مدخل
لفهم ما فعله يسوع مع النساء، لا بد أولاً من فهم العالم الذي فعله فيه. العالم الذي ولد فيه يسوع — سواء في الثقافة اليهودية أو اليونانية أو الرومانية — كان يرى المرأة في منزلة أدنى من الرجل بشكل طبيعي ومُسلَّم به.
في التقليد الحاخامي اليهودي كان الرجل يُصلّي يومياً شاكراً الله «لأنه لم يخلقني امرأة». والمرأة لا تشهد في المحاكم. ولا تُعلَّم التوراة. وشهادتها في الأمور الدينية أقل قيمة من شهادة الرجل. وفي عالم اليونان، قال أرسطو صراحةً إن المرأة «ذكر ناقص». وفي روما، كانت المرأة تحت الوصاية القانونية للرجل طوال حياتها.
في هذا السياق تحديداً، تقرأ ما فعله يسوع — فتدرك لماذا دهش الناس، وتساءلوا، وأحياناً غضبوا.
المشاهد — كما رواها الإنجيل
١. المرأة السامرية عند البئر
إنجيل يوحنا ٤: ١-٣٠
السياق التاريخي: السامريون كانوا يُعدّون أنجاساً عند اليهود. والمرأة لا يُكلّمها رجل غريب في الفضاء العام. واليهودي لا يشرب من إناء سامري.
جلس يسوع وحيداً عند بئر في الظهيرة — الوقت الذي تأتي فيه النساء المنبوذات اجتماعياً لتفادي نظرات الآخرين. جاءت امرأة سامرية. بادرها بالكلام: «أعطني لأشرب». تعجّبت: «كيف تطلب مني وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟». أكمل يسوع الحوار بعمق ودون حرج — تحدّث معها عن الحياة والعبادة واللاهوت، وكشف لها أنه هو المسيح. حين عاد التلاميذ تعجّبوا — يقول الإنجيل: «تعجّبوا أنه كان يتكلّم مع امرأة» — لكن أحداً لم يُجرؤ على السؤال.
ما يكشفه المشهد: اختار يسوع أن أوّل شخص يكشف له هويته كمسيح — وفق رواية يوحنا — كانت امرأة، وسامرية، ومنبوذة اجتماعياً. ثلاث صفات كانت كافية لجعلها آخر من يُتوقّع أن يُخاطَب بهذا الاختيار.
٢. الزانية التي أُحضرت للرجم
إنجيل يوحنا ٨: ١-١١
السياق التاريخي: شريعة موسى تنص على رجم الزاني والزانية. لكن في الممارسة، كانت المرأة وحدها تُحضَر للعقوبة. الرجال الذين أحضروها لم يُحضروا الرجل الذي اشتركت معه.
أحضر الكتبة والفريسيون امرأةً قائلين: «هذه المرأة أُمسكت في ذات الفعل». وضعوها أمام الجمع وسألوا يسوع: «موسى أوصانا أن نرجم مثل هذه، فماذا تقول أنت؟» كان هذا فخاً: إن عفا عنها خالف الشريعة، وإن أيّد الرجم خالف الرحمة. انحنى يسوع وكتب في الأرض. ثم نظر إليهم: «من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر». وعاد يكتب. بدأوا يخرجون واحداً واحداً حتى لم يبقَ إلا يسوع والمرأة. قال لها: «أين هم؟ أما أدانك أحد؟» قالت: «لا أحد يا سيد». قال: «ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي بعد الآن».
ما يكشفه المشهد: يسوع لم يُبرّر الخطأ ولم يُغمض عنه. لكنه رفض نظاماً يُطبّق الشريعة على المرأة دون الرجل. السؤال «أين الرجل؟» كان حاضراً في صمته الأعمق. وكلمته الأخيرة «ولا أنا أدينك» لم تكن مسامحة أخلاقية رخيصة — كانت منحاً للكرامة التي سُرقت منها أمام الجمع.
٣. مريم تجلس عند قدمَي المعلم
إنجيل لوقا ١٠: ٣٨-٤٢
السياق التاريخي: الجلوس عند قدمَي المعلم هو الوضع الرسمي للتلميذ الذي يتعلّم. كان هذا حكراً على الرجال. المرأة دورها في المطبخ لا في مجلس العلم.
دخل يسوع بيت مرتا ومريم. انهمكت مرتا في التحضير والضيافة — دور المرأة المتوقع. أما مريم فجلست عند قدمَي يسوع تسمع كلامه — دور التلميذ المتعلّم. ضاقت مرتا وشكت: «يا رب، أما تُبالي أن أختي تركتني أخدم وحدي؟ قل لها إذاً أن تُعينني». كان المتوقع أن يوافق يسوع ويُعيد مريم إلى دورها «الطبيعي». قال يسوع: «مرتا، مرتا، تهتمين وتضطربين في أمور كثيرة. لكن الحاجة إلى واحدة. فمريم اختارت النصيب الصالح الذي لن يُنزع منها».
ما يكشفه المشهد: «لن يُنزع منها» — هذه العبارة صريحة: مريم لها حق التعلم ولا أحد يملك نزعه منها. يسوع لم يكتفِ بالسماح لها بالجلوس — بل دافع عن حقها في ذلك أمام اعتراض أختها.
٤. المرأة المنحنية ثماني عشرة سنة
إنجيل لوقا ١٣: ١٠-١٧
السياق التاريخي: يسوع كان يُعلّم في المجمع يوم السبت — وشفاء يوم السبت كان محل خلاف حاد. وإبراز امرأة في المجمع بهذا الشكل كان غير مألوف.
كان يسوع يُعلّم في المجمع يوم السبت. رأى امرأة مقوّسة الظهر منذ ثماني عشرة سنة، لا تستطيع أن تنتصب. ناداها يسوع — هو من بادر، لا هي — ووضع يديه عليها وقال: «أيتها المرأة، أنتِ مُحلَّلة من ضعفك». فانتصبت ومجّدت الله. غضب رئيس المجمع وقال للجمع: «ستة أيام فيها ينبغي أن يُعمل فيها، فهلمّوا واشفَوا فيها لا في يوم السبت». ردّ يسوع: «يا مرائي! أما كلّ واحد منكم يحلّ ثوره أو حماره ويذهب به إلى السقي؟ هذه وهي ابنة إبراهيم، أوثقها الشيطان ثماني عشرة سنة — أما كان ينبغي أن تُحلَّ من هذا الرباط يوم السبت؟»
ما يكشفه المشهد: لقبها يسوع بـ«ابنة إبراهيم» — وهو لقب كرامة وانتماء كان يُستخدم عادةً للرجال فقط («ابن إبراهيم»). وفي مقابل من رأى في شفائها إشكالاً قانونياً، رآها يسوع إنساناً ظلّ مُقيَّداً ثماني عشرة سنة — وهذا كافٍ.
٥. المرأة التي سكبت العطر
إنجيل متى ٢٦: ٦-١٣ | مرقس ١٤: ٣-٩
السياق التاريخي: سكبت امرأة على رأس يسوع عطراً غالياً جداً — قيمته تعادل أجر عامل سنة كاملة. المجالس كانت للرجال.
دخلت امرأة المجلس وهي تحمل قارورة عطر من النرد الخالص الغالي. سكبته على رأس يسوع. غضب بعض الحاضرين: «لماذا هذا الإتلاف؟ كان يمكن أن يُباع بأكثر من ثلاثمائة دينار ويُعطى للفقراء». وزجروها. نظر إليهم يسوع: «اتركوها. لماذا تُزعجونها؟ قد عملت بي عملاً حسناً. الفقراء معكم في كل حين. أما أنا فلستم معي في كل حين. ما عملته هذه — حيثما يُكرَز بهذا الإنجيل في كل العالم — يُذكر أيضاً ما فعلته تذكاراً لها».
ما يكشفه المشهد: حين يُكرَز بهذا الإنجيل في كل العالم — يُذكر ما فعلته. يسوع وعد بأن يظل اسمها حياً في ذاكرة التاريخ. لم يكن الرجال الحاضرون يعتقدون أن لهذه المرأة مكاناً في أي ذاكرة — وكان يسوع يرى غير ذلك.
٦. أول شاهدة على القيامة
إنجيل يوحنا ٢٠: ١-١٨ | متى ٢٨: ١-١٠
السياق التاريخي: شهادة المرأة في القانون اليهودي لا قيمة لها في المحاكم. وشاهد القيامة — أعظم حدث في الإيمان المسيحي — كان يجب أن يكون موثوقاً ومقبولاً.
في فجر اليوم الأول بعد السبت، ذهبت مريم المجدلية إلى القبر فوجدته فارغاً. بكت. سمعت صوتاً يسألها: «لماذا تبكين؟ من تطلبين؟» ظنّته البستاني. فلمّا ناداها باسمها — «مريم» — عرفته. قال لها: «اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم…» فذهبت وأخبرت التلاميذ: «رأيت الرب». ويروي متى أن يسوع أوصى النساء: «اذهبن وأخبرن إخوتي أن يمضوا إلى الجليل وهناك يروني».
ما يكشفه المشهد: لو كان أصحاب الإنجيل يخترعون قصة القيامة لإقناع العالم القديم بها، لما اختاروا امرأة شاهدةً أولى — لأن شهادة المرأة لا تُقبل في المحاكم. أن تكون مريم المجدلية أول شاهدة على القيامة وأول من أُرسل بالخبر — يرى المسيحيون في ذلك دلالة واضحة على أن يسوع اختار هذا عمداً.
٧. الأرملة وفِلْسَيْها
إنجيل مرقس ١٢: ٤١-٤٤ | لوقا ٢١: ١-٤
السياق التاريخي: الأرامل في العالم القديم كنّ في أدنى السلّم الاجتماعي — بلا حماية الزوج، وغالباً بلا مورد رزق.
جلس يسوع قُبالة خزانة الهيكل ينظر إلى الناس يُلقون نقودهم. جاء أغنياء يُلقون كثيراً. ثم جاءت أرملة فقيرة وألقت فلسَين صغيرَين. دعا يسوع تلاميذه وقال: «الحق أقول لكم: هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا في الخزانة. لأن الجميع ألقوا مما يفضل عنهم. أما هذه فمن إعوازها ألقت كل ما عندها، كل معيشتها».
ما يكشفه المشهد: كانت هذه المرأة غير مرئية لعيون الناس وعيون التلاميذ. يسوع جلس خصيصاً ليراها ويُريها لتلاميذه. جعل منها درساً في علم اللاهوت لا يُنسى — وجعل فلسَيها أعظم قيمةً من ثروات الأغنياء.
ثالثاً: ما الخيط الذي يجمع هذه المشاهد كلها؟
حين تقرأ هذه المشاهد السبعة متتالية تتكشّف ملامح شخصية ثابتة لا تُخطئها:
١. يسوع رأى النساء كأشخاص كاملين لا كفئة
في كل مشهد، يسوع لا يتعامل مع «امرأة» كفئة بل مع شخص بعينه له اسم وقصة وكرامة. مريم المجدلية، والمرأة السامرية، وابنة إبراهيم المنحنية الظهر، والأرملة التي لاحظها وحده — كل منهن شخص رآه يسوع كاملاً حين كان العالم من حوله يراها جزئياً أو لا يراها أصلاً.
٢. لم يتعامل مع النجاسة الطقسية كعائق
المرأة الزانية نجسة طقسياً. المرأة السامرية نجسة عرقياً ودينياً. المرأة النازفة (المرأة التي مسّت ثوبه في إنجيل مرقس ٥) نجسة بسبب مرضها. يسوع لم يتراجع في أي منها — لمسها أو تكلّم معها أو سمح لها باللمس. في كل حالة، «النجاسة» لم تنتقل إليه — بل «الطهارة» انتقلت إليها.
٣. علّم النساء اللاهوت مباشرةً
مريم جلست تتعلّم. المرأة السامرية تلقّت أعمق حوار لاهوتي في الأناجيل — عن طبيعة العبادة وعن هويته. مريم المجدلية أُرسلت بأعظم خبر في التاريخ المسيحي. في زمن كان بعض الحاخامين يقولون «أحرق كلمات التوراة ولا تُعلّمها لامرأة»، علّم يسوع النساء وأرسلهن مُرسِلات.
٤. دافع عنهن علناً أمام الانتقاد
في كل مرة انتُقدت فيها امرأة بسبب تفاعلها معه — دافع عنها يسوع علناً. دافع عن مريم أمام مرتا. دافع عن المرأة التي سكبت العطر أمام المتذمرين. دافع عن المرأة المنحنية أمام رئيس المجمع. لم يصمت ولم يُقدّم اعتذاراً اجتماعياً.
رابعاً: في السياق التاريخي الأوسع — ماذا كان غيره يقول؟
لتقدير ما فعله يسوع، تكفي مقارنة بسيطة:
الحاخام إليعازر (القرن الأول م): «من علّم ابنته التوراة فكأنما علّمها الفحش».
أرسطو (٣٨٤-٣٢٢ ق.م): «المرأة ذكر ناقص». «الطبيعة تحتاج أن يسود أحدهما ويُسوَّد الآخر».
القانون الروماني: المرأة تحت الوصاية القانونية الدائمة للرجل — أب أو زوج أو وصيّ.
يسوع: لا تُؤخذ شهادتها؟ — اختارها أول شاهدة على القيامة. لا تتعلم؟ — دافع عن حقها في الجلوس والتعلم. لا تستحق الذِّكر؟ — «حيثما يُكرَز بهذا الإنجيل يُذكر ما فعلته».
خامساً: للقارئ المسلم — نقاط التقاء وتأمل
المرأة في القرآن والسنة تحتل مكانة رفيعة — وهو ما يُقرّ به المسلمون بحق. ومن الجدير بالتأمل أن الإسلام جاء في القرن السابع الميلادي بإصلاحات جوهرية في مكانة المرأة كانت ثورية في سياقها التاريخي:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سورة البقرة: ٢٢٨
وأعطى الإسلام المرأة حق الميراث والطلاق وامتلاك المال في عصر لم تكن فيه أوروبا تُعطيها أياً من ذلك.
والجدير بالملاحظة أن ما فعله يسوع في القرن الأول وما فعله الإسلام في القرن السابع ينطلقان من روح واحدة — رفض تحويل المرأة إلى درجة أدنى من الكرامة الإنسانية التي خُلقت بها. الطرق مختلفة والسياقات مختلفة، لكن الاتجاه مشترك.
خاتمة تأملية
لم تكن هذه المواقف عَرَضية أو مصادفات متفرقة. كانت نمطاً ثابتاً في حياة يسوع من أولها إلى آخرها — من أول محاور لاهوتي حقيقي كانت امرأة سامرية، إلى آخر رسول بعد القيامة كانت امرأة من الجليل.
ما يُلفت الانتباه أن كتّاب الأناجيل — وهم رجال من القرن الأول — احتفظوا بهذه المشاهد كلها دون حذف أو تلطيف. لو كانوا يكتبون ليُقنعوا عالماً ذكورياً، لكان أسهل حذف بعضها. بقاؤها كما هي يقول شيئاً عن صدق الروايات وعن عمق الأثر الذي تركته هذه المواقف.
وفي النهاية، أكثر ما يُثير التأمل:
في عالم رفض شهادة المرأة — اختار يسوع أن تكون المرأة أول شاهدة على أعظم حدث في إيمانه. هل كان هذا مصادفة؟
كل من قرأ الأناجيل بتأمل يعرف أن يسوع لم يكن يفعل أشياء مصادفةً.
مشاهد للقراءة المباشرة
- إنجيل يوحنا ٤: ١-٤٢ — المرأة السامرية عند البئر (أطول حوار في الأناجيل)
- إنجيل يوحنا ٨: ١-١١ — المرأة المحضرة للرجم
- إنجيل لوقا ١٠: ٣٨-٤٢ — مريم تجلس وتتعلم
- إنجيل لوقا ١٣: ١٠-١٧ — ابنة إبراهيم المنحنية
- إنجيل مرقس ١٤: ٣-٩ — المرأة التي سكبت العطر
- إنجيل يوحنا ٢٠: ١-١٨ — مريم المجدلية وأول لقاء بعد القيامة
- إنجيل مرقس ٥: ٢٥-٣٤ — المرأة النازفة التي مسّت ثوبه
