هذا سؤال يشغل كثيراً من المسلمين الذين يتأملون المسيحية للمرة الأولى: هل يؤمن المسيحيون بيوم القيامة؟ هل يعتقدون بالحساب والجنة والنار؟ أم أن الإيمان بالمسيح وحده كافٍ مهما فعل الإنسان؟
دعنا نفتح الإنجيل ونقرأ بأنفسنا.
أولاً: نعم — المسيحية تؤمن بيوم القيامة
هذا ليس شكاً ولا تحفظاً. الإيمان بيوم القيامة ركنٌ أساسي في العقيدة المسيحية، وردَ في الإنجيل صراحةً وبتفصيل لا يقلّ عمقاً عمّا في القرآن الكريم.
يقول يسوع في إنجيل يوحنا:
“تَعجَبوا من ذلك، فإنه تأتي ساعةٌ فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة” (يوحنا 5: 28-29)
ألا يذكّرك هذا بقوله تعالى في القرآن الكريم؟
﴿يَوْمَ تَشَهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النور: 24)
كلا الكتابَين يتحدثان عن يوم لا فرار منه، يقف فيه كل إنسان أمام الله ليُحاسَب.
ثانياً: يوم الحساب في الإنجيل — ليس رمزاً، بل حقيقة
يُطلق عليه الإنجيل أسماء متعددة: “يوم الدينونة”، “يوم الرب”، “اليوم الأخير”. وهو يوم تتوقف فيه الفرص، وتُكشَف فيه السرائر، ويأخذ كل إنسان جزاءه.
يقول يسوع في إنجيل متى في أحد أطول وأعمق نصوص الحساب في الإنجيل كله:
“ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسون معه، فحينئذٍ يجلس على عرش مجده. وتُجمَع أمامه جميع الأمم، فيُميّز بعضهم من بعض كما يُميّز الراعي الخراف من الجداء” (متى 25: 31-32)
ثم يصف يسوع بدقة على ماذا يُحاسَب الناس — وهنا يأتي شيء مهم جداً: الحساب ليس على الشعائر وحدها، بل على ما فعله الإنسان تجاه أخيه الإنسان:
“إني كنت جائعاً فأطعمتموني، عطشاناً فسقيتموني، غريباً فآويتموني، عرياناً فكسوتموني، مريضاً فزرتموني، في السجن فأتيتم إليّ” (متى 25: 35-36)
ثم يقول لمن لم يفعلوا ذلك: “اذهبوا عني إلى النار الأبدية” — وإلى المؤمنين العاملين: “تعالوا يا مباركي أبي، رِثوا الملكوت” (متى 25: 34 و41).
ثالثاً: الجنة في الإنجيل — هل هي مختلفة عمّا في القرآن؟
نعم، هناك تشابه عميق وهناك اختلاف جوهري واحد.
التشابه: كلا الكتابَين يصفان الجنة بأنها نعيم حقيقي، وسلام دائم، وقُرب من الله.
يقول إنجيل الرؤيا:
“ومسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون بعده، ولا حزن ولا صراخ ولا وجع يكون بعد” (رؤيا 21: 4)
الاختلاف الجوهري: المسيحية تضع في قلب الجنة شيئاً واحداً أعلى من كل نعيم — وهو رؤية الله وجهاً لوجه والقُرب منه إلى الأبد. يقول الإنجيل:
“الآن ننظر في مرآة بصورة مبهمة، وأما حينئذٍ فوجهاً لوجه” (1 كورنثوس 13: 12)
وهذا ما يُسمّيه اللاهوتيون المسيحيون “الرؤيا الطوباوية” — أي أن أعلى نعيم الجنة ليس البساتين والأنهار، بل معرفة الله كما هو حقاً.
رابعاً: النار في الإنجيل — هل هي أبدية؟
هذا سؤال يطرحه كثيرون بصدق. والإجابة المسيحية الواضحة: نعم، الإنجيل يُثبت العذاب الأبدي.
يقول يسوع — وليس مفسّراً أو رجل دين — يقول يسوع نفسه:
“والذين لا يُطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح يُعاقَبون بهلاك أبدي من وجه الرب ومن مجد قوته” (2 تسالونيكي 1: 9)
وفي سفر الرؤيا:
“وكل من لم يُوجَد مكتوباً في سفر الحياة أُلقي في بحيرة النار” (رؤيا 20: 15)
وهذا يتوافق مع ما جاء في القرآن الكريم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (البقرة: 161)
كلا الكتابَين يُثبتان أن النهايات ليست واحدة للجميع — وأن ما يفعله الإنسان في هذه الحياة القصيرة له وزنٌ هائل في الآخرة.
خامساً: فأين يأتي دور المسيح في كل هذا؟
هنا يكمن الفارق الجوهري بين الإسلام والمسيحية — لكنه فارق يستحق أن يُفهَم بهدوء لا أن يُرفَض بعجلة.
المسيحية لا تقول: “آمن بالمسيح وافعل ما تشاء.” هذا فهم مشوّه. المسيحية تقول:
أولاً: كل إنسان مدين أمام الله بدَين لا يقدر على سداده وحده — وهو ثقل الخطيئة التراكمي على مدى حياته.
ثانياً: المسيح مات على الصليب ليسدّ هذا الدَّين نيابةً عن كل من يؤمن به — لا لأن الله عاجز، بل لأن الله يحب.
ثالثاً: الإيمان الحقيقي بالمسيح لا ينتج إنساناً متراخياً لا يبالي بالحساب — بل ينتج إنساناً تحوّل قلبه فصار يعمل الصالحات لا خوفاً من النار، بل حبّاً لله.
يقول الرسول بولس:
“فإننا جميعاً يجب أن نُمثَّل أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما صُنع بالجسد، بحسب ما عمل، خيراً كان أم شراً” (2 كورنثوس 5: 10)
لاحظ: “كل واحد، بحسب ما عمل.” لا إعفاء، لا تهاون، لا إيمان بلا ثمرة.
سادساً: ما الذي يتفق عليه الإسلام والمسيحية في هذا الباب؟
أكثر مما يختلفان. كلاهما يُثبت:
- أن هذه الحياة دارُ اختبار لا دارَ إقامة
- أن الله عادل وسيُحاسب كل أحد
- أن هناك جنة حقيقية ونار حقيقية
- أن الأعمال لها وزن ومعنى ولا تُهمَل
- أن النهاية الحقيقية للإنسان ليست الموت، بل ما بعد الموت
الخلاف الحقيقي ليس في وجود الآخرة — بل في الطريق إليها وفي هوية المسيح الذي يقف في قلب هذا الطريق.
خاتمة: سؤال لك أنت
إذا كانت النهاية حقيقية — وكلانا يؤمن بذلك — فهل فكّرتَ يوماً بجدية: من هو يسوع المسيح فعلاً؟
ليس يسوع الذي سمعتَ عنه من الآخرين. بل يسوع الذي يتكلم بنفسه في صفحات الإنجيل.
الإنجيل متاح لك. والسؤال لا يكلّفك شيئاً. والحق أقوى من أي خوف.
