في القرآن الكريم، نقرأ أوصافاً عظيمة للمسيح عيسى ابن مريم عليه السلام. من بين هذه الأوصاف، نجد لقبين أساسيين هما: “كلمة الله” و “روح منه” .
يقول الله تعالى في سورة النساء (الآية 171): “إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ” .
هذان التعبيران الجميلان هما نقطة التقاء رائعة بين القرآن والإنجيل. لكن ما معناهما؟ وكيف يفهمهما المسيحيون عند قراءتهم للكتاب المقدس؟
أولاً: المسيح هو “كلمة الله”
في القرآن، تشير “كلمته” إلى أن وجود عيسى كان بأمر من الله (“كُن”)، وأنه جاء ليحمل رسالة الله إلى الناس.
في إنجيل يوحنا، نجد افتتاحية عميقة تتحدث عن هذا اللقب نفسه، ولكن بتوسع أكبر. يقول الإصحاح الأول:
“فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. … وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً.” (يوحنا 1: 1، 14).
من منظور مسيحي، عندما يُدعى المسيح “كلمة الله”، فالمعنى أعمق من مجرد الرسالة أو الأمر. الكلمة هنا هي شخص أزلي (موجود مع الله منذ البدء) وهو الله في جوهره، ولكنه “صار جسداً”، أي اتخذ الطبيعة البشرية عندما وُلد من العذراء مريم. إنه إعلان الله الكامل والواضح للبشر.
ثانياً: المسيح هو “روح منه”
في القرآن، “روح منه” تعني أن روح عيسى مخلوقة من عند الله، أو أن الله أيده بروح القدس (جبريل).
في الإنجيل، نجد أن حضور الله وعمله في حياة المسيح كان كاملاً وفريداً. نقرأ أن الروح القدس حلّ على مريم ليتم الحمل (لوقا 1: 35)، وأن الروح نزل على يسوع بشكل ملموس عند معموديته (متى 3: 16). لكن الأهم، أن المسيح وعد تلاميذه أنه بعد صعوده إلى السماء، سيرسل لهم الروح القدس ليكون معهم وفيهم (يوحنا 14: 16-17).
لذلك، المسيحي يرى أن “الروح” الذي كان للمسيح بالكامل، هو عينه الروح الذي يمنحه للمؤمنين به ليقيم فيهم ويقدسهم.
خاتمة بسيطة:
كلانا، المسلم والمسيحي، يؤمن أن المسيح عيسى ابن مريم هو كلمة الله وروح منه. الفرق الجميل هو في المدى:
- في القرآن: هذان اللقبان يعظمان المسيح كرسول مبارك ومميز جداً، خلقه الله بأمره وأيده بروحه.
- في الإنجيل: هذان اللقبان يكشفان عن سر المسيح نفسه: أنه الكلمة الأزلي الذي تجسد، وأنه المسيح الذي يملك ويمنح الروح.
ربما يكون هذا الاختلاف في الفهم مدعاة لحوار هادئ ومثمر، يقرأ فيه كل منا كتابه، ويسأل: من هو هذا الذي دُعي بهذه الأسماء العظيمة؟
