مدخل للقارئ المسلم
ربما دخلتَ كنيسة ذات يوم — أو رأيتَ صوراً لها — فوجدتَ تماثيل مريم العذراء، وتماثيل القديسين، وصوراً وأيقونات في كل ركن. وربما قفز إلى ذهنك فوراً ما تعلّمته منذ الصغر عن تحريم الأصنام والتماثيل.
“أليس هذا هو الشرك بعينه؟ أليس هذا ما حاربه إبراهيم وموسى ومحمد ﷺ؟”
السؤال مشروع تماماً. وهو يدل على حساسية دينية أصيلة تستحق الاحترام.
لكنه يستحق أيضاً جواباً أميناً — لا دفاعاً أجوف، ولا هجوماً مضاداً.
فدعني أقول لك بوضوح: لا. المسيحيون لا يعبدون التماثيل. لكن القصة أعمق من هذا النفي. فتعال نفهم معاً ما الذي يجري فعلاً داخل تلك الكنائس.
أولاً: هل المسيحية تُجيز عبادة التماثيل؟
الجواب القاطع: لا.
الكتاب المقدس صريح في تحريم عبادة الأصنام — بل إن هذا التحريم هو الوصية الأولى من الوصايا العشر التي أعطاها الله لموسى:
“لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن” (خروج 20: 4-5)
هذا النص — في نفس الكتاب الذي يُقدّسه المسيحيون — تحريم صريح لا لبس فيه.
فإذا كان الكتاب المقدس يُحرّم عبادة التماثيل، فكيف نفهم ما نراه في الكنائس؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
ثانياً: فرق جوهري لا بد من فهمه
قبل أي شيء، يجب أن نفهم فرقاً جوهرياً يتجاهله كثيرون في هذا النقاش:
الفرق بين العبادة والتعظيم.
في اللاهوت المسيحي هناك تمييز واضح ودقيق:
- العبادة: تُقدَّم لله وحده. هي السجود والصلاة والتضرع والنذر. لا يجوز تقديمها لأي مخلوق مهما علت مرتبته.
- التعظيم: يُقدَّم للقديسين وللرموز المقدسة. هو إجلال واحترام وتذكّر — لا عبادة.
المسيحيون حين يقفون أمام تمثال مريم العذراء ويصلّون — هم لا يُصلّون لمريم بوصفها إلهة — بل يطلبون منها أن تشفع لهم عند الله. وهم يُدركون تماماً أنها مخلوقة، لا خالقة.
توضيح للقارئ المسلم: هذا التمييز قد يبدو دقيقاً جداً من الخارج. والمسلم يرفضه عقدياً — لأن الإسلام لا يُجيز التوسل بالمخلوقين أصلاً. لكن الفهم لا يعني الموافقة. يمكنك أن ترفض ممارسةً ما دون أن تنسب إلى أصحابها نيةً لم ينووها.
ثالثاً: لماذا التماثيل والصور أصلاً؟
هذا سؤال يستحق جواباً تاريخياً أميناً.
حين انتشرت المسيحية في القرون الأولى، وصلت إلى شعوب كثيرة لا تعرف القراءة والكتابة. لم يكن بأيديهم كتاب يقرؤونه ويتعلمون منه. فكانت الصور والتماثيل والأيقونات هي “الكتاب المصوَّر” الذي يُعلّم الناس قصص الإنجيل وسير القديسين.
قال البابا غريغوريوس الأول في القرن السادس الميلادي عبارته الشهيرة: “الصور هي كتاب الأميين.”
أي أن الصور لم تكن في الأصل موضع عبادة — بل كانت أداة تعليم وتذكير.
رابعاً: ماذا يقول المسيحيون في دفاعهم؟
بالعدل والأمانة، دعنا نسمع حجتهم كاملة.
الحجة الأولى — التجسّد يُغيّر المعادلة: يقول اللاهوتيون المسيحيون: حين أخذ الله جسداً بشرياً في شخص يسوع المسيح — صار تصوير ما هو إلهي ممكناً. لأن الله نفسه اختار أن يظهر في صورة مرئية يراها البشر ويلمسونها. وعليه، فتصوير المسيح ليس كتصوير الله الغيبي المجرد.
الحجة الثانية — التمثال مرآة لا إله: حين تنظر في المرآة، أنت لا تعبد المرآة — بل ترى فيها انعكاساً. كذلك التمثال في نظرهم: مجرد انعكاس مرئي لحقيقة روحية غير مرئية. التعظيم يمرّ عبر التمثال إلى الشخص الذي يُمثّله — لا إلى الحجر أو المعدن.
الحجة الثالثة — الله نفسه أمر بصنع تماثيل في العهد القديم: يستشهد المدافعون بأن الله أمر موسى بصنع الكروبيم — تماثيل ملائكية — فوق تابوت العهد:
“واصنع كروبيّن من ذهب… وليكن الكروبان باسطَين أجنحتهما إلى فوق” (خروج 25: 18-20)
وأمره أيضاً بصنع حية نحاسية يتطلع إليها المريض فيشفى (عدد 21). فإذا كان الله هو من أمر بصنع هذه الأشكال — فالمسألة ليست بسيطة كما تبدو.
توضيح للقارئ المسلم: هذه الحجج لا تعني بالضرورة أنها صحيحة. لكن من العدل أن تعرف أن المسيحيين الذين يستخدمون الصور والتماثيل لديهم موقف لاهوتي مدروس — لا مجرد تقليد أعمى للوثنيين.
خامساً: مقارنة تُوضح المسألة
دعنا نتوقف عند مقارنة مباشرة تُقرّب الفكرة.
في الحج الإسلامي، يطوف المسلمون حول الكعبة، ويتمسّحون بالحجر الأسود، ويُقبّلونه. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يُقبّل الحجر الأسود:
“إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يُقبّلك ما قبّلتك.”
هذا هو جوهر الفهم الإسلامي: التقبيل ليس عبادة للحجر — بل هو طاعة لله في شعيرة أمر بها.
والمسيحي حين يُقبّل تمثال مريم يقول شيئاً مشابهاً في منطقه: “أنا لا أعبد هذا الحجر أو هذا المعدن — بل أُعبّر عن حبي وإجلالي للتي يُمثّلها.”
الموقف اللاهوتي لكلٍّ منهما مختلف. لكن المنطق الذي يستند إليه كل منهما في الدفاع عن فعله يشتركان في نقطة واحدة: الفعل الخارجي لا يساوي العبادة بالضرورة.
خاتمة
التماثيل في الكنائس ليست دليلاً على أن المسيحيين وثنيون — كما أن الكعبة ليست دليلاً على أن المسلمين يعبدون الحجارة.
الحكم العادل يقتضي أن نفهم ما يؤمن به الإنسان كما يصفه هو — لا كما يبدو لنا من الخارج.
والمسيحيون يصفون أنفسهم بأنهم يعبدون الله وحده. والتمثال أمامهم ليس إلهاً — بل هو في أحسن الأحوال نافذة تُطل منها القلوب نحو السماء.
هل تتفق مع هذا الفهم؟ هذا نقاش آخر مشروع وعميق.
لكن قبل النقاش — لا بد من الفهم.
“لأن الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا” (يوحنا 4: 24)
هذه الجملة — من فم يسوع نفسه — هي التي تحكم على كل ما يجري في الكنائس، لا التماثيل التي تُزيّن جدرانها.
