حين يمرض الإنسان تتغيّر أسئلته. السؤال الذي كان نظرياً في أيام العافية، «لماذا يوجد الألم؟»، يصير شخصياً جداً: «هل الله يراني الآن؟ هل هو قريب منّي؟». وهذا المقال لا يحاول حلّ مشكلة الألم كلها، فهي سؤال أوسع يستحق مقالاً مستقلاً. إنما يسأل سؤالاً أضيق وأقرب: ماذا تقول الأناجيل عن الطريقة التي اقترب بها يسوع من المرضى والمتألمين؟ وماذا يقصد المسيحيون حين يقولون إنه يرافقهم في ألمهم؟
والقارئ المسلم يعرف هذا النداء الإنساني من القرآن نفسه. فقد ذكر القرآن أيوب وهو ينادي ربّه:
| «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» سورة الأنبياء: ٨٣ |
فالمريض في كل الأديان يبدأ من النقطة ذاتها: ألم حقيقي، وربٌّ أرجو قربه. وما نعرضه هنا هو كيف تصف الأناجيل قرب يسوع، ثم كيف يفهم الإسلام قرب الله من المبتلى، ليرى القارئ أين يلتقي التصوّران وأين يفترقان.
ما الذي يحتاجه المريض قبل الشفاء؟
من يلازم مريضاً يلاحظ أن حاجته لا تقتصر على زوال المرض. فهو يحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى ثلاثة أشياء: أن يُرى لا أن يُتجنَّب، وألّا يُلام على مرضه، وألّا يكون وحيداً فيه. وحين نقرأ مشاهد يسوع مع المتألمين في الأناجيل نجد هذه الثلاثة حاضرة بوضوح: نظرٌ يلتفت إلى الشخص، ولمسٌ يكسر العزلة، ومشاركةٌ تبلغ ذروتها حين يصير يسوع نفسه متألماً.
ولا يدور هذا المقال حول المعجزات بوصفها استعراضاً للقدرة، فهذا موضوع آخر. بل حول الطريقة: كيف اقترب؟ ماذا قال؟ ماذا فعل بيده؟ وكيف عامل مَن لم يُشفَ بعد.
يسوع لم يتجنّب المرضى
تذكر الأناجيل أن المرضى كانوا جزءاً دائماً من مشهد خدمته. وحين انتقده بعض المتدينين لأنه يجالس المنبوذين أجاب بجملة قصيرة:
| «لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى» إنجيل متى ٩: ١٢ |
ويلخّص متى مشهد مساءٍ واحد في كفرناحوم، حين جاء الناس بمرضاهم إليه، ثم يربط ما جرى بنبوة إشعياء:
| «لِيَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا» إنجيل متى ٨: ١٧ |
والقرآن يذكر هذا الجانب من رسالة عيسى أيضاً، إذ يضع على لسانه: «وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ» (آل عمران: ٤٩). فالاتفاق قائم على أن الشفاء كان حاضراً في خدمته. أما موضع الاهتمام هنا فهو كيف كان يقترب ممّن يعاني.
خمسة مشاهد من لقاء يسوع بالمتألمين
المشهد الأول: الأبرص، لمسةٌ قبل الكلمة
كان الأبرص في شريعة التوراة معزولاً بحكم القانون: يسكن خارج المحلة، ويصيح أمام الناس «نجس، نجس» (سفر اللاويين ١٣: ٤٥–٤٦). فألمه ألمان: جسدٌ يتآكل، وإنسانٌ لا يلمسه أحد. وفي إنجيل مرقس يأتي رجل كهذا إلى يسوع جاثياً:
| «فَأَتَى إِلَيْهِ أَبْرَصُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ جَاثِيًا وَقَائِلاً لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ: أُرِيدُ فَاطْهُرْ» إنجيل مرقس ١: ٤٠–٤١ |
لاحظ ترتيب الفعلين: «مدّ يده ولمسه»، ثم جاء الكلام عن الشفاء. كان يستطيع أن يشفيه بكلمة من بعيد، كما تذكر الأناجيل في مواضع أخرى، لكنه اختار أن يلمسه. وربما كان الأبرص لم يشعر بلمسة يد منذ سنين.
المشهد الثاني: مخلوع بيت حسدا، سؤالٌ ثم إصغاء
عند بركة في أورشليم كان مريض ينتظر منذ ثمانٍ وثلاثين سنة (يوحنا ٥: ٥). ولم يبدأ يسوع بوعظ ولا بتفسير، بل بسؤال يبدو غريباً لرجل في حالته:
| «أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟ أَجَابَهُ الْمَرِيضُ: يَا سَيِّدُ لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ» إنجيل يوحنا ٥: ٦–٧ |
جواب الرجل لم يكن «نعم» ولا «لا»، بل كان شكوى وحدة: «ليس لي إنسان». وقد أصغى يسوع إلى هذه الشكوى كاملة قبل أن يقول له: «قُمْ احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ». فالسؤال لم يكن استجواباً، بل فتحاً لباب الكلام.
المشهد الثالث: المرأة نازفة الدم، من الاختباء إلى الاسم
اثنتا عشرة سنة من النزف، أنفقت فيها كل ما تملك على أطباء ولم تستفد شيئاً «بَلْ صَارَتْ إِلَى حَالٍ أَرْدَأَ» (مرقس ٥: ٢٦). وبحسب شريعة اللاويين (١٥: ٢٥) كانت نجسة طقسياً، فجاءت من وراء الجمع تريد أن تمسّ ثوبه خفية. وحين شُفيت التفت يسوع وسأل: «مَنْ لَمَسَ ثِيَابِي؟». فجاءته مرتعدة وأخبرته بالحقيقة كلها. وكان جوابه:
| «يَا ابْنَةُ إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ. اذْهَبِي بِسَلاَمٍ وَكُونِي صَحِيحَةً مِنْ دَائِكِ» إنجيل مرقس ٥: ٣٤ |
كان بإمكانه أن يتركها تنصرف دون أن يُعرَف من هي. لكنه أراد أن يُخرجها من الاختباء إلى المواجهة، وأن يخاطبها أمام الجمع بلقب «يا ابنة». فالشفاء الجسدي كان بداية، وردُّ الاعتبار بين الناس كان تمامه.
المشهد الرابع: المولود أعمى، رفضُ اللوم
في إنجيل يوحنا (الفصل ٩) يمرّ يسوع برجل أعمى منذ ولادته، ويبدأ النص بفعل لافت: «رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى». أما التلاميذ فكانت أول كلماتهم سؤالاً شائعاً في ذلك الزمان:
| «يَا مُعَلِّمُ مَنْ أَخْطَأَ هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟ أَجَابَ يَسُوعُ: لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ» إنجيل يوحنا ٩: ٢–٣ |
هنا يرفض يسوع المعادلة التي تحوّل المرض إلى تهمة: مرضٌ يساوي ذنباً. وتتفاوت قراءة عبارة «لتظهر أعمال الله فيه» بين المفسرين، لكن الرفض الصريح لنسبة العمى إلى خطيئة أحدٍ واضح في النص. وكم من مريض يحمل مع ألمه سؤالاً مؤلماً: «ماذا فعلتُ لأستحق هذا؟» وهذا النص من أقدم ما يردّ على ذلك السؤال.
المشهد الخامس: جثسيماني، يسوع يطلب من أصحابه البقاء
حتى الآن كان يسوع هو القريب من المتألمين. لكن الأناجيل تنتقل في لياليها الأخيرة إلى مشهد معاكس: يسوع نفسه في ضيق، يطلب من تلاميذه شيئاً بسيطاً:
| «نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. امْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي» إنجيل متى ٢٦: ٣٨ |
لم يطلب منهم حلاً ولا معجزة، بل حضوراً: «اسهروا معي». وهذه هي الحاجة التي يعرفها كل من جلس بجانب سرير مريض في الليل: أحياناً لا يمكن إزالة الألم، لكن يمكن ألّا يُترك الإنسان وحده معه.
حين صار يسوع هو المتألم
تصف الأناجيل الأربعة صلب يسوع بتفاصيل جسدية موجعة. وفي الرواية كلمتان تخصّان موضوعنا. الأولى صرخته: «إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟» (متى ٢٧: ٤٦)، وهي تردّد افتتاح المزمور ٢٢، وتجعل الصرخة التي يعرفها كل مبتلى على لسان يسوع نفسه. والثانية جملة قصيرة في إنجيل يوحنا:
| «بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: أَنَا عَطْشَانُ» إنجيل يوحنا ١٩: ٢٨ |
وفي النبوة التي يستشهد بها المسيحيون عادةً في هذا السياق، وصف إشعياء «عبد الرب» المتألم بقوله:
| «مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ… لكِنْ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا» سفر إشعياء ٥٣: ٣–٤ |
ملاحظتان للأمانة العلمية. الأولى أن التفسير اليهودي التقليدي يرى في «العبد المتألم» شعب إسرائيل لا شخصاً واحداً، بينما قرأته الكنيسة الأولى في يسوع، وقد استشهد به متى في سياق الشفاء كما رأينا، واستشهد به آخرون في سياق الصليب. والثانية أن القرآن يقرأ حادثة الصلب قراءة أخرى: «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ» (النساء: ١٥٧). ولهذه المسألة مقالة مستقلة. وما يعنينا هنا هو ما تقوله الأناجيل لقرّائها، لا الحكم في الخلاف.
ما الذي يقوله المسيحيون عن هذا كله؟
من هذه المشاهد يستخلص المسيحيون ما تقوله رسالة العبرانيين:
| «لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ» رسالة العبرانيين ٤: ١٥ |
وفكرتهم المركزية أن الله، في المسيح، لم يشرح الألم من بعيد، بل دخل فيه. وهذا امتداد لعقيدة التجسد التي عُرضت في مقالات أخرى: فإذا كان الله قد أخذ جسداً، فقد أخذ معه إمكانية الجوع والتعب والجرح. ومن هنا يقولون إن للمتألم رفيقاً يعرف الطريق من الداخل.
وفي الخط ذاته تُنقل عبارة بولس عن «إِلهِ كُلِّ تَعْزِيَةٍ الَّذِي يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُعَزِّيَ الَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ بِالتَّعْزِيَةِ الَّتِي نَتَعَزَّى نَحْنُ بِهَا مِنَ اللهِ» (٢ كورنثوس ١: ٣–٤). فالعزاء في هذا الفهم ليس شيئاً يتلقاه المتألم فحسب، بل شيء ينتقل منه إلى غيره.
كيف يرافقنا اليوم؟ وماذا لا يعد به الإنجيل؟
الأسئلة العملية هنا أصعب من النظرية، والإنجيل لا يتجاهلها. فيما يلي ما يقوله النص بحدوده:
- دعوة مفتوحة: «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (متى ١١: ٢٨).
- حضوره في من يزور المريض: في مثل الدينونة يقول: «كُنْتُ… مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي» (متى ٢٥: ٣٦)، أي أن زيارة المريض تُحسب لقاءً به.
- جماعة تصلّي وتعتني: «أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ» (يعقوب ٥: ١٤). وتتفاوت الكنائس في الممارسة، فعند الكاثوليك والأرثوذكس سرّ مسحة المرضى، وعند كثير من البروتستانت صلاة وزيارة، لكن الفكرة المشتركة أن المريض لا يُترك وحده.
- احترام الطب: يسمّي بولس لوقا «الطَّبِيبَ الْحَبِيبَ» (كولوسي ٤: ١٤)، ولا يضع الإنجيل الإيمان في مواجهة العلاج.
- رجاء أخير: «وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ» (رؤيا يوحنا ٢١: ٤).
لكن الإنجيل لا يعد بأن يُشفى كل مريض هنا والآن. فبولس نفسه، وهو من أكثر الشخصيات حضوراً في العهد الجديد، يحكي أنه طلب ثلاث مرات أن يُزال عنه «شَوْكَةٌ فِي الْجَسَدِ»، ولم تُزَل:
| «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ» رسالة كورنثوس الثانية ١٢: ٩ |
وقد يُفهم من بعض الخطابات الدينية الشائعة أن استمرار المرض علامة نقص في الإيمان. غير أن النصوص التي مرّت بنا، المولود أعمى وبولس، ترفض هذا الربط. فالإيمان في الإنجيل ليس وسيلة لتجنّب الألم، بل رفقة فيه.
وفي كلمة يسوع لتلاميذه: «فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يوحنا ١٦: ٣٣) وعدٌ بالمعيّة لا بالإعفاء، وهذا ما يجعل بعض المرضى يجدون فيه عزاءً، ويراه آخرون وعداً أقل مما يتمنّون. وهذا اختلاف مشروع يتركه المقال مفتوحاً.
وماذا عن المرض والقرب الإلهي في الإسلام؟
لا تقل التقاليد الإسلامية في هذا الموضوع عن غيرها عمقاً. بل إن بينها وبين النصوص التي مرّت بنا نقاط التقاء لافتة تستحق أن تُذكر قبل الخلاف.
ما يلتقي فيه التصوّران
- المرض ليس بالضرورة عقاباً. في الحديث: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (رواه البخاري ومسلم). وفي حديث آخر أن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل (رواه الترمذي). فالابتلاء في الإسلام ليس دليل غضب، وقد يكون رفعة وتكفيراً.
- الأنبياء تألموا. أيوب في القرآن، ومريم التي جاءها المخاض فقالت: «يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا» (مريم: ٢٣). فالقرآن نفسه يذكر ألم الولادة التي جاء منها عيسى.
- الله هو الشافي: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» (الشعراء: ٨٠).
- زيارة المريض لقاءٌ بالله. وهذا أوضح الالتقاء. ففي صحيح مسلم حديث قدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟» (رواه مسلم، رقم ٢٥٦٩). وهو قريب جداً من قول يسوع «كنت مريضاً فزرتموني» في متى ٢٥.
وأين يفترقان؟
في التصور الإسلامي، قرب الله من عباده قربُ علمٍ ورحمةٍ وإجابة، لا قربُ مشاركةٍ في التجربة. وهو قرب عميق: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (ق: ١٦). وحجة هذا التصور أن الله الخالق لا يحتاج إلى أن يتألم ليعلم الألم: «أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (الملك: ١٤)، وأن تنزيهه عن النقص والعجز جزء من الإيمان به، فلا يليق بجلاله أن يوصف بجوع أو ضعف أو موت. ويرى المسلم في هذا التنزيه نفسه سبباً للطمأنينة: فمن يُلجأ إليه يجب أن يكون فوق الألم قادراً على رفعه.
أما التصور المسيحي فيقول العكس: إن ما يطمئن المتألم تحديداً هو أن الله لم يبقَ خارج التجربة. وكلا المنطقين له داخله اتساق، ويبقى القارئ هو الذي يزن أيّهما يلبّي سؤال المتألم الحقيقي.
جدول مقارنة
| المحور | في الإنجيل | في القرآن والسنة | ما يتفقان عليه | موضع الخلاف |
| هل المرض عقاب؟ | يرفض يسوع ربط العمى بخطيئة أحد (يوحنا ٩) | المرض قد يكون تكفيراً ورفعة للدرجات | ليس كل مرض عقاباً على ذنب | في الإسلام معنى التكفير حاضر؛ وفي الإنجيل التركيز على رفض اللوم |
| علاقة الله بالمتألم | الله في المسيح شارك الألم (عبرانيين ٤: ١٥) | الله قريب يسمع ويجيب (البقرة ١٨٦، ق ١٦) | الله قريب من المبتلى ولا يتخلى عنه | المشاركة في التجربة الجسدية: تُثبت مسيحياً وتُنفى إسلامياً تنزيهاً |
| الأنبياء والمتألمون | يسوع نفسه «رجل أوجاع» (إشعياء ٥٣) | أيوب، ومريم، والأنبياء «أشد الناس بلاء» | الألم لم يستثنِ أحداً من الصالحين | هل الألم الأعظم وقع على الله نفسه أم على رسله؟ |
| واجب المؤمن تجاه المريض | «كنت مريضاً فزرتموني» (متى ٢٥) | «مرضت فلم تعدني» (مسلم ٢٥٦٩) | زيارة المريض لقاء بالله | لا خلاف جوهرياً هنا |
| الرجاء الأخير | «لا يكون وجع في ما بعد» (رؤيا ٢١) | نعيم لا نصب فيه ولا وصب | يُنزع الألم نهائياً في الآخرة | طبيعة الحياة الآتية وصورتها |
نصوص للقراءة المباشرة
من الأناجيل والعهد الجديد
- متى ٨: ١٤–١٧، ومتى ٩: ١٢–١٣
- مرقس ١: ٤٠–٤٥ (الأبرص)، ومرقس ٥: ٢٥–٣٤ (نازفة الدم)
- يوحنا ٥: ١–١٥ (بركة بيت حسدا)، ويوحنا ٩: ١–٧ (المولود أعمى)
- متى ٢٦: ٣٦–٤٦ (جثسيماني)، ومتى ٢٧: ٤٥–٥٠، ويوحنا ١٩: ٢٨–٣٠
- عبرانيين ٤: ١٤–١٦، و٢ كورنثوس ١٢: ٧–١٠، ومتى ٢٥: ٣١–٤٦
من القرآن والسنة
- سورة الأنبياء: ٨٣–٨٤ (أيوب)، وسورة مريم: ٢٢–٢٦ (المخاض)
- سورة الشعراء: ٧٨–٨٢، وسورة آل عمران: ٤٩
- حديث «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب» (البخاري، كتاب المرضى)
- حديث «مرضت فلم تعدني» (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، رقم ٢٥٦٩)
وإن كنتَ أنت أو أحد أحبائك يمرّ بمرض الآن، فهذا المقال لا يغني عن الطبيب ولا عن أحبّتك، بل هو دعوة إلى قراءة هادئة حين يسمح الوقت.
| سؤال للتأمل حين يشتدّ الألم، هل يكفيك أن تعرف أن الله قادر على إزالته، أم تحتاج أيضاً أن تعرف أنه قريب منك فيه؟ وكيف تفهم أنت هذا القرب؟ |
