يقرأ المسلم في القرآن أن الأنبياء السابقين بشّروا بنبي يأتي من بعدهم، وأن صفاته كانت «مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل» (الأعراف: ١٥٧). والفكرة نفسها — أن الوحي السابق يحمل إشارات مسبقة إلى شخصية مقبلة — تتكرر في الإيمان المسيحي، لكن بمسار مختلف تماماً: المسيحيون يرون أن التوراة ذاتها، بما فيها من مزامير وأسفار أنبياء كُتبت قبل ميلاد يسوع بقرون، تحدّثت عن مجيئه هو تحديداً — عن مكان ولادته، وطريقة معاملته، وحتى تفاصيل موته.
هذا المقال يستعرض عدداً من أبرز هذه النصوص — من إشعياء وميخا والمزامير وزكريا — ويقارن بين القراءة المسيحية لها وبين المنطق الإسلامي في التعامل مع فكرة «النبوءة المسبقة» عموماً. السؤال الذي يستحق التأمل ليس فقط «هل تحققت هذه النصوص؟» بل أيضاً: ما الذي يعنيه أصلاً أن يحمل نص ديني قديم إشارة إلى مستقبل بعيد؟
١. مكان الميلاد: ميخا ٥: ٢
كتب النبي ميخا في القرن الثامن قبل الميلاد، أي قبل يسوع بنحو سبعة قرون، نصاً يحدد فيه مكان ميلاد «المتسلط على إسرائيل»:
| «أما أنت يا بيت لحم أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل». ميخا ٥: ٢ (فانديك) |
بيت لحم كانت قرية صغيرة لا تُذكر عادة بين مدن يهوذا الكبرى، وهذا ما يجعل النص لافتاً: فهو يحدد موضعاً هامشياً بالاسم، لا مدينة متوقعة مثل أورشليم. والعبارة الأخيرة «مخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل» فتحت باب نقاش لاهوتي واسع؛ إذ يرى مفسرون مسيحيون أنها تشير إلى أزلية هذا الحاكم لا إلى مجرد قِدَم نسبه، وهي قراءة يوافق عليها بعضهم ويختلف معها آخرون داخل الدراسات الكتابية نفسها.
في إنجيل متى، حين سأل الملك هيرودس كبار الكهنة وكتبة الشعب عن مكان ولادة «المسيح»، أجابوه بهذا النص من ميخا مباشرة:
| «وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا، لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل». متى ٢: ٦ |
لاحظ الباحثون أن متى غيّر صياغة النص قليلاً — «أرض يهوذا» بدل «أفراتة»، و«لست الصغرى» بدل «صغيرة» — وهو ما يُفسَّر عادة بأن الإنجيلي كان يوضح للقارئ أن بيت لحم المقصودة هي التي في يهوذا تحديداً، إذ كانت هناك بيت لحم أخرى في الجليل، فأراد قطع الطريق على أي التباس.
٢. علامة الميلاد: إشعياء ٧: ١٤
في سياق أزمة سياسية يواجهها الملك آحاز، يعده إشعياء بعلامة إلهية:
| «ولكن يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل». إشعياء ٧: ١٤ |
هذا من أكثر النصوص إثارة للنقاش في الدراسات الكتابية، والأمانة العلمية تقتضي عرض الإشكال كما هو: الكلمة العبرية الأصلية في هذا الموضع هي «ألما»، وتعني «فتاة شابة»، وقد تُستخدم لعذراء لكنها لا تقتصر عليها حصراً؛ في حين توجد كلمة عبرية أخرى أكثر تحديداً للعذرية هي «بتولاه». الترجمة اليونانية القديمة للتوراة (السبعينية)، التي أُنجزت قبل الميلاد بقرنين تقريباً، ترجمت «ألما» بكلمة يونانية تعني «عذراء» بشكل صريح، وعليها اعتمد إنجيل متى حين طبّق النص على ولادة يسوع من مريم العذراء (متى ١: ٢٢-٢٣).
من جهة أخرى، يشير بعض الباحثين إلى أن السياق المباشر للنص في زمن آحاز يبدو معنياً بحدث قريب — طفل يولد في جيل الملك نفسه كعلامة زوال خطر سياسي معيّن — وهو ما يجعل بعض الدارسين، مسيحيين ويهوداً على حد سواء، يميلون إلى قراءة «تكامل النبوءة»: أن للنص تحققاً أولياً قريباً في زمن إشعياء، وتحققاً أعمق وأكمل لاحقاً في يسوع. القراءة المسيحية الشائعة، مع ذلك، تشدد على أن عبارة «يعطيكم السيد نفسه آية» تستدعي حدثاً خارقاً للعادة يفوق مجرد ولادة عادية، وهو ما يرونه منسجماً مع فكرة الحبل العذري.
٣. عبد الرب المتألم: إشعياء ٥٣
يُعدّ هذا الأصحاح من أكثر نصوص العهد القديم التصاقاً بالقراءة المسيحية للصلب. يصف إشعياء شخصية يسميها «عبد الرب»، يتحمل الآلام نيابة عن الآخرين:
| «محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن… لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها… وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شُفينا». إشعياء ٥٣: ٣-٥ |
ويصف الأصحاح كذلك صمته أمام الظلم، ودفنه «مع الأشرار»، وأنه «لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش»:
| «ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاة تُساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازّيها فلم يفتح فاه… وجُعل مع الأشرار قبره». إشعياء ٥٣: ٧، ٩ |
من الأمانة أن يُذكر هنا أن هذا النص كان موضع جدل تاريخي بين اليهود والمسيحيين حول هوية «عبد الرب»: بعض التفاسير اليهودية القديمة، حتى قرون بعد الميلاد، فهمت الشخصية على أنها المسيح المنتظر، قبل أن يميل مفسرون لاحقون — في سياق الجدل مع المسيحية — إلى تفسيرها بأنها رمز لشعب إسرائيل ذاته المتألم في السبي، أو لشخصية مثل إرميا أو يوشيا. القراءة المسيحية ترى في تفاصيل النص — التحمّل النيابي، الصمت أمام الاتهام، الدفن مع الأغنياء بعد موت كموت المجرمين — تطابقاً دقيقاً مع رواية الأناجيل عن صلب يسوع ودفنه في قبر يوسف الرامي الغني.
٤. مزمور الصليب: مزمور ٢٢
يفتتح داود هذا المزمور بكلمات ستصير لاحقاً، بحسب رواية الأناجيل، هي ذاتها الكلمات التي صرخ بها يسوع على الصليب:
| «إلهي إلهي لماذا تركتني، بعيداً عن خلاصي، عن كلام زفيري؟» مزمور ٢٢: ١؛ قارن متى ٢٧: ٤٦ |
ثم يصف المزمور مشهداً يقرأه المسيحيون كوصف مسبق لعملية الصلب ذاتها، رغم أن الصلب كطريقة إعدام لم يكن معروفاً بعد بين اليهود في زمن داود:
| «لأنه قد أحاطت بي كلاب، جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يدي ورجلي… يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون». مزمور ٢٢: ١٦، ١٨ |
هنا أيضاً تستحق الأمانة العلمية وقفة: عبارة «ثقبوا يدي ورجلي» محل نقاش نصي معروف. النص الماسوري العبري (التقليد اليهودي المعتمد لاحقاً في ضبط النص) يحمل في هذا الموضع صياغة مختلفة تُقرأ أقرب إلى «كأسد يدي ورجلي»، بينما ترجمة السبعينية اليونانية القديمة، وكذلك مخطوطات من قمران (مخطوطات البحر الميت)، تحمل صياغة أقرب إلى «ثقبوا». الترجمات العربية الشائعة، ومنها فانديك، اعتمدت القراءة الثانية. هذا اختلاف نصي حقيقي بين المخطوطات وليس تلاعباً، وقد استند إليه بعض النقاد للتشكيك في دقة تطبيق النص على الصلب، بينما يرى مسيحيون أن شهادة قمران والسبعينية القديمة، السابقة لظهور المسيحية، تدعم القراءة التي اعتمدها كُتّاب العهد الجديد.
٥. ثلاثون من الفضة: زكريا ١١: ١٢-١٣
يصف زكريا مشهداً رمزياً لراعٍ يُقيَّم عمله بثمن بخس هو ثمن العبيد نفسه، ثم يُلقى هذا المبلغ إلى «الفخاري» في بيت الرب:
| «فقلت لهم: إن حسن في أعينكم فأعطوني أجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري، الثمن الكريم الذي ثمّنوني به! فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب». زكريا ١١: ١٢-١٣ |
يربط إنجيل متى هذا النص بقصة يهوذا الإسخريوطي، الذي قَبِل ثلاثين من الفضة ثمناً لتسليم يسوع، ثم ندم وألقاها في الهيكل، فاشترى بها الكهنة حقل الفخاري:
| «حينئذ تمّ ما قيل بإرميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة، ثمن المثمَّن الذي ثمّنوه من بني إسرائيل، وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب». متى ٢٧: ٩-١٠ |
هنا إشكال يستحق أن يُذكر بوضوح لا أن يُخفى: متى ينسب هذا الاقتباس إلى «إرميا النبي»، بينما النص الفعلي المطابق موجود في سفر زكريا لا إرميا. من التفسيرات الشائعة أن اليهود في ذلك العصر كانوا يسمّون أحياناً مجموعة «الأنبياء المتأخرين» باسم أول سفر فيها، وقد يكون إرميا افتُتح به الترتيب في بعض النسخ، فينسب الاقتباس لعنوان المجموعة لا للسفر بعينه؛ ويرى آخرون أن متى مزج بين نص زكريا وصورة من سفر إرميا (٣٢: ٦-٩ وشراء الحقل، أو ١٩: ١-١٣ وكسر إناء الفخاري) في اقتباس مركّب، وهي طريقة معروفة عند كتّاب العهد الجديد في الجمع بين نصوص متعددة تحت اسم أحدها. كلا التفسيرين مطروحان في الدراسات الكتابية دون حسم قاطع، وهذا فارق يستحق أن يُقال كما هو دون تجميل.
٦. جدول مقارن: النص، وقراءتان
الجدول التالي يجمع النصوص الأربعة الرئيسية ويعرض القراءة المسيحية إلى جانب المنطق الإسلامي العام في التعامل مع فكرة النبوءة المسبقة في الكتب السابقة، دون افتراض أن أحد الطرفين يوافق تفسير الآخر.
| المحور | النص | القراءة المسيحية | المنطق الإسلامي | ملاحظة |
| مكان الميلاد | ميخا ٥: ٢ | بيت لحم تحدَّدت باسمها قبل الحدث بقرون | التسليم بأن كتباً سابقة تضمنت إشارات نبوية عموماً (الأعراف: ١٥٧) | الخلاف حول مَن هي الشخصية المقصودة |
| طريقة الولادة | إشعياء ٧: ١٤ | حبل عذري خارق كعلامة إلهية | القرآن يثبت ولادة عيسى من عذراء دون أب (مريم: ١٦-٢١)، لكن لا يربطها بهذا النص | اتفاق على المعجزة، اختلاف على مصدر إثباتها |
| الآلام والموت | إشعياء ٥٣؛ مزمور ٢٢ | وصف نبوي مسبق لآلام الصلب وتفاصيله | القرآن ينفي وقوع الصلب على عيسى ذاته (النساء: ١٥٧) | أعمق نقطة خلاف بين القراءتين |
| الخيانة والثمن | زكريا ١١: ١٢-١٣ | نبوءة عن الخيانة بثلاثين من الفضة | لا مقابل قرآني مباشر؛ يُعامَل كنص كتابي داخلي | إشكال الاقتباس في متى ٢٧: ٩ يُعرض بصراحة |
٧. فكرة «النبوءة المسبقة» بين الدينين
المفهوم الذي يقوم عليه هذا المقال — أن نصاً دينياً قديماً يحمل إشارة إلى شخصية تأتي بعده بقرون — ليس غريباً عن الذهنية الإسلامية؛ فالقرآن نفسه يستخدم منطقاً مشابهاً حين يتحدث عن صفات النبي محمد ﷺ الموجودة في الكتب السابقة:
| «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ…» سورة الأعراف: ١٥٧ |
يذكر الطبري وابن كثير والقرطبي، في تفسيرهم لهذه الآية، أن صفات النبي محمد ﷺ كانت — بحسب هذا الفهم — مكتوبة في التوراة والإنجيل يعرفها أحبار اليهود وعلماء النصارى. وهذا يعني أن فكرة كون الكتاب السابق يحمل بشارة بشخص لاحق مبدأ مشترك بين القراءتين، لكن المسارين يفترقان تماماً عند سؤال: بمن تتحقق هذه الإشارات؟ المسيحي يرى في إشعياء وميخا والمزامير إشارات إلى يسوع نفسه بتفاصيل حياته وموته؛ والمسلم يرى في الآية القرآنية إشارة إلى نبي آخر يأتي من بعد عيسى. وكلا الطرفين، من منطلقه الخاص، يقرأ نصوصاً سابقة كإرهاصات لشخصية مركزية في إيمانه.
للقراءة المباشرة
- إشعياء، الأصحاحان ٧ و٥٣ (العهد القديم)
- ميخا، الأصحاح ٥
- مزمور ٢٢
- زكريا، الأصحاح ١١
- إنجيل متى، الأصحاحان ٢ و٢٧
- سورة الأعراف: ١٥٧؛ سورة مريم: ١٦-٢١؛ سورة النساء: ١٥٧
- تفسير ابن كثير والطبري لسورة الأعراف: ١٥٧
