قلّما يجتمع المسلم والمسيحي على تبجيل شخصية واحدة كما يجتمعان على مريم بنت عمران. فهي المرأة الوحيدة التي ذُكر اسمها صراحةً في القرآن، وباسمها سُمّيت سورة كاملة — السورة التاسعة عشرة، وهي السورة الوحيدة في القرآن التي تحمل اسم امرأة. وهي في المسيحية والدة الرب، التي وصفها الإنجيل بأنها «ممتلئة نعمة» والتي تُنسب إليها كنائس ومزارات في كل قارة. حين يسأل مسلم مسيحياً عن مكانة مريم في دينه، وحين يسأل مسيحي مسلماً عن مكانتها في القرآن، كلاهما غالباً ما يُفاجأ بمقدار الاحترام المشترك — وبعمق الفارق العقدي الذي يكمن خلفه. هذا المقال محاولة لعرض الصورتين معاً، بنصوصهما، دون تنازل أي طرف عن خصوصية إيمانه.
مريم في القرآن: المرأة المصطفاة
يفرد القرآن لمريم مكانة لا تحظى بها امرأة أخرى في نصه. ففي سورة آل عمران، تخاطبها الملائكة مباشرة بكلمات الاصطفاء المزدوج:
| ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ سورة آل عمران، الآية ٤٢ |
فسّر جمهور المفسرين هذا الاصطفاء المكرر بأنه اصطفاءان: الأول لعبادتها وطهارة سيرتها، والثاني تفضيلها على نساء العالمين بولادة عيسى من غير أب. وقد ورد في الحديث أن النبي محمد ﷺ عدّها من سيدات نساء الجنة، إلى جانب خديجة وفاطمة وآسية.
وتنفرد مريم وابنها بخصيصة أخرى، رواها أبو هريرة في حديث متفق عليه:
| «ما مِن مَولودٍ يُولَدُ إلَّا يمَسُّهُ الشَّيطانُ حينَ يُولَدُ، فيَستَهِلُّ صارخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ، غيرَ مريمَ وابنِها» صحيح البخاري، عن أبي هريرة |
أما سورة مريم نفسها، فتروي مشهد البشارة والولادة بتفصيل مؤثر: ملاك يتمثل لها بشراً سوياً فتستعيذ منه، ثم يبشرها بغلام زكي، فتتساءل كيف يكون لها ولد ولم يمسسها بشر:
| ﴿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ سورة مريم، الآيتان ٢٠-٢١ |
ثم تصف السورة آلام المخاض وحدها تحت جذع النخلة، وتمنّيها لو ماتت قبل هذا، ثم تسرية الله لها بالطعام والشراب ووعدها بالبراءة أمام قومها بلسان طفلها الرضيع. هذا المشهد — امرأة وحيدة، خائفة، متألمة، ثم مُعانة برعاية إلهية مباشرة — هو من أكثر المشاهد إنسانية في القرآن كله.
مريم في الإنجيل: أَمَة الرب الممتلئة نعمة
تبدأ قصة مريم في الإنجيل بمشهد مشابه في جوهره: ملاك يظهر لعذراء مخطوبة في الناصرة، يحمل بشارة تفوق طاقتها على التصديق:
| «سَلَامٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُمْتَلِئَةُ نِعْمَةً، الرَّبُّ مَعَكِ، مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ… هُوَذَا سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ… الرُّوحُ الْقُدُسُ يَحُلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ» إنجيل لوقا ١: ٢٨-٣٥ |
وكما في القرآن، يسأل الإنجيل مريم عن كيفية الحمل ولم يمسسها رجل، فيأتي الجواب بقدرة إلهية مباشرة لا بواسطة بشر. وتُنهي مريم الحوار بكلمة الاستسلام الكامل لإرادة الله:
| «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ، لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ» إنجيل لوقا ١: ٣٨ |
لا يتوقف حضور مريم عند البشارة. فهي تظهر في الإنجيل عند أهم لحظات حياة يسوع: تشهد ولادته في بيت لحم، وتقف عند الصليب في أحلك ساعاته. يصف إنجيل يوحنا هذا المشهد الأخير بجملة مقتضبة لكنها بالغة الأثر:
| «فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لِأُمِّهِ: يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ. ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: هُوَذَا أُمُّكَ» إنجيل يوحنا ١٩: ٢٦-٢٧ |
وبعد القيامة، يذكر سفر أعمال الرسل أن مريم بقيت حاضرة مع التلاميذ في العلية، منتظرة معهم حلول الروح القدس — لا منعزلة في حزنها، بل جزءاً من الجماعة الأولى التي حملت الرسالة إلى العالم.
مقارنة موجزة
| المحور | في القرآن | في الإنجيل |
| مكانتها | مصطفاة على نساء العالمين | ممتلئة نعمة، مباركة بين النساء |
| الحمل | بأمر إلهي مباشر، من غير أب | بحلول الروح القدس، من غير أب |
| ردّها | الاستسلام لأمر الله المقدَّر | «أَمَةُ الرَّبِّ، ليكن لي كقولك» |
| طبيعة عيسى/يسوع | عبد الله ورسوله، كلمته | ابن الله بالطبيعة الإلهية |
| طبيعة مريم | بشرية مصطفاة، ليست إلهية | بشرية مكرَّمة، ليست إلهية أيضاً |
من المهم هنا تصحيح سوء فهم شائع: لا تُعلّم المسيحية — بطوائفها الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية على اختلاف درجة تكريمها لمريم — أن مريم إلهة أو جزء من الألوهية. لقب «والدة الإله» (Theotokos) الذي أقرّه مجمع أفسس سنة ٤٣١م لم يكن تأليهاً لمريم، بل تأكيداً على لاهوت يسوع نفسه: إن كان يسوع هو الله متجسداً، فمن ولدته هي والدة الله بالجسد، لا أنها شريكة له في الألوهية. وهذا يقترب، من زاوية معينة، مما يشير إليه القرآن نفسه حين يسأل بإنكار:
| ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ سورة المائدة، الآية ١١٦ |
وهذه الآية بالذات فتحت باباً واسعاً للنقاش بين المفسرين المسلمين واللاهوتيين المسيحيين، إذ يشير كثير من الباحثين المسيحيين إلى أن المسيحية التاريخية لم تُعلّم قط بألوهية مريم أو بأنها ثالثة الثلاثة، وأن الآية قد تصف بدعة هامشية عرفتها بعض الجماعات في جزيرة العرب، لا العقيدة الرسمية للكنيسة. ويرى مفسرون مسلمون آخرون أن الآية تصحيح عام لمسار انزلق فيه بعض عوام النصارى نحو المبالغة في تكريم مريم حتى قاربوا العبادة. النقطة الجوهرية التي يتفق عليها الطرفان، رغم اختلاف القراءة: مريم بشرية، لا إلهة، ولا شريكة لله في شيء.
نقطة الالتقاء: العذراء التي حملت كلمة الله
ثمة تقاطع لافت يستحق التأمل. يصف القرآن عيسى بأنه «كلمة» من الله:
| ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ سورة آل عمران، الآية ٤٥ |
ويصف الإنجيل يسوع بالعبارة ذاتها تقريباً، لكن بمعنى أعمق لاهوتياً: «الكلمة صار جسداً وحلّ بيننا» (إنجيل يوحنا ١: ١٤). في القراءتين معاً، مريم هي المرأة التي حملت «الكلمة» في أحشائها — وإن اختلف الدينان اختلافاً جوهرياً في فهم طبيعة تلك الكلمة: عند المسلمين هي كلمة الأمر الإلهي «كن»، بها خُلق عيسى كما خُلق آدم من تراب؛ وعند المسيحيين هي الكلمة الأزلية ذاتها، الله نفسه، الذي اتخذ جسداً بشرياً من مريم. الفارق هائل، لكنه فارق حول طبيعة الكلمة لا حول مكانة المرأة التي حملتها.
وهناك تقاطع آخر أقل شهرة: كلا النصين يصوّران مريم في لحظة ضعف بشري صريح — الخوف من الملاك، الحيرة من كيفية الحمل، الوحدة في ساعة الألم. لم يقدّمها أي من الكتابين كامرأة فوق البشرية في مشاعرها، بل كإنسانة اختارها الله وهي على طبيعتها الكاملة من الخوف والتعب والحاجة إلى العون. هذا التصوير المشترك للضعف الإنساني، إلى جانب الكرامة العظيمة، هو ما يجعل مريم شخصية يسهل على القارئ من أي خلفية أن يتماهى معها.
أين يفترق النصان؟
الفارق الأعمق ليس في درجة التكريم، بل في الأساس اللاهوتي له. في الإسلام، كرامة مريم كرامة العبد الصالح المصطفى: الله اختارها كما اختار الأنبياء، لطاعتها وطهارتها، وهي «صدّيقة» بحسب سورة المائدة، لا أكثر ولا أقل. أما في المسيحية، فكرامة مريم تنبع من علاقتها الفريدة بالتجسد: هي التي حملت — بحسب العقيدة المسيحية — الله نفسه في جسدها البشري، وهذا ما يمنحها في التقليدين الكاثوليكي والأرثوذكسي مكانة الشفيعة والمكرَّمة بشكل يفوق أي قديس أو نبي آخر، بينما تنظر إليها معظم الكنائس البروتستانتية بتكريم أهدأ يقتصر على تقديرها كنموذج للإيمان والطاعة دون ممارسات الشفاعة أو التوسل.
وهنا يكمن السؤال الذي يحدد كل ما سواه: هل عظمة مريم في كونها المخلوقة الأطوع لله، أم في كونها المرأة التي حملت الله نفسه؟ الجواب على هذا السؤال هو الذي يفصل بين الرؤيتين، لا مقدار الاحترام لمريم نفسها — فكلا الدينين، على طريقته، يعدّها بين أعظم النساء في التاريخ.
للقراءة المباشرة
- سورة مريم، القرآن الكريم — كاملة
- سورة آل عمران، الآيات ٣٣-٤٧ و١١٦
- إنجيل لوقا، الإصحاح الأول، الآيات ٢٦-٥٦ (البشارة ونشيد مريم)
- إنجيل يوحنا، الإصحاح التاسع عشر، الآيات ٢٥-٢٧ (مريم عند الصليب)
- سفر أعمال الرسل، الإصحاح الأول، الآية ١٤ (مريم في العلية)
- صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾
امرأة واحدة، يُخاطبها ملاك بالبشارة ذاتها تقريباً، في نصين مقدسين مختلفين — فماذا لو كانت مريم نفسها، لو سألتها اليوم، تدلّك على الطريق إلى الحقيقة عن ابنها؟
