ينتشر في أوساط المسلمين — خاصةً على الإنترنت — ادعاء مفاده: «إنجيل برنابا هو الإنجيل الحقيقي الذي أخفته الكنيسة، لأنه يُبشّر بمحمد ﷺ ويُنكر ألوهية يسوع وصلبه.» وكثيراً ما يُستشهد به كحجة على تحريف الأناجيل المعروفة.
السؤال مشروع وجدير بالإجابة الجادة: لماذا لا يقبل المسيحيون — وحتى كثير من الباحثين المسلمين المتخصصين — هذا الإنجيل؟
الإجابة ليست دينية بالدرجة الأولى — بل تاريخية ونقدية. وهي متاحة لكل من يريد البحث بأمانة.
أولاً: ما هو إنجيل برنابا؟
إنجيل برنابا كتاب يقع في ٢٢٢ إصحاحاً، مكتوب بصيغة سيرة حياة يسوع على لسان برنابا — الرجل المذكور في العهد الجديد كرفيق للرسول بولس. ويتميز بثلاثة ادعاءات رئيسية:
- يسوع نبي وليس ابن الله — وهو يُنكر ذلك صراحةً في الكتاب
- المسيح لم يُصلب — بل رُفع وصُلب يهوذا بدلاً منه
- يسوع بشّر بمجيء «محمد» باسمه الصريح
هذه المضامين تجعله جذاباً جداً للقارئ المسلم الذي يبحث عن دليل إنجيلي يُثبت ما يعتقده. لكن الجاذبية العقدية لكتاب ما لا تعني صحته التاريخية.
ثانياً: لماذا يرفضه المسيحيون؟
المسيحيون لا يرفضون إنجيل برنابا لأنه يُزعجهم عقدياً — بل لأن الأدلة التاريخية والنقدية تثبت أنه مُزوَّر تعود كتابته إلى العصور الوسطى وليس إلى القرن الأول.
١. لا توجد مخطوطة قبل القرن السادس عشر
الأناجيل الأربعة المعروفة لها مخطوطات تعود إلى القرن الثاني والثالث الميلادي. وعندنا اليوم أكثر من ٥٠٠٠ مخطوطة يونانية للعهد الجديد. أما إنجيل برنابا، فأقدم نسخة موجودة له هي مخطوطة إيطالية من القرن السادس عشر الميلادي — أي بعد عيسى بأكثر من خمسة عشر قرناً.
لم يذكره أي أب من آباء الكنيسة الأوائل، ولا أي مجمع كنسي، ولا أي مؤرخ مسلم أو مسيحي أو يهودي قبل القرن السادس عشر. الصمت التاريخي هذا يستحيل تفسيره إن كان الكتاب حقيقياً.
| المخطوطة الوحيدة المعروفة محفوظة في المكتبة الوطنية في فيينا (النمسا) وتعود إلى القرن ١٦م — وهي مكتوبة باللغة الإيطالية لا اليونانية ولا الآرامية. |
٢. اقتباسات من دانتي — المتوفى عام ١٣٢١م
الدليل الأكثر إحراجاً هو أن إنجيل برنابا يحتوي على عبارات مُقتبسة حرفياً من «الكوميديا الإلهية» للشاعر الإيطالي دانتي أليغييري (١٢٦٥-١٣٢١م). فهو يصف طبقات الجحيم بنفس الطريقة التي وصفها دانتي.
دانتي كتب في القرن الرابع عشر الميلادي. إن كان إنجيل برنابا حقيقياً ومكتوباً في القرن الأول، فكيف اقتبس من شاعر مات بعده بأكثر من ثلاثة عشر قرناً؟ الوحيد المعقول أن الكاتب كان يعيش بعد دانتي.
٣. العام اليوبيلي يكشف تاريخ الكتابة
في الفصل ٨٢ من إنجيل برنابا يُذكر أن «العام اليوبيلي يأتي كل مئة سنة.» لكن في التوراة (لاويين ٢٥) العام اليوبيلي يأتي كل خمسين سنة.
من أين جاءت مئة سنة؟ البابا بونيفاس الثامن قرّر عام ١٣٠٠م أن يكون اليوبيل كل مئة عام. ثم غيّره البابا كليمنت السادس إلى كل خمسين عاماً عام ١٣٤٣م. أي أن كاتب «إنجيل برنابا» عاش في الفترة بين ١٣٠٠ و١٣٤٣م — وليس في القرن الأول.
٤. أخطاء جغرافية فادحة
يصف الكتاب يسوع وهو يركب قارباً من الناصرة إلى كفرناحوم «عبر البحر». لكن الناصرة مدينة داخلية تبعد نحو ٣٠ كيلومتراً عن بحيرة طبريا — لا سواحل لها ولا قوارب. هذا خطأ جغرافي لا يقع فيه من عاش في فلسطين أو عرفها جيداً.
كذلك يُحدد الكتاب بيت لحم على ساحل البحر — وبيت لحم مدينة جبلية على ارتفاع ٧٧٧ مترًا فوق سطح البحر.
٥. يخالف القرآن لا الأناجيل فقط
وهنا المفارقة الكبرى: إنجيل برنابا لا يتناقض مع الأناجيل فحسب، بل يتناقض مع القرآن الكريم أيضاً في مسائل عديدة:
- يقول إن يسوع هو المسيح — والقرآن يقول ذلك أيضاً. لكن إنجيل برنابا ينفي أن يسوع هو المسيح ويقول إن محمداً هو المسيح!
- يذكر عدد السماوات بتسع — والقرآن يذكر سبعاً
- يقول إن إبراهيم كاد يذبح إسماعيل وأُنقذ من الذبح — بينما الكتاب يرى أنه إسحق (موافقاً التوراة لا القرآن في هذه النقطة الغريبة)
وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً للقارئ المسلم: إن كان الكتاب تأييداً للإسلام، فلماذا يخالف القرآن في هذه المسائل؟
٦. الأسلوب الأدبي لا يشبه القرن الأول
المتخصصون في الأدب الإيطالي الوسيط يتعرفون على طابع الكتابة فيه: أسلوبه يشبه الروايات الرومانسية والقصص التعليمية الإيطالية من القرنين الرابع عشر والخامس عشر. ويختلف اختلافاً جذرياً عن الأسلوب الآرامي-اليوناني للعصر الرسولي.
ثالثاً: جدول الأدلة — خلاصة سريعة
| أقدم مخطوطة | مخطوطة إيطالية تعود إلى القرن ١٦م — لا يوجد أي نسخة قبلها |
| اللغة الأصلية | إيطالية مع ترجمة إسبانية مبكرة — لا يوناني ولا آرامي ولا عربي |
| أول ذكر له | القرن ١٦م في رسالة خاصة — لا شيء قبل ذلك في أي مصدر |
| الأسلوب الأدبي | يشبه روايات إيطاليا في عصر النهضة — الدانتي وبوكاشيو |
| الأخطاء الجغرافية | يصف بحيرة طبريا على شاطئ البحر — خطأ جغرافي فادح |
| أخطاء دينية داخلية | يخالف القرآن نفسه في مسائل متعددة (الصلاة، العام اليوبيلي…) |
| مصادر مقتبسة | اقتباسات حرفية من دانتي (١٢٦٥-١٣٢١م) — أي بعد عيسى بـ١٣ قرناً |
رابعاً: من كتبه إذن؟
لا أحد يعرف المؤلف بيقين. لكن معظم الباحثين — بمن فيهم باحثون مسلمون كالدكتور محمد أبو زهرة والدكتور إحسان عباس — يرجّحون أن كاتبه كان:
- إما مسلماً أسبانياً أو إيطالياً في القرن الخامس عشر أو السادس عشر
- أو مسيحياً تحوّل إلى الإسلام وأراد أن يُثبت أن دينه الجديد منسجم مع الكتب القديمة
- وكتب بنية حسنة، لكن الكتابة التاريخية لا تقبل النية الحسنة بديلاً عن الأدلة
لاحظ أن هذا الرأي — أي أن الكتاب مُزوَّر من العصور الوسطى — ليس رأياً مسيحياً وحده. فقد توصل إليه باحثون إسلاميون أكاديميون يقرؤون المخطوطات بأمانة علمية.
خامساً: اعتراض مشروع — «ألم تذكره قوائم قديمة؟»
يُستشهد أحياناً بوثيقة من القرن الخامس الميلادي تُسمى «المرسوم الجيلاسي» التي تُدرج «إنجيل برنابا» ضمن الكتب المرفوضة. ويُقال: إذن كان موجوداً في القرن الخامس!
لكن هذا الاستشهاد فيه إشكاليتان:
الأولى — ثمة «رسالة برنابا» مختلفة تماماً عن «إنجيل برنابا». الوثيقة الجيلاسية تذكر رسالة، لا إنجيلاً. ومحتوى الرسالة لا صلة له بما في إنجيل برنابا المعروف.
الثانية — حتى لو كان المقصود شيئاً باسم «إنجيل برنابا» في القرن الخامس — فهذا لا يعني أنه هو الكتاب الإيطالي الذي نعرفه اليوم. الاشتراك في الاسم لا يعني الاشتراك في المحتوى.
سادساً: السؤال الصادق
قد يقول القارئ: «لكن الكتاب يُثبت ما أؤمن به — أليس هذا كافياً؟»
هذا سؤال يستحق إجابة صادقة: الحقيقة لا تُقاس بمدى انسجامها مع قناعاتنا المسبقة. كتاب يُزوَّر في القرن السادس عشر يظل مُزوَّراً حتى لو احتوى على أفكار جميلة أو منسجمة مع ديننا.
والإنصاف يقتضي أن نتعامل مع الأدلة التاريخية بنفس الموضوعية سواء أيّدت ما نعتقد أم عارضته. الأمانة الفكرية هي ما يميز الباحث الجاد عن الباحث الانتقائي.
| قال الإمام الشافعي: «إذا صحّ الحديث فهو مذهبي.» — والأمانة العلمية تقضي بأن يقول الباحث المسلم والمسيحي على حد سواء: إذا صحّ الدليل اتبعته. |
سابعاً: ملاحظة للقارئ المسلم
الإسلام لا يحتاج إلى إنجيل برنابا ليُثبت حقيقته. القرآن الكريم كتاب متواتر بسند موثوق ومحفوظ بدقة استثنائية. والدعوة إلى الإسلام تقوم على أدلتها الخاصة القوية.
الاستناد إلى كتاب مُزوَّر يُضعف الحجة لا يُقويها — لأن من يتبنى دليلاً زائفاً يفتح الباب أمام الطعن في صدقيته كله. والباحث الأمين لا يحتاج إلى ذلك.
الخلاف الحقيقي بين المسيحية والإسلام عن يسوع خلاف عميق وجاد وجدير بالنقاش المباشر — لا باللجوء إلى وثائق لا تصمد أمام النقد التاريخي.
للمزيد من البحث
إن أردت أن تقرأ عن هذا الموضوع بعمق أكبر، فإليك مراجع أكاديمية متخصصة:
- Jan Slomp — «Gospel of Barnabas» في موسوعة الإسلام (Brill) — باحث أكاديمي متخصص
- John Jomier — دراسة أكاديمية نشرها المعهد الدومنيكاني للدراسات الشرقية في القاهرة
- د. سيرل — «إنجيل برنابا: دراسة نقدية» — تحليل الأخطاء التاريخية والجغرافية
- د. إحسان عباس — باحث أردني مسلم رفض الكتاب بناءً على الأدلة الداخلية
الدراسة الأمينة للتاريخ ليست هجوماً على أي دين — بل هي الطريق الوحيد لمعرفة ما حدث فعلاً. ويسوع نفسه قال: “«اعرفوا الحق، والحق يُحرّركم.» (يوحنا ٨: ٣٢)”
