مائدة المحبة: كيف يغيّرنا الله من الداخل؟
في ثقافتنا الشرقية الأصيلة، لا يُعتبر تناول الطعام مجرد وسيلة لسد الجوع، بل هو “خبز وملح”، ورمز عميق للقبول، والأمان، وتأسيس العلاقات المتينة. عندما تفتح باب بيتك لشخص وتشاركه طعامك، فأنت تعلن ضمناً تصالحك معه واعترافك بقيمته لديك.
من هنا، نستطيع أن نفهم الصدمة والتعجب اللذين أصابا المجتمع في زمن السيد المسيح، عندما رأوه يجلس على مائدة واحدة مع “العشارين” (جامعي الضرائب الذين كانوا يُعتبرون خونة وظلمة في ذلك الوقت) وسائر من صنفهم المجتمع كـ “خطاة”. لقد تساءل حراس المظاهر الدينية باستنكار: كيف يجرؤ رجل يُفترض أنه يمثل الطهارة على مخالطة هؤلاء ومؤاكلتهم؟!
لكن المسيح أجابهم بقاعدة ذهبية غيّرت مفهوم التدين الشكلي، قائلاً:
«لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ» (مرقس 2:17).
قلب الطبيب الذي يداوي ولا يعيّر
إن هذا الموقف النبيل يحمل في طياته أسراراً عظيمة لكيفية تعامل الخالق مع عباده، ويبدد الكثير من المفاهيم المغلوطة:
- قبول الإنسان لا يعني إقرار الذنب: جلوس المسيح مع الخطاة لم يكن تصفيقاً لذنوبهم أو تهويناً من المعاصي، بل كان تجسيداً لرحمة الله التي تسع كل شيء. إنه كأستاذ حكيم أو طبيب رحيم، لا يهرب من المريض بل يقترب منه ليصف له الدواء.
- القبول أولاً ثم التغيير: يقع الكثير منا في فخ التفكير السلبي، فنقول لأنفسنا: “سأصلح من حالي أولاً، وأتخلص من عاداتي السيئة، ثم أتقرب إلى الله بعد ذلك”. لكن السيرة هنا تعلمنا العكس تماماً! إنك لن تستطيع الشفاء بمفردك دون الذهاب للطبيب. الله يدعوك أن تأتي إليه بضعفك وعجزك أولاً، وقربه منك هو الذي سيمنحك القوة على التغيير وترك الذنب.
- الحب كأقوى دافع للتوبة: عندما شعر هؤلاء المرفوضون بأن هناك من يحترم إنسانيتهم ويجلس معهم دون كِبر أو تعالٍ، تحركت قلوبهم من الداخل. التغيير الحقيقي لا يأتي دائماً بالترهيب والعزلة، بل ينبع أحياناً كثيرة من فيض المحبة والرحمة والستر.
بابه مفتوح لك دائماً
إن الله سبحانه يبسط يده بالرحمة آناء الليل وأطراف النهار، ولا يشترط أن نكون كاملين بلا عيوب لكي نلجأ إليه. إنه يريد منا الصدق والإقبال، وهو يتولى بعنايته إصلاح قلوبنا وتهذيب نفوسنا.
سؤال للتأمل والتدبر: إذا كان الله يعلم كل عيوبك، ومع ذلك يفتح لك أبواب رحمته وقربه دون شروط مسبقة… فهل أنت مستعد اليوم أن تكسر حاجز الخوف والخجل، وتقترب إليه تماماً كما أنت، واثقاً في قدرته على تغييرك للأفضل؟
