مدخل للقارئ المسلم
حين يتحدث المسلم والمسيحي عن معجزات عيسى، يجد كل منهما أن الآخر يعرف ما يتحدث عنه.
إحياء الموتى؟ كلانا يعرفها. شفاء الأبرص؟ كلانا يقرأها. إبراء الأعمى؟ موجودة في الكتابين.
ومع ذلك — وكما هو الحال دائماً في الحوار بين الإسلامي والمسيحي — الاتفاق على الحدث لا يعني الاتفاق على معناه.
فتعال نضع المعجزات جنباً إلى جنب — ما ذكره القرآن، وما فصّله الإنجيل — ثم نسأل السؤال الحقيقي: ماذا تعني هذه المعجزات؟ ولماذا صنعها عيسى تحديداً؟
أولاً: معجزات عيسى في القرآن الكريم
ذكر القرآن معجزات عيسى في سياقين رئيسيين: ما قاله الله عنه، وما قاله عيسى عن نفسه.
ما قاله الله عن معجزاته
يقول القرآن في سورة آل عمران، على لسان الله مُبشِّراً مريم:
“وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ” (آل عمران: 46)
وفي الآيات التالية يُضاف:
“وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ، وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ” (آل عمران: 48-49)
ما قاله عيسى عن معجزاته بنفسه
في سورة آل عمران، يتكلم عيسى بصيغة المتكلم عن معجزاته:
“أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ” (آل عمران: 49)
وفي سورة المائدة، تظهر معجزة إضافية — مائدة من السماء:
“قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ” (المائدة: 114)
قائمة معجزات عيسى في القرآن
استناداً إلى النصوص القرآنية، يُحصي العلماء المسلمون ست معجزات كبرى:
١. الكلام في المهد — تكلّم وهو رضيع ٢. خلق طير من طين — نفخ في طين فصار طيراً حياً ٣. إبراء الأكمه — شفاء من وُلد أعمى ٤. إبراء الأبرص — شفاء مرض الجذام ٥. إحياء الموتى — ردّ الحياة إلى من مات ٦. المائدة من السماء — طعام نزل من السماء بدعوته
وكل هذه المعجزات يُقيّدها القرآن بعبارة واحدة لافتة: “بإذن الله” — تأكيداً على أن عيسى ليس مصدر المعجزة، بل الله هو مصدرها وعيسى وسيلتها.
توضيح للقارئ المسلم: هذا القيد اللغوي — “بإذن الله” — ليس مجرد تأدب لفظي. إنه العمود الفقري للفهم الإسلامي لمعجزات عيسى: هي آياتٌ تدل على الله، لا على ألوهية عيسى نفسه.
ثانياً: معجزات يسوع في الإنجيل
الإنجيل أكثر تفصيلاً بكثير. فبينما يُجمل القرآن المعجزات في آيات معدودة، يروي الإنجيل كل معجزة بأسماء أشخاص وأماكن ومشاعر وحوارات.
يُحصي علماء الإنجيل نحو سبع وثلاثين معجزة موثّقة في الأناجيل الأربعة. يمكن تصنيفها في أربع مجموعات:
المجموعة الأولى: معجزات الشفاء
شفى يسوع أمراضاً لا حصر لها — الحمى والشلل والعمى والصمم والبرص والنزيف المزمن. لكن من أبرزها:
شفاء الأبرص العشرة:
“فإذا عشرة رجال بُرص وقفوا من بعيد… فبينما هم ذاهبون طهروا” (لوقا 17: 12-14)
شفاء المولود أعمى: هذه القصة يرويها إنجيل يوحنا بتفصيل استثنائي — الرجل الذي وُلد أعمى، وجدل الفريسيين، واعتراف الرجل بأن يسوع هو المسيح. ويبدأ المشهد بسؤال التلاميذ: “من أخطأ؟” فيُجيب يسوع:
“لا هذا أخطأ ولا أبواه، لكن لتظهر أعمال الله فيه” (يوحنا 9: 3)
المجموعة الثانية: إحياء الموتى
ثلاث قصص إحياء موتى في الإنجيل، كل منها أعمق من الأخرى:
ابنة يايرس: طفلة صغيرة توفيت للتو. أخذ يسوع يدها وقال:
“يا طفلة، قومي” (مرقس 5: 41)
ابن أرملة نايين: شاب يُحمل على نعشه. لم يطلب أحد من يسوع أن يفعل شيئاً — بل نظر يسوع إلى أمه الثكلى ورحمها، ومسّ النعش:
“أيها الشاب، لك أقول قم. فجلس الميت وابتدأ يتكلم” (لوقا 7: 14-15)
لعازر: وهذه هي الأعظم. لعازر صديق يسوع، مكث في القبر أربعة أيام. ووقف يسوع أمام القبر — وبكى. ثم نادى بصوت عظيم:
“لعازر هلمّ خارجاً. فخرج الميت” (يوحنا 11: 43-44)
المجموعة الثالثة: السيطرة على الطبيعة
هذه المجموعة لا مثيل لها في القرآن بالنسبة لعيسى:
تحويل الماء خمراً في عرس قانا — أول معجزاته.
إسكات العاصفة — نام يسوع في السفينة، فهاجت الريح وارتجّ البحر، فأيقظه التلاميذ خائفين:
“فانتهره وقال للبحر: اسكت، اخرس. فهدأت الريح وصار هدوء عظيم” (مرقس 4: 39)
المشي على الماء — مشى يسوع نحو تلاميذه على سطح البحر في منتصف الليل.
إشباع الخمسة الآلاف — بخمسة أرغفة وسمكتين.
المجموعة الرابعة: طرد الأرواح الشريرة
هذا النوع من المعجزات غائب تماماً عن القرآن بالنسبة لعيسى، لكنه حاضر بكثافة في الإنجيل. أمر يسوع الأرواح الشريرة فخرجت مذعورة، وكانت تصرخ حين ترى معترفةً بهويته:
“ما لنا ولك يا يسوع الناصري؟ أتيت لتهلكنا؟ أنا أعرف من أنت: قدّوس الله” (مرقس 1: 24)
ثالثاً: المعجزات المشتركة — أين يلتقي الكتابان؟
| المعجزة | في القرآن | في الإنجيل |
|---|---|---|
| إبراء الأبرص | ✅ صريح | ✅ بتفصيل |
| إبراء الأعمى منذ الولادة | ✅ “الأكمه” | ✅ قصة مفصلة |
| إحياء الموتى | ✅ صريح | ✅ ثلاث قصص |
| المائدة / الخبز المعجزي | ✅ مائدة السماء | ✅ إشباع الآلاف |
| الكلام في المهد | ✅ صريح | ⬜ غير مذكور |
| خلق طير من طين | ✅ صريح | ⬜ غير مذكور |
| إسكات العاصفة | ⬜ غير مذكور | ✅ صريح |
| المشي على الماء | ⬜ غير مذكور | ✅ صريح |
| تحويل الماء خمراً | ⬜ غير مذكور | ✅ صريح |
| طرد الأرواح الشريرة | ⬜ غير مذكور | ✅ بكثافة |
رابعاً: معجزة الطين والطير — في القرآن ولا يذكرها الإنجيل
من أبرز ما يلفت الانتباه أن معجزة “خلق طير من طين” مذكورة في القرآن بوضوح، لكنها غائبة عن الأناجيل الأربعة المعتمدة.
في المقابل، تظهر هذه المعجزة في إنجيل الطفولة لتوما — وهو كتاب غير مقبول في الكنيسة ويُعدّ من الأناجيل المنحولة. وهذا أثار جدلاً بين الباحثين حول مصادر القصص القرآنية وصلتها بهذه الكتابات المبكرة.
توضيح للقارئ المسلم: المسيحيون الذين يقبلون الأناجيل الأربعة فقط لا يرون هذه المعجزة جزءاً من تعاليم يسوع الموثّقة. والمسلمون يرون أن القرآن — بوصفه وحياً إلهياً — يُثبت ما أغفله البشر أو أسقطوه. هذا الاختلاف في مصدر السلطة هو قلب الخلاف.
خامساً: الفارق الأعمق — لماذا صنع يسوع المعجزات؟
هنا يكمن الاختلاف الجوهري الذي يتجاوز قوائم المقارنة.
في القرآن: المعجزة آية تدل على الله
القرآن يُصرّح بأن معجزات عيسى كانت “آية من ربكم” — علامة تدل على أن الله أرسله. وهذا هو دور المعجزة في كل الأنبياء: تصديق النبوة وإثبات الرسالة.
والقيد الثابت — “بإذن الله” — يُبقي المسافة واضحة بين عيسى وبين مصدر المعجزة. هو يصنعها، لكن الله هو من يُجريها.
في الإنجيل: المعجزة تكشف هوية يسوع ذاته
في الإنجيل، المعجزات ليست مجرد دليل على أن الله أرسل يسوع — بل هي كشفٌ عن هوية يسوع نفسه.
حين أسكت العاصفة، سأل التلاميذ بعضهم بعضاً مذعورين:
“من هو هذا؟ حتى الريح والبحر تطيعانه” (مرقس 4: 41)
السؤال لم يكن: “أيّ نبيٍّ عظيم هذا؟” — بل كان: “من هو هذا؟” أي ما طبيعته وهويته الجوهرية.
وحين أحيا لعازر، قال يسوع قبلها:
“أنا هو القيامة والحياة” (يوحنا 11: 25)
لم يقل: “الله سيُقيمه” — بل قال: “أنا هو القيامة.” المعجزة تصدر منه، لأنه هو مصدر الحياة.
توضيح للقارئ المسلم: هذا هو الفارق الجذري. في الإسلام، المعجزة تقول: “الله عظيم، وعيسى نبيّه.” وفي المسيحية، المعجزة تقول: “هذا الإنسان الواقف أمامك هو مصدر الحياة ذاتها.”
سادساً: بكاء يسوع عند قبر لعازر — تفصيل يستحق التوقف
في قصة إحياء لعازر، يرد أقصر آية في الإنجيل كله:
“فبكى يسوع” (يوحنا 11: 35)
وقف يسوع أمام قبر صديقه — وهو يعلم أنه سيُحييه بعد لحظات — وبكى.
هذا المشهد يطرح سؤالاً لاهوتياً عميقاً: لماذا يبكي من يعلم أنه سيُحيي الميت؟
اللاهوت المسيحي يُجيب: لأن يسوع لم يكن يُمثّل الحزن — بل كان يُشاركه حقاً. إنه الله الذي دخل في ألم الإنسان، ولم ينظر إليه من بعيد.
هذا البُعد الإنساني العميق — إله يبكي — غائب تماماً عن صورة عيسى في القرآن.
سابعاً: أعمال يسوع نفسه — ملاحظة لافتة
يختم إنجيل يوحنا بجملة استوقفت القرّاء عبر القرون:
“وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع، إن كُتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة” (يوحنا 21: 25)
كاتب الإنجيل لا يقول هذا مبالغةً شعرية — بل يُشير إلى أن ما وصل إلينا هو انتقاء مقصود من حياة حافلة بما يفوق الوصف.
خاتمة
معجزات يسوع في القرآن والإنجيل ليست متطابقة — لكنها ليست متناقضة أيضاً. هي صورتان لنفس الشخص، من زاويتين مختلفتين، تتفقان على العظمة وتختلفان على المعنى.
القرآن يقول: هذه آياتٌ أجراها الله على يد نبيٍّ مختار. والإنجيل يقول: هذه أفعالٌ تصدر عمّن هو مصدر الحياة ذاتها.
وبين هاتين الرؤيتين يقف السؤال الذي لا تحسمه المقارنات — بل يحسمه كل إنسان بنفسه أمام هذه الوقائع:
حين أوقف العاصفة بكلمة واحدة، وأحيا الميت بأمر واحد، وأبصر الأعمى بلمسة واحدة — من تقول أنت إنه هو؟
“ما رأينا مثل هذا قط” (مرقس 2: 12)
