحاً أن الآية لا تعني ترك التجارة، بل ألا تشغل زخارف الدنيا القلب عن ذكر خالقه ورازقه.
واللافت أن القرآن لم يذكر «ترك التجارة» بل ذكر تجّاراً استمروا في تجارتهم، لكنها لم تكن تُلهيهم. وهذا قريبٌ جداً مما فعله يسوع مع مرثا: لم يطلب منها أن تترك المطبخ، بل أن لا يسرقها المطبخ من الحضور القلبي. الفارق بين مريم ومرثا في مشهد الإنجيل يشبه إلى حدٍّ بعيد الفارق بين التاجر الذي يضع الميزان جانباً عند الأذان، والتاجر الذي ينسى الأذان لأجل الميزان.
الدنيا والآخرة: لا نصيبٌ يُلغي نصيباً
يقدّم القرآن أيضاً صورة متوازنة أخرى للعلاقة بين العمل الدنيوي والسعي الأخروي، في وصية موجَّهة إلى قارون الذي طغى بثروته:
| ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ سورة القصص: ٧٧ |
فسّر بعض المفسرين، كمجاهد وابن زيد، «نصيبك من الدنيا» بأنه العمل فيها بطاعة الله، لا مجرد التمتع بها. وهذا يعني أن الآية لا تضع الدنيا والآخرة في كفتي ميزانٍ متعارضتين، بل تجعل الدنيا وسيلةً تُستثمر لأجل الآخرة. وهو معنى شديد القرب مما فعلته مريم: فجلوسها عند قدمي يسوع لم يكن هروباً من الواجب الدنيوي، بل اختياراً واعياً لِما هو أبقى وأدوم.
وقد عبّر بعض شرّاح الإنجيل عن هذا المعنى ذاته حين قالوا إن خدمة مرثا كانت زائلة بطبيعتها لأنها خدمة جسدية، بينما نصيب مريم من كلمة الله باقٍ لا يزول — وهي فكرة تتقاطع بوضوح مع تمييز القرآن بين متاع الدنيا الزائل، وما «عند الله خيرٌ وأبقى».
موقف الرسول من المبالغة في العبادة على حساب الحياة
وقد يظن قارئ عجول أن حسم يسوع لصالح مريم يعني تفضيل الانقطاع للعبادة على العمل والحياة العادية. لكن السياق الأوسع للإنجيل ينفي هذا الفهم، تماماً كما فعلت السنة النبوية حين واجهت ميلاً مشابهاً عند بعض الصحابة. فقد جاء ثلاثة رجال إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا بها استقلّوها وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال ثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً.
| «فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك |
هذا الحديث يوضّح أن الإفراط في جانب العبادة على حساب مسؤوليات الحياة ليس هو المطلوب في المنظور الإسلامي أيضاً، تماماً كما لم يطلب يسوع من مرثا أن تترك بيتها وضيافتها. المطلوب في الحالتين هو التوازن: أن يبقى القلب متعلقاً بالله في وسط الانشغال، لا أن يُلغى أحد الجانبين لصالح الآخر.
مقارنة: مرثا ومريم في ميزان النصّين
| المحور | مشهد مرثا ومريم (الإنجيل) | التوازن في القرآن والسنة |
| طبيعة التوتر | بين خدمة الضيافة والجلوس للاستماع | بين التجارة والبيع وذكر الله |
| هل أُلغي أحد الطرفين؟ | لا، يسوع لم يلم مرثا على الخدمة | لا، القرآن لم يطلب ترك التجارة |
| موضع الخلل | الاضطراب والانشغال القلبي لا الفعل ذاته | أن تُلهي التجارة عن ذكر الله ووقت الصلاة |
| النموذج الممدوح | مريم: حضور قلبي مع استمرار الحياة | التجار الذين يتركون ميزانهم عند الأذان |
| التحذير من التطرف | لم يُطلب من مرثا اعتزال العالم | «فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» |
ما الذي يبقى؟
يلتقي النصّان الإنجيلي والقرآني في رسالة واحدة عميقة: أن العمل والعبادة ليسا خصمين، بل الخطر الحقيقي هو أن يشغل أحدهما القلب عن غايته الأصلية — الاتصال بالله. مرثا لم تكن مخطئة في خدمتها، بل في اضطرابها؛ والتجار الذين مدحهم القرآن لم يُمتدحوا لأنهم تركوا تجارتهم، بل لأنها لم تكن تُلهيهم.
وربما هذا هو الدرس الأهم لكل قارئ، مسلماً كان أو مسيحياً: أن نسأل أنفسنا، لا: «هل أنا أعمل كثيراً؟» بل: «هل ما زلت، في وسط عملي، حاضراً بقلبي عند من أخدمه؟»
❖❖❖
للقراءة المباشرة
- إنجيل لوقا ١٠: ٣٨-٤٢ — المشهد الكامل لزيارة يسوع لبيت مرثا ومريم
- إنجيل يوحنا ١١ و١٢ — مشاهد أخرى لمرثا ومريم ولعازر في بيت عنيا
- سورة النور: الآيات ٣٥-٣٨ — مثل النور ووصف الرجال الذين لا تلهيهم تجارة
- سورة القصص: الآية ٧٧ — وصية «ولا تنس نصيبك من الدنيا»
- صحيح البخاري ومسلم — حديث الرهط الثلاثة وسنة النبي في التوازن
❖❖❖
أنت الذي تقرأ هذه السطور — في أي لحظةٍ من يومك يكون قلبك أقرب: وأنت منشغلٌ بما تفعله لأجل الله، أم وأنت هادئٌ في حضرته؟ وهل يمكن أن يكون الاثنان، في الحقيقة، نصيباً واحداً؟
