في كل تراث ديني تقريبًا، يبدو التسامح فضيلة يتفق عليها الجميع من حيث المبدأ. لكن السؤال الحقيقي لا يكمن في المبدأ، بل في الحدود: هل للتسامح سقف؟ هل يُغفر لكل مسيء مهما تكرر إساءته؟ وهل العفو ضعف أم قوة؟
هذه أسئلة طرحها تلاميذ يسوع أنفسهم، وطرحها القرآن الكريم في سياقات مختلفة. في هذا المقال، نتتبع ما قاله يسوع عن التسامح في الإنجيل، ونضعه في حوار صادق مع النصوص القرآنية التي تتقاطع معه أو تختلف عنه، تاركين للقارئ أن يزن الأمر بنفسه.
سبعين مرة سبع مرات: هل للغفران حدّ؟
يروي إنجيل متى أن بطرس، أحد أقرب تلاميذ يسوع، جاءه بسؤال يشغل كل إنسان واجه إساءة متكررة من أخيه أو صديقه:
| «يا رب، كم مرة يخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرات؟» — إنجيل متى ١٨: ٢١ |
لم يكن سؤال بطرس تافهًا؛ فالتقليد الديني اليهودي في ذلك العصر كان يحدد الغفران بثلاث مرات، وبطرس ظنّ أنه يتجاوز الكرم المتوقع منه حين اقترح رقم سبعة، وهو عند اليهود رمز الكمال. لكن جواب يسوع جاء مفاجئًا:
| «لا أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبعين مرة سبع مرات» — إنجيل متى ١٨: ٢٢ |
لم يقصد يسوع بهذا الرقم – سواء تُرجم إلى أربعمئة وتسعين أو إلى سبعة وسبعين – عددًا حسابيًا يُحصى ثم يتوقف عنده الغفران. المقصود هو نفي فكرة العدّ ذاتها: أن يتوقف الإنسان عن إحصاء إساءات من حوله إليه، ويجعل الغفران عادة قلب لا معاملة محسوبة.
مَثَل العبد الذي لم يرحم
لم يكتفِ يسوع بالجواب المجرد، بل أردفه بمَثَل يوضح المنطق الكامن وراء هذا الغفران غير المحدود. حكى عن ملك أراد أن يحاسب عبيده، فوجد عبدًا مدينًا له بمبلغ ضخم لا يقدر على سداده أبدًا. ترجّاه العبد فأشفق عليه الملك وأعفاه من الدَّين كله.
لكن هذا العبد نفسه خرج فلقي زميلًا له مدينًا له بمبلغ زهيد، فأمسك بعنقه وطالبه بالسداد الفوري دون رحمة. حين علم الملك بذلك، غضب أشد الغضب، وقال له:
| «أما كان يجب عليك أن ترحم صاحبك مثلما رحمتك؟» — إنجيل متى ١٨: ٣٣ |
المَثَل هنا يضع منطقًا لاهوتيًا واضحًا: الغفران بين البشر ليس تفضّلًا زائدًا، بل هو الصدى الطبيعي لغفران أعظم تلقّاه كل إنسان من الله. من يرفض أن يمدّ هذا الغفران لغيره، يُظهر أنه لم يفهم بعد حجم ما غُفر له هو.
أحبوا أعداءكم: التسامح كموقف لا كردّ فعل
في العظة الشهيرة على الجبل، لم يكتفِ يسوع بالحديث عن غفران الإساءات العابرة، بل مضى إلى ما هو أبعد: موقف القلب تجاه من يُعادينا فعلًا.
| «سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم» — إنجيل متى ٥: ٤٣-٤٤ |
هذا النص يحول التسامح من ردّ فعل سلبي (عدم الانتقام) إلى موقف إيجابي فاعل: الصلاة من أجل الخصم، وطلب الخير له. ويُتبع يسوع ذلك بتبرير لاهوتي: أن محبة من يحبك ليست فضيلة مميزة، لأن الجميع يفعلون ذلك، أما محبة العدو فهي علامة البنوّة لله الذي
«يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين» (متى ٥: ٤٥)، أي أن رحمته لا تُميّز بين مستحق وغير مستحق.
اغفر لهم: التسامح في أحلك لحظة
يذكر إنجيل لوقا أن يسوع، وهو معلَّق على الصليب في أوج الألم الجسدي والإهانة، لم يطلب لنفسه انتقامًا من الذين صلبوه، بل صلّى من أجلهم:
| «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» — إنجيل لوقا ٢٣: ٣٤ |
للأمانة العلمية، تجدر الإشارة إلى أن بعض المخطوطات القديمة للعهد الجديد تخلو من هذه الجملة تحديدًا، وهو ما ناقشه نقّاد النص من الباحثين المسلمين والمسيحيين على حد سواء. لكن جمهور المخطوطات والترجمات التاريخية يتضمنها، وهي متسقة تمامًا مع تعليم يسوع في مواضع أخرى عن محبة الأعداء والصلاة لأجل المسيئين.
ما يلفت في هذا النص هو الشرط الذي يذكره يسوع: «لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون». فالغفران هنا لا يتجاهل حقيقة الفعل الخاطئ، بل يفسح مجالًا لجهل الفاعل بعمق ما يفعله، وهو منطق يتردد صداه في مواضع أخرى من الكتاب المقدس حين يُطلب الرحمة لمن أخطأ عن جهل لا عن عناد.
العفو في القرآن: خذ العفو وأمر بالعرف
يحمل القرآن الكريم تعليمًا غنيًا عن العفو والصفح، يلتقي في مواضع كثيرة مع روح تعليم يسوع، وإن اختلف في بعض التفاصيل والسياق. من أبرز هذه النصوص قوله تعالى:
| ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ — سورة الأعراف: ١٩٩ |
فسّر المفسرون هذه الآية بأنها دعوة إلى قبول ما تيسّر من أخلاق الناس دون تكليفهم فوق طاقتهم، والإعراض عن مجادلة السفهاء وعدم مقابلتهم بالمثل. وهناك آية أخرى أكثر تفصيلًا في الحديث عن ميزان العدل والفضل:
| ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ — سورة الشورى: ٤٠ |
هنا يرسم القرآن مسارين مشروعين: القصاص العادل (رد الإساءة بمثلها دون زيادة)، والعفو الذي يُعدّ درجة أعلى وأجره على الله. هذا التمييز بين العدل الجائز والعفو المندوب يختلف قليلًا عن منطق يسوع، الذي يدعو إلى العفو غير المحدود كقاعدة لا كخيار أفضل بين خيارين مشروعين. ومع ذلك، فإن كثيرًا من المفسرين، كما نقل الطبري وابن كثير، يعتبرون العفو هو الأفضل والأكمل في أغلب الأحوال، وإن ظل القصاص مشروعًا في حالات معينة.
مثال تاريخي: أبو بكر ومسطح
من أبرز الأمثلة التطبيقية للعفو في السيرة الإسلامية، ما ورد في سورة النور بعد حادثة الإفك التي اتُّهمت فيها عائشة رضي الله عنها. كان أبو بكر الصديق ينفق على قريبه مسطح بن أثاثة، وهو من فقراء المهاجرين، لكن مسطحًا شارك في الخوض بحديث الإفك ضد ابنته، فأقسم أبو بكر ألا ينفق عليه بعد ذلك أبدًا.
فنزلت آية تخاطبه مباشرة:
| ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — سورة النور: ٢٢ |
استجاب أبو بكر فورًا، وقال: «بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي»، وأعاد النفقة إلى مسطح، بل زادها في بعض الروايات. هذا المشهد يشبه من بعيد منطق مَثَل يسوع عن العبد الذي لم يرحم: ربط الغفران الأفقي (بين الناس) بالغفران العمودي (من الله)، وجعل الأول شرطًا أو ثمرة للثاني.
جدول مقارنة: التسامح في التعليمين
| المحور | تعليم يسوع | التعليم القرآني |
| حدّ الغفران | غير محدود («سبعين مرة سبع مرات») | العدل مشروع، والعفو درجة أعلى وأفضل |
| أساس الغفران | الغفران الذي تلقّاه الإنسان من الله (مَثَل العبد) | رجاء أن يغفر الله لمن يعفو (آية أبي بكر) |
| موقف من العدو | محبة فعّالة وصلاة من أجله | الصفح والإعراض عن الجاهل، دون إلزام بالمحبة |
| أعلى نموذج | صلاة يسوع على الصليب لأجل صالبيه | عفو أبي بكر عمن أساء إلى ابنته |
نقطة التقاء ونقطة تأمل
يلتقي التعليمان في جوهر أساسي: أن العفو ليس ضعفًا بل قوة، وأنه مرتبط بعلاقة الإنسان بربه أكثر من ارتباطه بمن أساء إليه. من يعفو في الإسلام يرجو أن يغفر الله له؛ ومن يغفر في تعليم يسوع إنما يعكس غفرانًا أعظم تلقّاه هو نفسه.
لكن الفارق الدقيق يبقى قائمًا: هل الغفران قاعدة مطلقة بلا استثناء، كما في تعليم يسوع؟ أم هو الخيار الأفضل ضمن مساحة مشروعة للقصاص، كما يوازن القرآن بين الآيتين؟ وهل يمكن لإنسان، مهما بلغ إيمانه، أن يصلي فعلًا من أجل من يؤذيه في لحظة الألم ذاتها؟
للقراءة المباشرة
- إنجيل متى ١٨: ٢١-٣٥ (مَثَل العبد الذي لم يرحم)
- إنجيل متى ٥: ٤٣-٤٨ (محبة الأعداء)
- إنجيل لوقا ٢٣: ٣٤ (صلاة يسوع على الصليب)
- سورة الأعراف: ١٩٩
- سورة الشورى: ٤٠
- سورة النور: ٢٢ وسبب نزولها في قصة الإفك
إن كان الغفران في الحالتين مرتبطًا بغفران أعظم تلقّاه الإنسان من خالقه، فأيّ الصورتين تجد قلبك أقرب إلى احتمالها: عفو له سقف يحفظ ميزان العدل، أم غفران بلا حدّ يشبه شمسًا تُشرق على الجميع؟
