مدخل للقارئ المسلم
يسمع كثير من الناس — مسلمين وغير مسلمين — عبارات مثل: «الكنيسة حذفت أناجيل تخالف عقيدتها»، أو «هناك أناجيل سرية أُخفيت لأنها تكشف الحقيقة». وتُضخّم هذه الفكرة أفلام هوليوود وروايات مثل «شيفرة دافينشي»، حتى باتت حقيقة مفترضة في أذهان كثيرين.
لكن ما القصة الحقيقية؟ هل فعلاً ثمة أناجيل مهمة أُخفيت؟ ومن قرر ما يدخل في الكتاب المقدس وما يُستبعد؟ وبأي معيار؟
في هذا المقال نفتح هذا الملف بأمانة — نعرض ما هو موجود فعلاً، وما تقوله الأبحاث التاريخية، ونترك للقارئ أن يحكم بنفسه.
أولاً: ما معنى «منحول» و«أبوكريفا»؟
كلمة «منحول» تعني نصاً نُسب إلى شخص لم يكتبه. أما الكلمة اليونانية «Apocrypha» فتعني حرفياً «المخفي» أو «المُعتِم» — وقد استُخدمت تاريخياً للإشارة إلى نصوص ليست ذات مصدر واضح أو موثوق.
والمهم أن نُفرّق بين ثلاثة أنواع من النصوص التي يخلط الناس بينها:
- الأناجيل الأربعة المعتمدة: متى، مرقس، لوقا، يوحنا — كُتبت في القرن الأول الميلادي، وقبلتها الكنائس منذ القِدم.
- الأبوكريفا الكنسية: نصوص قديمة تقبلها بعض الكنائس (كالكاثوليكية) دون غيرها، وتشمل أسفاراً من العهد القديم.
- الأناجيل الغنوصية والمنحولة: نصوص كُتبت لاحقاً (القرنان الثاني والثالث غالباً) ونُسبت زوراً إلى رسل أو حواريين. هذه هي محور مقالنا.
ثانياً: أبرز الأناجيل المنحولة — ماذا تقول؟
إليك أشهر هذه الأناجيل مع ملخص لما تحتويه وسبب الاهتمام بها:
إنجيل توما
التاريخ التقريبي: منتصف القرن الثاني م | الاكتشاف: نجع حمادي، مصر — ١٩٤٥م
لا يحتوي على قصة حياة يسوع بل على ١١٤ قولاً منسوباً إليه. كثير منها يُشبه ما في الأناجيل المعتمدة، وبعضها غريب تماماً. يُركّز على المعرفة الباطنية (الغنوص) كطريق للخلاص.
الأبرز فيه: «من يجد تفسير هذه الأقوال لن يذوق الموت» — فكرة الخلاص بالمعرفة السرية لا بالإيمان.
إنجيل يهوذا
التاريخ التقريبي: القرن الثاني م | الاكتشاف: مصر — اكتُشف في السبعينيات، نُشر ٢٠٠٦م
يُقدّم يهوذا الإسخريوطي ليس خائناً بل التلميذ الوحيد الذي فهم يسوع حقاً، وأنه سلّمه بأمر منه لتحرير روحه من جسده. يعكس عقيدة غنوصية ترى الجسد سجناً للروح.
الأبرز فيه: يقلب الرواية الإنجيلية كلياً — يهوذا البطل لا الخائن.
إنجيل مريم المجدلية
التاريخ التقريبي: القرن الثاني م | الاكتشاف: مصر — اكتُشف ١٨٩٦م، جزء منه فقط باقٍ
يصف رؤيا خاصة أُعطيت لمريم المجدلية بعد القيامة، ومعرفة سرية لم يعطها يسوع للرجال. يُقدّم مريم كأعلى مرتبةً من الرسل الذكور.
الأبرز فيه: استُخدم كثيراً في نقاشات دور المرأة في المسيحية المبكرة.
إنجيل فيلبس
التاريخ التقريبي: القرن الثالث م | الاكتشاف: نجع حمادي، مصر — ١٩٤٥م
مجموعة تأملات غنوصية تتناول الأسرار والطقوس. يحتوي على عبارات رمزية مشفّرة عن علاقة يسوع بمريم المجدلية فُسّرت بطرق متعددة.
الأبرز فيه: استُخدم في رواية «شيفرة دافينشي» بشكل مثير للجدل خارج سياقه.
إنجيل الطفولة لتوما
التاريخ التقريبي: القرن الثاني م | الاكتشاف: معروف من مخطوطات متعددة
يروي قصصاً عن طفولة يسوع من سن الخامسة. فيه يصنع يسوع عصافير من الطين فتطير، وفيه أيضاً يُميت طفلاً اصطدم به ثم يُحييه بعد توسل أهله.
الأبرز فيه: مثير للاهتمام لأن القرآن يذكر معجزة العصافير (سورة آل عمران: ٤٩) — وهو ما يُثير نقاشاً تاريخياً حول مصادر هذه القصة.
إنجيل بطرس
التاريخ التقريبي: القرن الثاني م | الاكتشاف: اكتُشف في مصر ١٨٨٦م
يصف الصلب والقيامة بتفاصيل مختلفة عن الأناجيل الأربعة. من أبرز ما فيه: وصف يسوع على الصليب بأنه «لم يشعر بأي ألم» — وهو يعكس عقيدة الدوكيتية التي تقول إن يسوع لم يكن جسداً حقيقياً.
الأبرز فيه: رفضه العلماء المسيحيون في القرن الثاني بسبب عقيدة الدوكيتية الظاهرة فيه.
ثالثاً: لماذا استُبعدت؟ — المعايير الحقيقية
هنا يكمن قلب السؤال. هل استُبعدت لأنها تكشف حقيقة مزعجة؟ أم لأسباب موضوعية يمكن فحصها؟
الكنيسة المبكرة لم تجتمع في مؤتمر واحد وتقرر ما يدخل وما يخرج بقرار سياسي. بل كان القبول والرفض عملية تدريجية امتدت قرونًا، استندت إلى معايير واضحة يمكن فحصها تاريخياً:
١ الرسولية — من كتبه؟
هل كُتب النص من قِبل أحد الرسل أو من تلميذ مباشر لهم؟ الأناجيل الأربعة ترتبط بمتى (رسول)، ومرقس (رفيق بطرس)، ولوقا (رفيق بولس)، ويوحنا (رسول). أما الأناجيل المنحولة فمعظمها كُتب بعد وفاة من نُسبت إليهم بعقود أو قرون، ونُسبت إليهم زوراً.
٢ التاريخ — متى كُتب؟
الأناجيل الأربعة كُتبت في القرن الأول الميلادي — أي في حياة شهود العيان أو قريباً منهم. أما معظم الأناجيل المنحولة فتعود إلى القرنين الثاني والثالث — أي بعد جيل أو جيلين من يسوع، حين لم يعد ممكناً التحقق من أصالتها.
٣ الانتشار — من قرأها؟
هل قبلتها الجماعات المسيحية المنتشرة في فلسطين وسوريا وروما وأفريقيا على نطاق واسع؟ الأناجيل الأربعة كانت تُقرأ في كنائس متفرقة جغرافياً قبل أي قرار كنسي رسمي. أما المنحولة فقبلتها جماعات محدودة ومعزولة غالباً.
٤ التوافق العقدي — هل يتسق مع بقية الأسفار؟
هل يتفق النص مع تعليم الأناجيل الأربعة والرسائل المعتمدة؟ معظم الأناجيل المنحولة تحمل عقيدة غنوصية دخيلة على المسيحية الأولى — ترى الجسد شراً والمادة سجناً، وتُقدّم الخلاص كمعرفة سرية لا كعلاقة بشخص يسوع.
٥ الأصالة — هل يُعارض شهادة الشهود؟
هل يُقدّم النص معلومات تتعارض مع ما نقله شهود العيان والجيل الأول؟ إنجيل بطرس مثلاً يقول إن يسوع لم يشعر بالألم على الصليب — وهو يتعارض مع كل الأناجيل الأربعة وكل المصادر المبكرة.
رابعاً: مجمع نيقية — هل هو من «حذف» هذه الأناجيل؟
يُردّد كثيرون أن مجمع نيقية (٣٢٥م) هو من قرر ما يدخل في الكتاب المقدس وما يُحذف. وهذه المعلومة — كما نشرتها رواية «شيفرة دافينشي» تحديداً — غير دقيقة تاريخياً.
مجمع نيقية عام ٣٢٥م انعقد أصلاً لبحث عقيدة الثالوث والخلاف حول طبيعة يسوع — وليس لتحديد قانون الكتاب المقدس. القرار بقبول الأناجيل الأربعة تحديداً كان قد استقر في الواقع العملي للكنائس قبل ذلك بعقود طويلة.
وأول قائمة كنسية رسمية تُعدّد الأسفار المقبولة ظهرت في رسالة أثناسيوس الفصحية عام ٣٦٧م — وهي تتطابق تقريباً مع ما كانت تقرأه الكنائس الكبرى فعلياً منذ القرن الثاني.
الأناجيل الأربعة لم تُقبَل لأن مجمعاً قرر قبولها — بل قُبلت لأن الكنائس المنتشرة في القارات الثلاث كانت تقرأها وتثق بها منذ البداية.
خامساً: نقطة مثيرة للقارئ المسلم تحديداً
ثمة ملاحظة تاريخية مثيرة لا يمكن تجاهلها: إنجيل الطفولة لتوما يذكر معجزة صنع يسوع عصافير من الطين فتطير — وهي المعجزة ذاتها التي يذكرها القرآن الكريم:
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ سورة آل عمران: ٤٩
هذه المعجزة غير موجودة في الأناجيل الأربعة المعتمدة — بل هي فقط في إنجيل الطفولة لتوما المنحول. وهذا يطرح سؤالاً تاريخياً جاداً يبحثه العلماء المسلمون والمسيحيون معاً: ما مصدر هذه الرواية في القرآن الكريم؟
المسلمون يُجيبون: القرآن وحي إلهي مباشر وهو مصدر مستقل. بعض الباحثين الغربيين يرون أن هذه القصص كانت متداولة شفهياً في الجزيرة العربية نقلاً عن هذه الأناجيل المنحولة. وهو نقاش أكاديمي مفتوح يستحق القراءة فيه.
سادساً: هل أُخفيت هذه الأناجيل لأنها تكشف حقيقة مزعجة؟
هذا هو الادعاء الأكثر شيوعاً في الأفلام والروايات الشعبية. والجواب الأمين يحتاج ملاحظتين:
الملاحظة الأولى: هي ليست «مخفية»
الأناجيل المنحولة متاحة للجميع اليوم في المكتبات والإنترنت، ويدرسها علماء المسيحية في الجامعات بشكل علني منذ قرون. لا توجد «مؤامرة إخفاء» — بل توجد نصوص رُفضت بمعايير موثّقة وهي متاحة لكل من يريد قراءتها.
الملاحظة الثانية: محتواها لا يدعم فكرة الإخفاء
الأناجيل المنحولة في معظمها لا تُقلّل من مكانة يسوع — بل كثير منها يُضخّم ألوهيته أكثر من الأناجيل الأربعة! إنجيل الطفولة لتوما مثلاً يصوّر يسوع طفلاً يُميت من يزعجه ثم يُحييه — وهو تصوير مبالغ جداً لا يُشبه يسوع الأناجيل المعتمدة. فأي «حقيقة مُحرجة» كانت ستكشفها الكنيسة بإخفائها؟
المفارقة: لو أرادت الكنيسة «إخفاء» ما يُضعف ألوهية يسوع لكانت ستُبقي على الأناجيل المنحولة لا تحذفها — لأن كثيراً منها يُصوّره أكثر «سحراً» وإثارة مما في الأناجيل الأربعة.
خاتمة تأملية
قصة الأناجيل المنحولة أكثر إثارةً وتعقيداً مما يُقدّمه الخيال الشعبي. ليست مؤامرة كنسية لإخفاء الحقيقة، ولكنها أيضاً ليست مجرد خرافات لا قيمة لها. هي وثائق تاريخية حقيقية تكشف كيف كانت المسيحية تتشكّل في قرونها الأولى، وكيف كان ثمة تنافس بين رؤى متعددة ليسوع.
وما يلفت الانتباه هو أن الأناجيل الأربعة المعتمدة — بكل نقاشاتها الداخلية وتفاصيلها المتباينة أحياناً — هي الأكثر قِدَماً والأكثر ارتباطاً بالشهود الأوائل. وهذا هو السبب الجوهري الذي يجعل العلماء — مسيحيين وغير مسيحيين — يثقون بها كمصادر تاريخية أكثر من الأناجيل المنحولة.
في النهاية، السؤال الأجدى ليس «ماذا في الأناجيل المحذوفة؟» بل:
ماذا في الأناجيل الأربعة التي قرأها الناس وآمنوا بها على مدى ألفي عام؟ هل قرأتَها أنت بنفسك من مصدرها المباشر؟
كثير ممن يتحدثون عن الأناجيل المحذوفة لم يقرأوا الأناجيل الأربعة المعتمدة. وهذا — قبل أي نقاش — هو نقطة البداية الحقيقية.
للاستزادة والبحث المباشر
- إنجيل توما — متاح كاملاً بالعربية في مكتبة نجع حمادي الإلكترونية
- إنجيل يهوذا — نشرته ناشيونال جيوغرافيك عام ٢٠٠٦م مع ترجمة كاملة
- Bart Ehrman: «Lost Gospels» — دراسة أكاديمية محايدة للأناجيل المنحولة
- N.T. Wright: «The New Testament and the People of God» — الموقف المسيحي العلمي
- مكتبة نجع حمادي (Nag Hammadi Library) — تضم النصوص الغنوصية الكاملة
- رسالة أثناسيوس الفصحية (٣٦٧م) — أول قائمة رسمية للأسفار المقبولة
