من يتأمل حياة يسوع في الأناجيل، تلفت نظره ظاهرة متكررة: يسوع لا يكتفي بالإحسان إلى الفقراء بوصفه واجباً دينياً بين واجبات أخرى، بل يبدو أن اختياره لمن يقترب منهم، ومن يشفيهم، ومن يبارك، ينحاز بوضوح إلى الفقراء والضعفاء والمهمَّشين. وُلد في مذود لأن البيت لم يتسع له، وعاش حياة تنقّل بلا مسكن ثابت، وأمضى وقته الأطول مع الصيادين والمرضى والأرامل والأطفال أكثر مما أمضاه مع الوجهاء. وهذا سؤال مشروع يستحق النظر: هل هذا الانحياز صفة عرَضية في سيرته، أم أنه جزء من رسالته ذاتها؟ ولماذا يهتم القرآن أيضاً، في آيات متكررة، بحق اليتيم والمسكين وابن السبيل؟ هذا المقال يحاول أن يقرأ هذه الظاهرة من الكتابين معاً، دون أن يفرض استنتاجاً على القارئ.
١. الإعلان الافتتاحي: «مسحني لأبشّر المساكين»
أول خطبة علنية يسجّلها إنجيل لوقا ليسوع، في مجمع الناصرة، لم تكن عن التوحيد أو الشريعة، بل كانت إعلاناً عن مهمّته. فتح سفر إشعياء وقرأ:
| «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لِأَنَّهُ مَسَحَنِي لِأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لِأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لِأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالْإِطْلَاقِ وَلِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ.» إنجيل لوقا ٤: ١٨ |
ثم أغلق السفر وقال لمن في المجمع: «إنه اليوم قد تمّ هذا المكتوب في مسامعكم» (لوقا ٤: ٢١). أي أن يسوع لم يقرأ النص كوصف مستقبلي، بل قدّم نفسه فوراً بوصفه تحقيقه. هذا يعني أن الاهتمام بالفقراء والمنكسرين لم يكن سلوكاً جانبياً طرأ على رسالته، بل كان في صميم تعريفه لذاته منذ اللحظة الأولى لظهوره العلني.
٢. من هو «المسكين» في تعليم يسوع؟
في العظة على الجبل بحسب رواية لوقا، لا يقول يسوع كلاماً عاماً عن الفضيلة، بل يخاطب الفقراء أنفسهم مباشرة:
| «طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ، لِأَنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ. طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْجِيَاعُ الْآنَ، لِأَنَّكُمْ تُشْبَعُونَ… وَلٰكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْأَغْنِيَاءُ، لِأَنَّكُمْ قَدْ نِلْتُمْ عَزَاءَكُمْ.» إنجيل لوقا ٦: ٢٠-٢٤ |
هذا النص، بصيغته المباشرة («طوباكم أنتم»، لا «طوبى للمساكين» بصيغة الغائب)، يكشف أن يسوع كان يتحدث فعلاً إلى جمهور من الفقراء والمهمَّشين الذين التفّوا حوله. ولافت أن الإنذار موجَّه للأغنياء لا لكونهم أشراراً بالضرورة، بل لأن الغنى قد يصير عزاءً بديلاً يُغني الإنسان — في وهمه — عن الحاجة إلى الله.
٣. مثل الأرملة وفلسَيها: القيمة لا تُقاس بالكمّ
من أكثر المشاهد دلالة على معايير يسوع، مشهد جلوسه أمام خزانة الهيكل يراقب الناس وهم يضعون عطاياهم:
| «وَكَانَ أَغْنِيَاءُ كَثِيرُونَ يُلْقُونَ كَثِيرًا. فَجَاءَتْ أَرْمَلَةٌ فَقِيرَةٌ وَأَلْقَتْ فَلْسَيْنِ قِيمَتُهُمَا رُبْعٌ… إِنَّ هٰذِهِ الْأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا، وَأَمَّا هٰذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا.» إنجيل مرقس ١٢: ٤١-٤٤ |
لم يمدح يسوع الأرملة لأنها أعطت مبلغاً كبيراً — فلساها كانا أصغر عملة متداولة في فلسطين حينها — بل لأن يسوع، كما يُفهم من المشهد، كان ينظر إلى ما وراء المظهر: إلى القلب الذي أعطى من عوزه لا من فضلته. هذا يتكرر في نظرة يسوع للناس عموماً: لا يقيس الإنسان بموقعه الاجتماعي، بل بما في داخله.
٤. «كل ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم»
في مثل الدينونة الأخيرة، يذهب يسوع أبعد من مجرد الدعوة إلى الإحسان، فيقول إنه يتماهى شخصياً مع كل محتاج:
| «لِأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي، عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي، مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي، مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ… بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هٰؤُلَاءِ الْأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ.» إنجيل متى ٢٥: ٣٥-٤٠ |
هذا النص يمنح معاملة الفقير والغريب والمريض والمسجون بُعداً لاهوتياً مباشراً: خدمة المحتاج ليست عملاً خيرياً منفصلاً عن العلاقة بالله، بل هي — في تصوّر يسوع — لقاء به هو نفسه، متخفّياً في وجه المحتاج.
٥. اليتيم والمسكين في القرآن: حساسية موازية
القارئ المسلم يجد في هذا الاهتمام صدى مألوفاً وقريباً. فالقرآن يربط، في أكثر من موضع، بين صدق الإيمان وبين الرعاية الفعلية لليتيم والمسكين. من أوضح الأمثلة سورة الماعون:
| ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ سورة الماعون: ١-٣ |
المفسّرون يلاحظون أن السورة، حين وصفت من «يكذّب بالدين»، لم تذكر ترك الصلاة أو الصيام، بل ذكرت أولاً دفع اليتيم وعدم الاهتمام بإطعام المسكين — وكأن الإهمال العملي لحقّ الضعيف علامة على خلل في جوهر الإيمان نفسه، لا مجرد تقصير أخلاقي هامشي. وتتكرر هذه الحساسية في آيات أخرى تجعل الإحسان إلى اليتيم والمسكين وابن السبيل من صفات «البِرّ» الحقيقي، لا من ملحقاته.
٦. جدول مقارنة: لماذا الاهتمام بالضعيف؟
على الرغم من هذا التقارب الظاهر في الاهتمام بالفقير، يختلف الدينان في الأساس اللاهوتي الذي يُبنى عليه هذا الاهتمام، وفي الصورة التي يتّخذها:
| المحور | المنظور الإنجيلي | المنظور الإسلامي |
| الأساس اللاهوتي | يسوع يتماهى شخصياً مع المحتاج («فبي فعلتم») — خدمة الفقير لقاء مباشر بالله المتجسّد | الإحسان إلى الضعيف امتثال لأمر الله وحقّ فرضه الله في المال (الزكاة)، لا تماهٍ إلهي مع الفقير |
| موقع يسوع/النبي نفسه | وُلد في مذود، عاش بلا بيت ثابت («ليس لابن الإنسان أين يسند رأسه»)، اختار الفقر عملياً | النبي محمد ﷺ عاش حياة تقشّف رغم قيادته للأمة، وحضّ على مواساة الفقراء ومشاركتهم |
| الوعد الأخروي للفقير | «طوباكم أيها المساكين لأن لكم ملكوت الله» — وعد بالبركة والانقلاب الأخروي | الفقر ليس فضيلة بذاته، لكن الصبر عليه وأداء حقّ الفقير مما يُثاب عليه صاحبه |
| الآلية العملية | لا نظام مالي مُلزم موحّد؛ العطاء طوعي نابع من المحبة (كما في مثل الأرملة) | الزكاة فريضة محددة النسب (٢٫٥٪ في أغلب الأموال) تجعل حق الفقير مؤسسياً ومنظّماً |
| معيار القيمة | القلب لا الكمّ: فلسا الأرملة أعظم من عطايا الأغنياء الكثيرة | النية والإخلاص شرط قبول الصدقة، مع تقدير كمّي واضح لمقاديرها الشرعية |
٧. هل هذا الانحياز يعني احتقار الغني؟
من المهم التوضيح، إنصافاً للنص، أن يسوع لم يكن يحتقر الغني بوصفه إنساناً، ولم يُخرج الأغنياء من دائرة محبته — فمن بين أتباعه من كان غنياً، مثل يوسف الرامي ونيقوديموس. لكنه كان يحذّر بإلحاح من خطر أن يصير المال إلهاً بديلاً يستعبد صاحبه («لا تقدرون أن تخدموا الله والمال» — متى ٦: ٢٤)، وأن يُغلق الغنى قلب صاحبه عن رؤية المحتاج بجانبه. وهذا تحذير أخلاقي عام لا حكم قدَحي على فئة اجتماعية بعينها.
٨. سؤال مشروع: ماذا يكشف هذا عن صورة الله؟
السؤال الذي يطرحه هذا الملف على القارئ المتأمل، من أي خلفية جاء، هو: ماذا يعني أن يكون الإله نفسه — في الفهم المسيحي — هو من يبكي مع الحزانى، ويأكل مع الخطاة، ويبارك الفقراء أولاً، ويتماهى مع الجائع والغريب والمسجون؟ وفي المقابل، ماذا يعني أن يُشرّع الله حقاً واضحاً ومحدداً لليتيم والمسكين في كتابه، ويجعل إهماله علامة على تكذيب الدين ذاته؟ في الحالتين، الرسالة واحدة في جوهرها: أن الموقف من الضعيف ليس شأناً ثانوياً في العلاقة بالله، بل هو من صميمها.
للقراءة المباشرة
- إنجيل لوقا ٤: ١٦-٢١ (الخطبة الافتتاحية في الناصرة)
- إنجيل لوقا ٦: ٢٠-٢٦ (التطويبات والويلات)
- إنجيل مرقس ١٢: ٣٨-٤٤ (فلسا الأرملة)
- إنجيل متى ٢٥: ٣١-٤٦ (مثل الدينونة الأخيرة)
- إنجيل متى ٦: ١٩-٢٤ (الكنز في السماء، لا يمكن خدمة إلهين)
- سورة الماعون كاملة
- سورة الضحى: ٦-١١ (وأما اليتيم فلا تقهر… وأما السائل فلا تنهر)
- سورة البلد: ١١-١٦ (فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة)
إذا كان الموقف من الفقير والضعيف — في كلا التصوّرين — امتحاناً حقيقياً لصدق الإيمان لا مجرد فرع من فروعه، فما الذي يمنع كل واحد منّا، مهما كان دينه، من أن يجعل هذا الامتحان معياراً عملياً في حياته اليومية؟
