مدخل للقارئ المسلم
السؤال يُطرح باستمرار في الحوارات بين المسلمين والمسيحيين:
“المسلم يؤمن أن المرض ‘ابتلاء’ من الله — ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. لكن يسوع يُشفي المرضى — ألم يكن المرض ‘إرادة الله’؟ وكيف يُبرّر المسيحي رفض المرض والسعي للشفاء؟”
هذا المقال لا يُدافع ولا يُهاجم — بل يضع أمامك ما يقوله الإنجيل عن تعامل يسوع مع المرضى، والمنطق الذي يقف وراء موقفه، والأسئلة التي يطرحها المسلمون — وأنت تقرأ وتحكم.
أولاً: المرض في العهد القديم — “نجاسة” أم “ابتلاء”؟
“الطاهر والنجس”
في العهد القديم، المرض — خاصة الأبرص والجذام — كان يُصنّف ضمن “النجاسة”:
«وَأَمَّا الأَبْرَصُ الَّذِي فِيهِ الْبَرَصُ فَتَكُونُ ثِيَابُهُ مُشَقَّقَةً وَرَأْسُهُ يَكُونُ مُفْلَتًا، وَيُغَطِّي عَلَى شَارِبِهِ، وَيَصِيحُ: نَجِسٌ نَجِسٌ»
سفر اللاويين ١٣: ٤٥
الأبرص يُطرد من المجتمع — لا يدخل الهيكل، لا يأكل مع الناس، لا يُعانق أحداً. المرض هنا ليس مجرد “ألم جسدي” — بل “طرد اجتماعي وروحي”.
“الابتلاء” — نموذج أيوب
لكن العهد القديم يعرف أيضاً “الابتلاء”:
«فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَنْتَ بَاقٍ عَلَى كَمَالِكَ؟ تَبَرَّكْ بِاللهِ وَمُتْ! فَقَالَ لَهَا: تَتَكَلَّمُينَ كَمَا تَتَكَلَّمُ إِحْدَى الْجَاهِلاَتِ»
سفر أيوب ٢: ٩-١٠
أيوب يُرفض أن يُلقي اللوم على الله — لكنه أيضاً يُرفض أن يقبل المرض “بسلبية”. يصرخ، يتألم، يسأل — لكنه لا يفقد إيمانه.
ثانياً: يسوع يُشفي — لكن كيف؟
باللمس — كسر حاجز “النجاسة”
«وَإِذَا أَبْرَصٌ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً: أُرِيدُ، فَاطْهُرْ»
إنجيل متى ٨: ٢-٣
يسوع يلمس الأبرص — وهو ما يُحرّمه العهد القديم. لماذا؟ لأن يسوع لا يخاف “النجاسة” — بل يُحوّلها إلى طهارة.
المسلم يسأل: أليس هذا “تعدياً” على الشريعة؟ المسيحي يرد: يسوع “يُكمّل” الشريعة — يُحوّل “الخوف من النجاسة” إلى “محبة للمريض”.
بالكلمة — سلطة على المرض
«وَدَخَلَ كَفَرْنَاحُومَ. فَجَاءَ إِلَيْهِ قَائِدُ مِئَةٍ يَطْلُبُ إِلَيْهِ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، غُلاَمِي مَضْطَجِعٌ فِي الْبَيْتِ مَفْلُوجاً مُتَعَذِّباً جِدّاً. فَقَالَ لَهُ يسوع: أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ»
إنجيل متى ٨: ٥-٧
قائد المئة يقول: “لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفي” — فيعترف بـ”النجاسة” اليهودية (الدخول إلى بيت غير يهودي). يسوع يُجيب: “لم أجد إيماناً بمقدار هذا في إسرائيل”.
يسوع يُشفي “من بعيد” — بكلمة. المرض هنا لا يقاوم سلطة يسوع.
بالغفران — الشفاء الروحي أولاً
«وَإِذَا مَفْلُوجٌ يُحْمَلُ إِلَيْهِ… فَلَمَّا رَأَى يسوع إِيمَانَهُمْ قَالَ: يَا صَاحِبُ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ»
إنجيل مرقس ٢: ٣-٥
يسوع يُغفر قبل أن يُشفي. لماذا؟ لأن “الخطية” في الفهم المسيحي هي “المرض الأعمق” — والشفاء الجسدي “رمز” للشفاء الروحي.
ثالثاً: هل يسوع رفض المرض كـ”إرادة الله”؟
“ابن إبليس” — المرض ليس من الله
«وَكَانَتْ لَهُ بِنْتٌ عُمُرُهَا اثْنَتَا عَشَرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ فِي حَالِ الْمَوْتِ… فَأَتَى إِلَى الْبَيْتِ وَلَمْ يَدَعْ أَحَداً يَدْخُلَ مَعَهُ إِلَّا بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا… وَأَخَذَ الْوَلِيدَةَ بِيَدِهَا وَقَالَ لَهَا: يَا طَلِيثَا قُومِي»
إنجيل مرقس ٥: ٢٣-٤١
يسوع يبكي على الموت — رغم أنه يعلم أنه سيُقيمها. لماذا؟ لأن الموت “عدوّ” — ليس “صديقاً” أو “ابتلاءاً جميلاً”.
بولس يُوضّح لاحقاً:
«آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ»
رسالة كورنثوس الأولى ١٥: ٢٦
الموت — والمرض سبيل إليه — “عدوّ” لا “رسول”. يسوع يُحاربه لا يُباركه.
“الشفاء = ملكوت الله”
«وَأَمَّا يسوع فَكَانَ يَطُوفُ مُدُنًا وَقُرًى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيُبَشِّرُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ»
إنجيل متى ٩: ٣٥
الشفاء عند يسوع ليس “معجزة جانبية” — بل “إعلان عن ملكوت الله”. حيث يحكم الله، لا يوجد مرض.
رابعاً: الحجة المسلمة — لماذا يرى المسلم تناقضاً؟
١. “الابتلاء” vs “الشفاء”
المسلم يسأل: إذا كان المرض “ابتلاءاً” يُقرّب من الله — فلماذا يسعى يسوع لإزالته؟
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
سورة الأنبياء: ٣٥
المسيحي يرد: يسوع لا ينفي الابتلاء — بل يُعلن أن “الملكوت” يتجاوزه. الابتلاء موجود الآن — لكنه ليس النهاية.
٢. “الرضا” vs “الرفض”
المسلم يُعظّم “الرضا بالقضاء” — ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. يسوع يبدو أنه “يرفض” المرض — أليس هذا “تذمّراً”؟
المسيحي يرد: يسوع “يبكي” على الموت — لكنه “يُقاوم” أيضاً. “الرضا” لا تعني “الاستسلام للشر” — بل “الثقة أن الله أقوى من الشر”.
٣. “الشفاء” في الإسلام
المسلم يؤمن بالشفاء — ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. لكن الشفاء “بإذن الله” — لا “بسلطة إنسانية”. يسوع يُشفي “بسلطة ذاتية” — أليس هذا “تجاوزاً”؟
المسيحي يرد: يسوع “ابن الله” في الفهم المسيحي — فسلطته “إلهية” لا “بشرية”. هذا ليس “تجاوزاً” — بل “إعلان هويته”.
خامساً: نقطة توازن علمية
ما يُقرّه المسيحيون المنصفون
عدد من اللاهوتيين المسيحيين — كالدكتور ن. ت. رايت والدكتور جون بايبير — يُقرّون بأن:
- يسوع لم يُشفي “الجميع” — بل “كثيرين”. الشفاء “بداية” لا “نهاية” للمرض
- المرض “ليس عقاباً” — بل “نتيجة لعالم مُحطّم”
- “الشفاء” في العهد الجديد “رمز” للشفاء النهائي في القيامة
ما يُقرّه المسلمون المحققون
باحثون مسلمون — كالدكتور محمد أبو موسى والدكتور عبد الله بن بيه — يُقرّون بأن:
- “الابتلاء” في الإسلام “اختبار” — لا “عقاب” بالضرورة
- الشفاء “بإذن الله” — لكن الأسباب “وسائل” مشروعة
- يسوع “مُعجز” — والمعجزة في الإسلام “آية” تُثبت النبوة
سادساً: السؤال الأعمق وراء هذا النقاش
النقاش حول “المرض” — في عمقه — ليس نقاشاً عن “الجسد”. هو نقاش عن “الشر”:
| المسيحي | المسلم |
|---|---|
| المرض “عدوّ” — يُحارب | المرض “ابتلاء” — يُحتمل |
| الشفاء “إعلان ملكوت” | الشفاء “رحمة” |
| يسوع “يُشفي بسلطته” | الأنبياء “يُشفون بإذن الله” |
والسؤال الذي يبقى — ولا يُجيب عنه هذا المقال — هو:
هل المرض “إرادة الله” التي يجب قبولها؟
أم “عدوّ” يجب مقاومته؟
وما هو “الشفاء” فعلاً — جسد أم روح أم كلاهما؟
خاتمة تأملية
يسوع يلمس الأبرص — يكسر حاجز “النجاسة”. يُشفي المفلوج — يُعلن “مغفورة لك خطاياك”. يبكي على الموت — يُحارب “آخر عدو”.
المسيحي يرى في المرض “عدوّاً” — لا “صديقاً”. يسعى للشفاء — جسدياً وروحياً — لأن “الملكوت” يعني صحة كاملة.
المسلم يرى في المرض “ابتلاءاً” — يُقرّبه من الله. يصبر — ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — ويسعى للشفاء “بإذن الله”.
والسؤال الذي يبقى — ولا يُجيب عنه هذا المقال ولا أي مقال — هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه بنفسك:
هل “الشفاء” هدف أم وسيلة؟
هل “المرض” عدوّ أم معلم؟
اقرأ الكتابين — العهد القديم والقرآن — وتأمل فيهما مباشرةً، قبل أن تُجيب.
لأن الإيمان لا يُورث ولا يُنقل — بل يُقرأ ويُتأمل ويُختار.
نصوص للقراءة المباشرة
- إنجيل متى ٨: ١-٤ — “مد يده ولمسه”
- إنجيل متى ٨: ٥-١٣ — “قائد المئة”
- إنجيل مرقس ٢: ١-١٢ — “مغفورة لك خطاياك”
- إنجيل مرقس ٥: ٢١-٤٣ — “يا طليثا قومي”
- إنجيل متى ٩: ٣٥ — “يشفي كل مرض وكل ضعف”
- رسالة كورنثوس الأولى ١٥: ٢٦ — “آخر عدو يُبطل هو الموت”
- سورة البقرة: ١٥٥ — “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع”
- سورة الأنبياء: ٣٥ — “ونبلوكم بالشر والخير فتنة”
- سورة الشعراء: ٨٠ — “وإذا مرضت فهو يشفين”
- حديث: “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب”
