سؤال يطرحه كل قارئ متأمل
حين يقرأ المسلم قصة الصلب في الأناجيل، يتوقف غالباً عند سؤال جوهري: هل كان يسوع يعرف مسبقاً أن هذا المصير ينتظره؟ أم أن الأحداث فاجأته كما تفاجئ أي إنسان آخر؟ الفرق بين الاحتمالين ليس تفصيلاً عابراً. فإن كان يسوع يعلم، فذلك يفتح الباب لسؤال أعمق: لماذا سار نحو مصير كان يعرفه ويستطيع تجنبه؟ وإن لم يكن يعلم، فما معنى النصوص الكثيرة التي تنسب إليه تصريحات صريحة عن موته القادم؟
هذا السؤال له أيضاً صدى في القرآن الكريم، الذي يصف نهاية عيسى عليه السلام بعبارات لها أكثر من قراءة تفسيرية، كما سنرى. المقال هذا يحاول أن يعرض النصوص كما هي، من الإنجيل ومن القرآن، ويترك للقارئ أن يزن الأمر بنفسه.
١. النصوص الإنجيلية: يسوع يتحدث عن موته صراحة
الأناجيل الأربعة تسجل عدة مناسبات يتحدث فيها يسوع عن موته القادم بتفاصيل محددة، وليس بعبارات عامة أو غامضة فقط. أبرزها ثلاثة إنذارات متتالية في إنجيل مرقس، يكررها متى ولوقا بصيغ متقاربة.
الإنذار الأول: بعد اعتراف بطرس
بعد أن أعلن بطرس أن يسوع هو المسيح، ينتقل النص مباشرة إلى حديث يسوع عن الآلام القادمة:
| «وابتدأ يعلّمهم أنّ ابن الإنسان ينبغي أن يتألّم كثيراً، ويُرفَض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويُقتَل، وبعد ثلاثة أيام يقوم». إنجيل مرقس ٨: ٣١ |
لم يكن هذا حديثاً عابراً يقوله يسوع بشكل غامض أو رمزي فحسب، بل جاء صريحاً بحيث اعترض عليه بطرس نفسه ومحاول ثنيه عنه، فواجهه يسوع بحزم.
الإنذار الثاني والثالث
يكرر النص المشهد بعد ذلك مرتين أخريين خلال الرحلة الأخيرة إلى أورشليم، بتفاصيل متزايدة الدقة تصل إلى تحديد الجهة المنفذة للحكم:
| «ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وابن الإنسان يُسلَّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت، ويسلمونه إلى الأمم، فيهزأون به ويجلدونه ويصلبونه، وفي اليوم الثالث يقوم». إنجيل متى ٢٠: ١٨–١٩ |
التفصيل هنا لافت: ليس فقط أنه سيُقتَل، بل يُحدَّد أن الحكم سيصدر عن السلطة اليهودية ثم يُنفَّذ على يد الرومان («الأمم») بالجلد والصلب تحديداً — وهي طريقة الإعدام الرومانية لا اليهودية.
٢. لحظة جثسيماني: العلم لا يلغي الألم
إذا كان يسوع يعلم بموته مسبقاً، فإن ليلة القبض عليه في بستان جثسيماني تكشف أن هذا العلم لم يكن يعني غياب الصراع النفسي. النص يصف اضطراباً حقيقياً:
| «ثم تقدّم قليلاً وخرّ على وجهه، وكان يصلي قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت». إنجيل متى ٢٦: ٣٩ |
هذا النص من أكثر النصوص التي يتوقف عندها القراء، لأنه يجمع بين أمرين يبدوان متناقضين للوهلة الأولى: طلب صريح بأن «تعبر» عنه الكأس (أي أن يُصرَف عنه الموت إن أمكن)، وفي الوقت نفسه تسليم كامل لإرادة الآب. المسيحية لا تقرأ هذا على أنه شك في المصير أو محاولة للتهرب منه، بل تعبير عن طبيعة يسوع الإنسانية الكاملة التي تخشى الألم بشكل طبيعي، إلى جانب طبيعته التي تختار الطاعة رغم ذلك.
مشهد مشابه يظهر قبل ذلك في إنجيل يوحنا، حين يتحدث يسوع عن اقتراب «الساعة» بلغة صريحة:
| «الآن نفسي قد اضطربت. وماذا أقول؟ أيها الآب، نجّني من هذه الساعة! ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة». إنجيل يوحنا ١٢: ٢٧ |
العبارة الأخيرة هي المفتاح: «لأجل هذا أتيت». فالنص لا يعرض الموت وكأنه حادثة طارئة اعترضت مسار يسوع، بل يقدّمه على أنه جزء من الغاية التي جاء من أجلها أصلاً.
٣. لماذا لم يفهم التلاميذ؟
من اللافت أن الأناجيل نفسها تسجل أن التلاميذ، رغم سماعهم هذه التصريحات مباشرة وأكثر من مرة، لم يفهموا المقصود منها ولم يستوعبوها إلا بعد القيامة:
| «وأما هم فلم يفهموا هذا القول، وكان مخفياً عنهم حتى لم يفهموه، وخافوا أن يسألوه عن هذا القول». إنجيل لوقا ٩: ٤٥ |
هذا التفصيل يهم القارئ الباحث عن الدقة التاريخية، لأنه يفسر جزئياً سبب اضطراب التلاميذ وهروبهم وقت القبض على يسوع، رغم أنهم سمعوا منه هذه الإنذارات مسبقاً. فالعلم المسبق بالحدث لم يكن كافياً وحده لتهيئتهم نفسياً لوقوعه، وهو ملمح إنساني يضيف مصداقية للرواية من زاوية أدبية وتاريخية، إذ لا يبدو النص وكأنه صيغ لاحقاً ليخدم غاية دعائية سهلة الاستيعاب.
٤. المنظور الإسلامي: عيسى ونهايته في القرآن
القرآن الكريم لا يتحدث عن موت عيسى عليه السلام على الصليب، بل ينفي هذا الحدث بشكل صريح في سياق الرد على ادعاء اليهود بأنهم قتلوه:
| ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ سورة النساء: ١٥٧ |
أما عن مصيره النهائي، فالقرآن يستخدم عبارة تحتمل أكثر من قراءة عند المفسرين:
| ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ سورة آل عمران: ٥٥ |
كلمة «متوفيك» هي مربط النقاش بين المفسرين المسلمين أنفسهم. فبعضهم، مثل ابن جرير الطبري وطائفة من السلف، فسّرها بمعنى «القبض» أو الرفع إلى السماء حياً دون موت جسدي، استناداً إلى أن الترتيب اللفظي في الآية (متوفيك ثم رافعك) لا يلزم منه ترتيب زمني، فيكون المعنى: «رافعك ثم متوفيك» بعد نزوله في آخر الزمان. وفريق آخر من المفسرين، منهم من نقل عنه ابن كثير، ذهب إلى أن «التوفي» هنا بمعنى النوم المؤقت أو الوفاة الحقيقية القصيرة قبل الرفع. الجامع بين هذه القراءات المختلفة هو نفي حدوث الصلب والقتل بالتحديد الذي وصفته الأناجيل، سواء بمعنى الرفع الكامل بلا موت، أو بوفاة لا علاقة لها بالصليب.
ومن النصوص التي يوردها بعض المفسرين في هذا السياق آية سورة مريم، التي تصف عيسى نفسه وهو طفل يتحدث عن مراحل حياته الثلاث:
| ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ سورة مريم: ٣٣ |
بعض المفسرين يرون في هذه الآية إشارة إلى موت مستقبلي طبيعي لعيسى بعد نزوله، منسجماً مع الأحاديث النبوية التي تتحدث عن نزوله آخر الزمان ثم وفاته ودفنه، بينما يرى آخرون أن العبارة عامة تصف مراحل كل نبي دون أن تحدد توقيت الموت أو طبيعته.
٥. أين تلتقي الروايتان وأين تفترقان؟
المقارنة بين النصين تكشف أن الخلاف الجوهري ليس في «هل كان عيسى يعلم بمصيره» — فكلا التقليدين يصفانه عليه السلام بمعرفة عميقة بأمر الله وقدره — بل في طبيعة هذا المصير نفسه: هل انتهى بالصلب والموت كما تصفه الأناجيل بتفصيل يتكرر أربع مرات مستقلة، أم رُفِع قبل أن يصله أذى يذكر كما يصفه القرآن؟
| المحور | الرواية الإنجيلية | القراءة الإسلامية الغالبة |
| هل تنبأ عيسى بمصيره؟ | نعم، بتصريحات متكررة ومحددة | نعم، بعلمه أنه رسول محفوظ بأمر الله |
| طبيعة النهاية | الصلب والموت ثم القيامة في اليوم الثالث | الرفع إلى السماء دون قتل ولا صلب |
| موقفه النفسي المروي | اضطراب إنساني مع تسليم لإرادة الآب | لم يرد نص قرآني يصف اضطراباً في لحظة الرفع |
| المصير النهائي | صعد بعد القيامة الجسدية من الموت | رُفع حياً، وسينزل ويموت لاحقاً بحسب أغلب الأحاديث |
٦. سؤال يستحق التأمل
من الناحية التاريخية، يتفق الباحثون — مسلمين ومسيحيين ومحايدين على حد سواء — على أن يسوع من الناصرة صُلِب فعلاً في عهد بيلاطس البنطي، وهذه نقطة توثقها مصادر خارج الكتاب المقدس مثل تاكيتوس وجوزيفوس، وقد تناولناها بتفصيل أوسع في مقال سابق. النقطة الخلافية بين الإنجيل والقرآن هي هوية من مات على الصليب فعلياً، لا وقوع حادثة الصلب نفسها كواقعة تاريخية شهدها الناس في أورشليم.
لكن السؤال الذي يطرحه هذا المقال أعمق من ذلك: إن كان يسوع، بحسب الرواية الإنجيلية، يعلم مسبقاً بما ينتظره من ألم وموت، ومع ذلك سار نحوه بإرادته ولم يهرب منه رغم أن النص يصفه بأنه كان قادراً على الهرب — فماذا يعني ذلك عن طبيعة هذا المصير؟ وهل يليق بنبي أن يُختار له مصير كهذا، أم أن العلم المسبق نفسه هو ما يكشف أن الأمر لم يكن مأساة عارضة بل جزءاً من خطة أعمق، كما يفهمها المسيحيون؟
هذه الأسئلة لا تملك إجابة واحدة يفرضها هذا المقال على القارئ. الدعوة هنا هي أن يعود القارئ إلى النصوص نفسها — الإنجيل والقرآن معاً — ويسأل نفسه: أي الروايتين تنسجم أكثر مع صورة نبي يواجه قدره بثبات، ومع رحمة إله يريد الخلاص لا مجرد النجاة؟
للقراءة المباشرة
- إنجيل مرقس ٨: ٣١–٣٣ و ٩: ٣٠–٣٢ و ١٠: ٣٢–٣٤ — الإنذارات الثلاثة بالآلام
- إنجيل متى ٢٦: ٣٦–٤٦ — صلاة جثسيماني
- إنجيل يوحنا ١٢: ٢٣–٣٣ — «لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة»
- سورة النساء: ١٥٧ — نفي الصلب والقتل
- سورة آل عمران: ٥٥ — «إني متوفيك ورافعك إليّ»
- سورة مريم: ٣٣ — «يوم أموت»
- تفسير الطبري وابن كثير لآية آل عمران ٥٥ — لعرض اختلاف المفسرين المسلمين أنفسهم
✦ ✦ ✦
فهل كان الصمود أمام مصير معروف سلفاً علامة ضعف، أم أعمق صور القوة التي يمكن أن يظهرها إنسان أمام إلهه؟
