مدخل للقارئ المسلم
إذا كنت تبحث عن نقطة التقاء حقيقية بين الإسلام والمسيحية، فلن تجد أفضل من مريم ابنة عمران.
كلا الكتابين يُجلّانها. كلاهما يصفها بالطهارة والاختيار الإلهي. وكلاهما يجعل قصتها مدخلاً لا غنى عنه لفهم يسوع المسيح. لكن رغم هذا الالتقاء العميق، ثمة فوارق جوهرية في الطريقة التي ينظر بها كل كتاب إليها، وفي الدور الذي تؤديه في المشهد الكبير.
فتعال نقرأ معاً — بعيون مفتوحة وقلب منصف.
أولاً: مريم في القرآن الكريم — امرأة اختارها الله
مريم هي المرأة الوحيدة التي ذُكر اسمها صريحاً في القرآن الكريم. بل إن سورة كاملة حملت اسمها — سورة مريم — وهو شرفٌ لم ينله سوى قليل من الأنبياء أنفسهم.
يقول القرآن:
“وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ” (آل عمران: 42)
هذه الآية وحدها تقول الكثير. فمريم لم تُختَر لأنها كانت في المكان الصحيح — بل لأن الله طهّرها واصطفاها على نساء العالمين بأسرهم.
ويصف القرآن حياتها منذ الطفولة: نذر أمها قبل ولادتها، وكفالة زكريا لها، وتفوقها في العبادة حتى كان يجد عندها رزقاً من عند الله:
“كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً” (آل عمران: 37)
ثم يأتي المشهد الأعظم — البشارة:
“قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ” (آل عمران: 47)
وحين جاءها المخاض وحيدةً تحت النخلة، صوّر القرآن لحظتها بإنسانية عميقة مؤثرة:
“يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيًّا” (مريم: 23)
امرأة خائفة، مذعورة، تتمنى لو لم تُولَد — ثم يأتيها الثبات من السماء. هذه هي مريم القرآن: إنسانة استثنائية، طاهرة، صابرة، مختارة.
توضيح للقارئ المسلم: في الإسلام، مريم إنسانة كاملة الإنسانية، بلغت من الإيمان والطهارة ما لم تبلغه امرأة سواها. لكنها تبقى في نهاية المطاف مخلوقة اصطفاها الله — لا أكثر ولا أقل.
ثانياً: مريم في الإنجيل — أم المسيح
في الإنجيل، تبدأ قصة مريم بمشهد مشابه — الملاك جبرائيل يبشّرها:
“السلام لكِ أيتها المنعَّم عليها، الرب معك” (لوقا 1: 28)
وحين أُعلن لها أنها ستحمل بالمسيح، سألت كما سألت في القرآن تماماً:
“كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟” (لوقا 1: 34)
فأجابها الملاك:
“الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تُظلّلك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يُدعى ابن الله” (لوقا 1: 35)
ثم تنطق مريم بما بات يُعرف في المسيحية بـ”نشيد مريم” — وهو من أعمق ما قالته امرأة في تاريخ الكتاب المقدس:
“تُعظّم نفسي الرب، وتبتهج روحي بالله مخلّصي، لأنه نظر إلى اتضاع أمته، فهوذا منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال” (لوقا 1: 46-48)
لكن دور مريم في الإنجيل لا ينتهي عند الميلاد. فهي تتابع مسيرة ابنها حتى الصليب:
“وكانت واقفةً عند صليب يسوع أمُّه” (يوحنا 19: 25)
وفي آخر لحظاته، يُوصي يسوع بأمه لتلميذه يوحنا — في مشهد يجمع الحب البشري بالوداع الإلهي.
ثالثاً: أوجه التشابه — ما اتفق عليه الكتابان
| المسألة | في القرآن | في الإنجيل |
|---|---|---|
| الاصطفاء الإلهي | “اصطفاكِ على نساء العالمين” | “المنعَّم عليها، الرب معك” |
| العذرية | “لم يمسسني بشر” | “لست أعرف رجلاً” |
| البشارة بالملاك | جبريل يبشّرها | جبرائيل يبشّرها |
| الميلاد المعجزي | بكلمة من الله | بالروح القدس |
| طهارتها ونقاؤها | “طهّركِ” | “المنعَّم عليها” |
هذا التشابه ليس مصادفة. إنه يكشف أن شخصية مريم راسخة في التاريخ المقدس بصورة لا يستطيع أحد إنكارها.
رابعاً: أوجه الاختلاف — أين يفترق الكتابان؟
الاختلاف الأول: دورها في الخلاص
في القرآن، مريم شاهدةٌ على معجزة الخلق الإلهي — ولادة عيسى بلا أب. دورها عظيم، لكنه ينتهي عند حدود الأمومة والشهادة.
في الإنجيل، مريم ليست شاهدة فحسب — بل هي “المشاركة الأولى” في سر الخلاص. قبولها لكلمة الله وقولها “هوذا أنا أمة الرب، ليكن لي كما قلتَ” (لوقا 1: 38) هو الخطوة التي فتحت الباب أمام تجسّد المسيح. المسيحيون يرون في هذه الكلمات موافقة إرادية لها دلالة كونية.
الاختلاف الثاني: هل هي “والدة الإله”؟
هذا هو الخلاف الأعمق.
في الإسلام، مريم أمٌّ لنبي — وهذا مقام رفيع جداً، لكنه لا يُعطيها أي بُعد إلهي أو وساطة بين الله والإنسان.
في المسيحية، بما أن يسوع هو كلمة الله المتجسدة — الله والإنسان في شخص واحد — فإن مريم التي حملته وولدته تُلقَّب في اللاهوت المسيحي بـ**”Theotokos”** أي “والدة الإله”. هذا اللقب لا يعني أنها أنجبت الطبيعة الإلهية من العدم، بل يعني أن الذي وُلد منها كان إلهاً حقيقياً وإنساناً حقيقياً في آنٍ واحد.
توضيح للقارئ المسلم: يبدو هذا اللقب صادماً من منظور إسلامي، وهذا مفهوم تماماً. لكن المسيحيين يوضحون أنه ليس ادعاءً بأن مريم إلهة، بل هو تأكيد على هوية ابنها — لا على طبيعتها هي.
الاختلاف الثالث: مكانتها بعد الميلاد
في القرآن، تكاد تنتهي قصة مريم بعد الميلاد ومشهد المهد. لا نعرف الكثير عن حياتها بعد ذلك.
في الإنجيل، تظهر مريم في محطات مفصلية: عرس قانا حيث طلبت من يسوع أول معجزاته، وعلى الجلجثة واقفةً أمام الصليب، وفي العليّة مع التلاميذ بعد القيامة تنتظر الروح القدس.
الاختلاف الرابع: التبجيل والشفاعة
الإسلام يُجلّ مريم ويحترمها، لكنه لا يُجيز التوسل بها أو طلب شفاعتها — فالعلاقة مع الله مباشرة لا وسيط فيها.
المسيحية — ولا سيما الكاثوليكية والأرثوذكسية — تُبجّل مريم تبجيلاً خاصاً وتطلب شفاعتها. البروتستانتيون من جهتهم يحترمونها دون أن يدعوا إليها مباشرة.
خامساً: مريم كنقطة التقاء — لا نقطة خلاف
ما يلفت النظر أن مريم — رغم كل الخلافات العقدية بين الإسلام والمسيحية — تبقى شخصية يُحبّها الطرفان بصدق.
المسلم يُجلّها لأن القرآن اصطفاها على نساء العالمين. والمسيحي يُكرّمها لأنها حملت كلمة الله في أحشائها.
وكلاهما يتفق أنها قالت “نعم” لله في لحظة لم تكن سهلة — لحظة خوف وتسليم وإيمان في آنٍ واحد.
ولعل في هذه الـ”نعم” درساً يجمعنا جميعاً: أن الإيمان الحقيقي لا يبدأ بالفهم الكامل — بل يبدأ بالتسليم لله في ما لا نفهمه بعد.
خاتمة
مريم العذراء ليست ملكاً لدين دون آخر. إنها شخصية تقف على حافة التاريخ المقدس، يُطل منها الإسلام والمسيحية معاً على سر عظيم.
الاتفاق على طهارتها واصطفائها يدعو إلى التساؤل: إذا كان كلا الكتابين يؤكدان أن الله اختارها لحمل هذا المولود الفريد — فمن يكون هذا المولود؟
هذا هو السؤال الذي تُفضي إليه قصة مريم في كلا الكتابين.
“هوذا أنا أمة الرب، ليكن لي كما قلتَ” (لوقا 1: 38)
كلمات امرأة غيّرت مجرى التاريخ.
