في منتصف النهار، عند بئر قديمة في قرية سامرية، جلس رجل يهودي متعَب من السفر، وأقبلت امرأة تحمل جرّتها. لم يكن هذا اللقاء عابراً؛ فبين الرجل والمرأة حاجزان اثنان في ذلك العصر: حاجز الدين (يهودي وسامرية بينهما عداوة تاريخية ممتدة قروناً)، وحاجز العرف (رجل يبدأ حديثاً منفرداً مع امرأة غريبة في العلن). ومع ذلك، دار بينهما أطول حوار لاهوتي منفرد يسجّله الإنجيل ليسوع مع أي إنسان — أطول حتى من حواره مع تلاميذه المقرَّبين. هذا المقال يتتبع هذا الحوار خطوة بخطوة، ويضعه في سياقه التاريخي، ثم يفتحه على سؤال يعنينا جميعاً: كيف نتحدث عبر حواجز الدين والعرف حين نلتقي بمن يختلف عنّا؟
أولاً: لماذا كانت هذه المقابلة استثنائية؟
لفهم حجم ما حدث عند بئر يعقوب، لا بد من معرفة السياق الذي جعل هذا اللقاء صادماً لمن شهده، وعلى رأسهم تلاميذ يسوع أنفسهم.
١. العداوة بين اليهود والسامريين
لم تكن العلاقة بين اليهود والسامريين مجرد فتور، بل عداوة دينية وتاريخية عميقة. كان اليهود يعتبرون السامريين شعباً مختلطاً فَقَد نقاء نسبه وعقيدته منذ سبي أشور، وكانوا يتجنبون حتى ذكر اسمهم أو مخالطتهم. وقد أشار مفسرون مسيحيون قدامى إلى أن هذه القطيعة تعود جزئياً إلى بناء السامريين هيكلاً منافساً على جبل جرزيم، وما تلا ذلك من صراع سياسي وديني استمر قروناً.
| «فقالت له المرأة السامرية: كيف تطلب مني لتشرب، وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟» لأن اليهود لا يعاملون السامريين. إنجيل يوحنا ٤: ٩ |
الملاحظة التفسيرية المرفقة بالنص («لأن اليهود لا يعاملون السامريين») ليست تفصيلاً عابراً، بل مفتاح لفهم دهشة المرأة نفسها: سؤال يسوع لم يكن طلب ماء فحسب، بل كسراً لعرف اجتماعي متجذر.
٢. رجل يتحدث إلى امرأة منفردةً في العلن
الحاجز الثاني كان اجتماعياً لا دينياً: في ثقافة القرن الأول، لم يكن من المعتاد أن يبادر معلّم ديني بالحديث مع امرأة غريبة بمفرده في مكان عام. والإنجيل يسجّل رد فعل التلاميذ عند عودتهم صراحةً.
| وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع امرأة، ولكن لم يقل أحد: ماذا تطلب؟ أو: لماذا تتكلم معها؟ إنجيل يوحنا ٤: ٢٧ |
تعجُّب التلاميذ — دون أن يجرؤوا على الاعتراض — يكشف أن يسوع تصرّف هنا خلافاً لما هو متوقَّع من معلّم في مكانته، وأن هذا كان واضحاً حتى لأقرب الناس إليه.
٣. الطريق الذي اختار أن يسلكه
يذكر النص أن يسوع كان في طريقه من اليهودية إلى الجليل، والطريق المعتاد لليهود المتدينين كان الالتفاف حول السامرة تجنباً لها. لكن يوحنا يسجّل عبارة لافتة.
| وكان لا بد له أن يجتاز السامرة. فأتى إلى مدينة من السامرة يقال لها سوخار، بقرب الضيعة التي وهبها يعقوب ليوسف ابنه. إنجيل يوحنا ٤: ٤-٥ |
«كان لا بد له» — عبارة لا تصف ضرورة جغرافية فحسب (فالالتفاف كان ممكناً)، بل تحمل عند كثير من المفسرين المسيحيين معنى مقصدياً: أن هذا اللقاء لم يكن مصادفة، بل كان جزءاً من رسالة يسوع نفسها.
ثانياً: مسار الحوار — من الماء إلى الحقيقة
يمتاز حوار يوحنا ٤ ببناء متدرّج فريد: تبدأ المرأة برؤية يسوع كـ«رجل يهودي»، ثم تنتقل تدريجياً إلى الاعتراف به «نبياً»، ثم إلى فتح سؤال العبادة ذاته، وينتهي الحوار بإعلانه لها هويته كمسيح منتظَر. هذا التدرج نفسه، لا مضمونه فقط، هو جزء من الرسالة: يسوع لم يفرض جواباً، بل قادها بالأسئلة والحوار.
المرحلة الأولى: طلب الماء وكسر الجليد
| فجاءت امرأة سامرية تستقي من ماء البئر، فقال لها يسوع: أعطيني لأشرب. إنجيل يوحنا ٤: ٧ |
يبدأ يسوع بطلب بسيط ومتبادَل — لا بموعظة ولا بتصحيح عقيدة. فهو المحتاج في هذا المشهد (الظمآن)، وهي صاحبة العطية (الماء)، وهذا الانعكاس في الأدوار — رجل يهودي يطلب من امرأة سامرية معروفاً — هو ما فتح الحوار أصلاً.
المرحلة الثانية: الماء الحي
حين تستغرب المرأة السؤال، ينقل يسوع الحديث من الماء المادي إلى صورة رمزية للحياة الروحية.
| أجاب يسوع وقال لها: من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً، ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء يَنبُع إلى حياة أبدية. إنجيل يوحنا ٤: ١٣-١٤ |
المرحلة الثالثة: كشف الحال الشخصي
عندما تطلب المرأة هذا الماء، يطلب منها يسوع أن تدعو زوجها، فتجيب أنها بلا زوج، فيكشف لها معرفته بتفاصيل حياتها.
| قال لها يسوع: حسناً قلت: ليس لي زوج، لأنه كان لك خمسة أزواج، والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق. إنجيل يوحنا ٤: ١٧-١٨ |
من المهم هنا توخي الدقة: النص لا يذكر سبب تعدد هذه الزيجات (وفاة، أو طلاق بحسب الشريعة اليهودية آنذاك التي كانت تبيح الطلاق للرجل بأسباب واسعة)، ولا يصف يسوع المرأة بلفظ إدانة صريح كـ«زانية». ما يفعله هو كشف معرفته الخارقة بواقعها، وهو ما تفهمه هي فوراً كعلامة نبوّة، لا كتوبيخ أخلاقي مباشر.
| قالت له المرأة: يا سيد، أرى أنك نبي. إنجيل يوحنا ٤: ١٩ |
المرحلة الرابعة: سؤال العبادة الحقيقي
فور إدراكها أنها أمام نبي، لا تهرب المرأة من الحوار الديني، بل تطرح أكبر سؤال خلافي بين قومها واليهود: أين يكون السجود الصحيح؟
| آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون: إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يُسجد فيه. إنجيل يوحنا ٤: ٢٠ |
فيجيبها يسوع بما يُعدّ من أعمق تصريحاته اللاهوتية في الأناجيل، ناقلاً السؤال من الجغرافيا إلى جوهر العبادة.
| الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا. إنجيل يوحنا ٤: ٢٤ |
المرحلة الخامسة: الإعلان المباشر
حين تذكر المرأة انتظارها للمسيح المنتظَر، يُصرّح لها يسوع بهويته تصريحاً مباشراً نادراً في الأناجيل، إذ عادة ما كان يسوع يتحفّظ في الإعلان عن هويته لليهود خشية الإثارة السياسية، لكنه هنا يبوح به لامرأة سامرية غريبة.
| قالت له المرأة: أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء. قال لها يسوع: أنا هو الذي أكلمك. إنجيل يوحنا ٤: ٢٥-٢٦ |
ثالثاً: الأثر — من امرأة عند بئر إلى شاهدة لقريتها
لا ينتهي المشهد بانتهاء الحوار. تترك المرأة جرّتها — تفصيل صغير يشير عند بعض المفسرين إلى انشغالها التام بما سمعته حتى نسيت غرض مجيئها الأصلي — وتعود إلى مدينتها لتشهد لأهلها.
| فتركت المرأة جرّتها ومضت إلى المدينة، وقالت للناس: تعالوا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح؟ إنجيل يوحنا ٤: ٢٨-٢٩ |
والنتيجة، بحسب النص، أن كثيرين من أهل مدينتها آمنوا بسبب شهادتها أولاً، ثم ازداد إيمانهم بعد أن سمعوا من يسوع مباشرةً حين مكث عندهم يومين.
| فآمن به من تلك المدينة كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد: إنه قال لي كل ما فعلت… وقالوا للمرأة: إننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن، لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة مسيح العالم. إنجيل يوحنا ٤: ٣٩، ٤٢ |
هذا التفصيل له وزنه: المرأة التي حملت خمس زيجات فاشلة، والتي التقت يسوع في وضح النهار بعيداً عن ساعة الازدحام الصباحية (ما قد يشير إلى عزلة اجتماعية)، تتحول إلى أول من يبشّر بالمسيح بين السامريين، وأول شخص في الإنجيل يسمع من يسوع نفسه تصريحاً مباشراً بأنه المسيح.
رابعاً: القارئ المسلم أمام هذا النص
قد يتساءل القارئ المسلم: هل في القرآن ما يوازي هذا النموذج من الحوار المباشر بين رجل غريب وامرأة؟ الجواب أن القرآن يقدّم مشهداً له تشابه لافت من حيث البنية الاجتماعية، وإن اختلف في التفاصيل: قصة موسى عليه السلام مع ابنتَي مدين.
| ولمّا ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان، قال ما خطبكما؟ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير. سورة القصص: ٢٣ |
في كلا المشهدين: بئر ماء، رجل غريب عن المكان، وامرأة (أو امرأتان) في موقف يكشف حاجة أو ضعفاً اجتماعياً. وفي كلا المشهدين يبادر الرجل بالسؤال المباشر («ما خطبكما» / «أعطيني لأشرب») بدل تجاهل الموقف أو الالتفاف حوله. الفارق الجوهري أن حوار موسى عليه السلام هو حوار عملي قصير ينتهي بعرض عمل، بينما حوار يسوع مع السامرية حوار لاهوتي ممتد يتناول هوية المتحدَّث إليها وأسرارها الشخصية وأعمق أسئلة العبادة.
هذا التشابه في البنية — لا في المضمون — يفتح سؤالاً مشروعاً: كلا النصّين يعرض نبياً يكسر عرفاً اجتماعياً سائداً (تجنّب الحديث المنفرد مع امرأة غريبة) حين يقتضي الموقف ذلك، دون أن يُعدّ هذا الكسر خرقاً لحرمة أو تجاوزاً أخلاقياً في سياقه. وهو ما يستدعي تمييزاً مهماً: ليس كل حديث بين رجل وامرأة غريبين محل ريبة في التراث الديني نفسه؛ العبرة بالمقصد والسياق.
جدول مقارنة: بئر يعقوب وبئر مدين
| المحور | يسوع والسامرية (يوحنا ٤) | موسى وابنتا مدين (القصص ٢٣-٢٨) |
| المكان | بئر يعقوب قرب سوخار في السامرة | بئر ماء مدين |
| من يبادر | يسوع يطلب الماء أولاً | موسى يسأل عن حالهما ثم يسقي لهما |
| طبيعة الحوار | حوار لاهوتي ممتد عن الهوية والعبادة | حوار عملي قصير ينتهي بعرض عمل |
| الكشف الشخصي | يسوع يكشف تفاصيل حياة المرأة الزوجية | لا كشف لأسرار شخصية |
| الأثر | إيمان أهل قرية سامرية كاملة | زواج موسى من إحدى الابنتين وعمله عند أبيهما |
| الموقف من العرف الاجتماعي | كسر صريح لعرف عدم مخاطبة المرأة الغريبة منفردة | مبادرة بالمساعدة دون خلوة أو حديث ممتد |
ينبغي الإقرار بفارق مهم حتى لا يُصطنع تقارب زائف: حوار يسوع مع السامرية كان أطول وأكثر خصوصية من حوار موسى مع ابنتَي مدين، وتضمّن خلوة نسبية (التلاميذ غائبون) وكشفاً لتفاصيل شخصية حميمة، وهذا بالذات ما أثار دهشة التلاميذ في النص الإنجيلي نفسه. فالمقارنة هنا ليست لتسوية الفارق، بل لإظهار أن مبدأ «الحديث المباشر مع امرأة غريبة عند الحاجة» ليس غريباً عن النص الديني عموماً، وإن اختلفت درجاته وحدوده بين النصّين.
ماذا عن حديث المسيحيين حول العزلة الاجتماعية للمرأة؟
من الملاحظات التي يوردها مفسرون مسيحيون قدامى وحديثون أن مجيء المرأة إلى البئر في «الساعة السادسة» (نحو الظهيرة) — بعيداً عن الوقت المعتاد لتجمّع النساء صباحاً ومساءً — قد يشير إلى أنها كانت تتجنّب لقاء نساء القرية، ربما بسبب وضعها الاجتماعي المرتبط بتاريخها الزوجي. إن صحّ هذا الاستنتاج (وهو استنتاج سياقي وليس نصاً صريحاً)، فإن اختيار يسوع للحديث معها في هذه الساعة بالذات يحمل دلالة إضافية: أنه بحث عمّن هي على هامش مجتمعها، لا عمّن هي في مركزه.
للقراءة المباشرة
- إنجيل يوحنا، الأصحاح الرابع كاملاً (الآيات ١-٤٢)
- سورة القصص، الآيات ٢٣-٢٨
- إنجيل يوحنا ٣: ١-٢١ — حوار يسوع مع نيقوديموس، للمقارنة بين حواره مع معلّم يهودي وحواره مع امرأة سامرية
حين يكسر نبيٌّ عرفاً اجتماعياً سائداً ليصل إلى إنسان على هامش مجتمعه — هل العبرة بالعرف نفسه، أم بما يقصده من كسره؟ وماذا لو كان الطريق إلى الحقيقة يمرّ أحياناً بمكان لا نتوقع أن نجدها فيه؟
