مدخل
يكتشف كثير من القرّاء للمرّة الأولى أن الإنجيل ليس كتاباً واحداً بل أربعة كتب. وقد يبدو هذا في البداية محيِّراً — بل ومثيراً للشكّ: لماذا أربعة روايات؟ ألا يدلّ التعدّد على التناقض؟ وأيّها الأصل؟
الجواب يكشف عن شيء عميق في طبيعة هذه الكتب، وفي الطريقة التي تتحدث بها عن يسوع.
أولاً: ماذا يعني «إنجيل»؟
كلمة «إنجيل» يونانية الأصل — «εὐαγγέλιον» (إيفانجيليون) — وتعني: البشارة أو الخبر السار. ولذلك فإن كلمة «الأناجيل الأربعة» تعني حرفياً: أربع روايات للخبر السار نفسه.
لاحظ أن المسيحيين لا يقولون «إنجيل متى وإنجيل مرقس» كأنهما إنجيلان مختلفان، بل يقولون: «الإنجيل برواية متى، والإنجيل برواية مرقس» — الإنجيل واحد، والروايات أربع.
وهذا الفرق الدقيق في اللغة يحمل اعترافاً لاهوتياً: الحدث الذي يصفه الكتاب — حياة يسوع وموته وقيامته — واحد لا يتعدد. لكن المنظور الذي رواه أشخاص مختلفون لجمهور مختلف في زمن مختلف يُثري الصورة ولا يُشوِّشها.
ثانياً: من كتب هذه الأناجيل؟
متى
كاتبه متّى — وهو جابي ضرائب كان يعمل لصالح الحكومة الرومانية ثم ترك كل شيء وتبع يسوع. كتب إنجيله للجمهور اليهودي في الغالب، وهذا يُفسّر كثرة عبارة «لكي يتم ما قيل بالأنبياء»، إذ كان يُظهر لقرّائه أن يسوع هو المسيح الذي وعدت به الكتب.
مرقس
أقصر الأناجيل الأربعة، وأكثرها ديناميكية. الباحثون يرجّحون أن مرقس كان يُدوّن ما رواه له بطرس — أحد أقرب تلاميذ يسوع. كُتب لقرّاء رومانيين لم يكن يعنيهم كثيراً أن يسوع حقّق نبوءات يهودية قديمة، بل كانوا يريدون أن يروا ماذا يفعل. ولذلك يُكثر مرقس من عبارة «وللوقت» أي مباشرةً، ليُصوّر يسوع في حركة دائمة.
لوقا
لوقا كان طبيباً يونانياً — وهو الكاتب الوحيد في العهد الجديد الذي لم يكن يهودياً. كتب لجمهور من الأمم الذين يريدون أن يفهموا قصة يسوع من منظور إنساني شامل. لذلك نجد عنده أكثر الروايات تفصيلاً عن مريم والميلاد، وعن المرأة والفقير والمنبوذ.
يوحنا
الأعمق لاهوتياً بين الأناجيل الأربعة. كتبه يوحنا ابن زبدي — وهو الذي يصف نفسه بـ«التلميذ الذي أحبّه يسوع». كتب إنجيله متأخراً عن الثلاثة الآخرين، وكأنه يستكمل ما تركوه. يبدأ إنجيله لا بالميلاد في بيت لحم بل بما قبل الخليقة: «في البدء كان الكلمة».
ثالثاً: جدول مقارنة — نظرة سريعة
| المحور | متى | مرقس | لوقا | يوحنا |
|---|---|---|---|---|
| الجمهور | اليهود | الرومان | اليونانيون والأمم | العالم كله |
| صورة يسوع | الملك المسيح | العبد الفاعل | ابن الإنسان الرحيم | كلمة الله الأزلية |
| المفتاح | «لكي يتم» | «وللوقت» | «ابن الإنسان» | «الكلمة» |
| البداية | من إبراهيم | المعمودية | من آدم | قبل الخليقة |
| الحجم | 28 إصحاحاً | 16 إصحاحاً | 24 إصحاحاً | 21 إصحاحاً |
| المادة الخاصة | ~42% | ~3% | ~35% | ~92% |
رابعاً: ألا تتناقض الأناجيل الأربعة؟
هذا سؤال مشروع. والإجابة الصادقة هي: نعم، توجد اختلافات — لكن الاختلاف ليس التناقض.
مثال: الأناجيل الأربعة تتفق على أن يسوع صُلب، ومات، وقام في اليوم الثالث. هذا لم يختلف عليه أحد. لكن عدد النساء اللواتي ذهبن إلى القبر، وعدد الملائكة الذين رأينهم — هذا يتفاوت بحسب ما رواه كل كاتب من زاوية نظره.
تخيّل أن أربعة صحفيين غطّوا الحادثة ذاتها — هل ستكون تقاريرهم متطابقة حرفاً بحرف؟ لا. وهل يعني اختلاف التفاصيل أن الحادثة لم تقع؟ لا أيضاً. بل التعدد دليل على الاستقلالية، والاتفاق على الجوهر دليل على الصدق.
الباحث في علم مخطوطات العهد الجديد كريغ إيفانز يُلاحظ أن الاختلافات بين الأناجيل هي النوع نفسه من الاختلافات التي يُوثّقها المؤرّخون في أي شهادات مستقلّة عن حوادث تاريخية حقيقية — وليس نوع الاختلافات التي تصنعها القصص الملفّقة، لأن من يُلفّق قصةً يحرص على اتساقها.
خامساً: لماذا أربعة؟ وليس إنجيلاً واحداً موحَّداً؟
يُجيب اللاهوتيون المسيحيون عن هذا السؤال بأجوبة متعددة:
السبب الأول — اتساع شخصية يسوع: لا يمكن لمنظور واحد أن يُحيط بيسوع. ملك وعبد، إله وإنسان، يهودي وإنجيل للعالم. أربعة مناظير أقرب إلى الحقيقة من منظور واحد.
السبب الثاني — تعدد الجمهور: كتب متّى لليهود، ومرقس للرومان، ولوقا للأمم، ويوحنا للعالم بعقله اللاهوتي. أربعة كتب وصلت إلى أربع ثقافات بلغتها.
السبب الثالث — الشهادة المتعددة: في التقليد اليهودي والقانون الروماني، تتثبّت الشهادة بتعدد الشهود. أربعة أناجيل تعني أربعة شهود مستقلين على الحدث نفسه.
السبب الرابع — الاكتشاف التدريجي: كتب مرقس أولاً في حدود ٧٠م بعد الميلاد. ثم متّى ولوقا في الثمانينيات. ثم يوحنا في التسعينيات. كل كاتب أضاف ما رأى أن يسوع يستحق أن يُقال عنه.
سادساً: ما الذي يجمع الأناجيل الأربعة؟
رغم تعدد المناظير، يتّفق الأناجيل الأربعة على:
• يسوع الناصري تعمّد في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان
• أجرى معجزات كثيرة: شفاء المرضى، وإطعام الجموع، وإحياء الموتى
• دخل أورشليم في الأسبوع الأخير من حياته
• تناول عشاء أخيراً مع تلاميذه قبل اعتقاله
• صُلب في عهد بيلاطس البنطي
• مات ودُفن
• القبر وُجد فارغاً في اليوم الثالث
• ظهر لتلاميذه بعد القيامة
هذا الجوهر المتكرر في أربعة مصادر مستقلة هو ما يُشير إليه المسيحيون حين يقولون إن الإنجيل واحد — حتى لو كانت الروايات أربعاً.
سابعاً: الصور الأربع — الأسد والثور والإنسان والنسر
في الكتاب المقدس توجد رؤيا نبوية لأربعة وجوه حول العرش الإلهي (حزقيال ١: ١٠، ورؤيا يوحنا ٤: ٧): وجه أسد، ووجه ثور، ووجه إنسان، ووجه نسر. وقد ربط آباء الكنيسة المبكّرة هذه الصور الأربع بالأناجيل الأربعة:
• الأسد — متى: ملك يهودا الذي جاء ليملك.
• الثور — مرقس: الثور يعمل ولا يتوقف — صورة يسوع العبد الفاعل في مرقس.
• الإنسان — لوقا: الكاتب الذي رأى في يسوع ابن الإنسان الرحيم المتعاطف.
• النسر — يوحنا: النسر وحده يحلّق فوق السحاب — كما حلّق يوحنا فوق التاريخ ليصل إلى ما قبل الخليقة.
ثامناً: للقارئ المسلم — ملاحظة مباشرة
يُعلّم الإسلام أن الله أنزل الإنجيل (كتاباً) على عيسى عليه السلام. ويرى كثير من المسلمين أن هذا الكتاب كان إنجيلاً واحداً اندثر أو حُرِّف، وأن ما بأيدي المسيحيين اليوم هو روايات بشرية عنه.
المسيحيون يرون الأمر مختلفاً: الأناجيل الأربعة ليست تحريفاً لكتاب واحد مفقود، بل هي توثيق بشري لحياة شخص تاريخي من زوايا مختلفة — وقد نُقلت بعناية شديدة عبر الأجيال. الفرق اللاهوتي جوهري: في الإسلام الوحي هو نصٌّ أُنزل، وفي المسيحية الوحي هو شخص تجسّد.
لفهم هذا الفرق أعمق، يستحق الأمر قراءة الأناجيل الأربعة مباشرةً — لا الحكم عليها قبل ذلك.
خاتمة تأملية
«وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع، إن كُتبت واحدةً واحدة، فلا أظنّ العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة.»
يوحنا ٢١: ٢٥
للقراءة المباشرة
إن أردت أن تبدأ قراءة الأناجيل، فإليك ترتيباً مقترحاً:
• ابدأ بإنجيل مرقس — الأقصر والأسرع والأكثر ديناميكية (16 إصحاحاً فقط)
• ثم إنجيل لوقا — الأغنى تفصيلاً والأقرب إلى المنظور الإنساني
• ثم إنجيل متى — لفهم علاقة يسوع بالتراث الأنبيائي
• ختاماً إنجيل يوحنا — الأعمق لاهوتياً، والأكثر تأملاً في هوية يسوع
الأناجيل الأربعة ليست أربعة أجوبة متعارضة عن سؤال واحد، بل أربعة مناظير مكمّلة على شخصية قال عنها يوحنا في خاتمة إنجيله.
