سؤال عميق ومهم. نقرأ في الإنجيل أن يسوع كان يصلي كثيراً. أحياناً يقضي الليل كله في الصلاة (لوقا 6: 12). ويعلّم تلاميذه كيف يصلون (متى 6: 9-13). فإذا كان المسيحيون يؤمنون أن يسوع هو الله، فلمن كان يصلي؟ أكان يصلي لنفسه؟
أولاً: سر التجسد
لنفهم صلاة المسيح، يجب أن نفهم أولاً معنى “التجسد”. يؤمن المسيحيون أن المسيح هو الله الظاهر في الجسد (تيموثاوس الأولى 3: 16). بمعنى آخر، هو إله كامل وإنسان كامل في نفس الوقت.
كما شرحنا في الحلقة السابقة عن الثالوث، الابن الأزلي (الكلمة) “صار جسداً وحل بيننا” (يوحنا 1: 14). هذا يعني أنه:
- من جهة لاهوته: هو الله غير المخلوق، الأزلي، القادر على كل شيء.
- من جهة ناسوته: هو إنسان حقيقي، له جسد وعواطف، يأكل وينام ويتعب ويبكي ويصلي.
ثانياً: الصلاة كتعبير عن إنسانيته الكاملة
عندما كان المسيح يصلي، كان ذلك تعبيراً عن طبيعته البشرية. هو، كإنسان، كان يحتاج إلى الشركة مع الآب. كان يقدم نموذجاً لنا في الاتكال على الله والطاعة له.
تأمل معي هذه الآية الجميلة: “وَإِذْ كَانَ فِي الْجِهَادِ، كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ” (لوقا 22: 44).
هذا ليس إلهاً بعيداً عنا، بل إله اقترب منا وتذوق آلامنا وضعفاتنا. هو يعرف معنى الخوف والحزن والاحتياج، لأنه عاشها كإنسان حقيقي.
ثالثاً: الصلاة كعلاقة بين الآب والابن
في سر الثالوث، هناك علاقة أبدية من المحبة بين الآب والابن. عندما كان المسيح على الأرض، كانت هذه العلاقة تظهر في شكل صلاة وحوار.
قبل صلبه، صلى يسوع صلاته الشهيرة: “يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ! وَلَكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي، بَلْ إِرَادَتُكَ” (لوقا 22: 42).
هنا نرى:
- محبة: ينادي “يا أبتاه”، تعبيراً عن العلاقة الحميمة.
- طاعة: “لتكن إرادتك”، رغم صعوبة ما ينتظره.
- تواضع: الابن يحترم الآب، مع أنهما واحد في الجوهر.
رابعاً: ماذا عن الصلوات التي رفعت للمسيح؟
هذا جانب آخر مهم. في الإنجيل، نرى أناساً يصلون للمسيح أو يسجدون له، وكان يقبل ذلك. مثلاً:
رجل البرص جاء إليه وقال: “يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي” (متى 8: 2). وكان هذا اعترافاً منه بقدرته الإلهية.
أيضاً، عندما مشى على الماء ورآه تلاميذه، “جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!»” (متى 14: 33). ولم يمنعهم.
وكذلك توما بعد القيامة صرخ: “رَبِّي وَإِلَهِي!” (يوحنا 20: 28)، فقبل المسيح هذا الاعتراف وباركه.
خامساً: إذاً، هل يصلي المسيح الآن؟
سؤال جميل! بعد قيامته وصعوده إلى السماء، نحن نؤمن أن المسيح الآن جالس عن يمين الآب. ولكنه لا يزال يمارس دوراً شفيعاً للمؤمنين. يكتب الرسول بولس: “الْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ، بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضاً، الَّذِي هُوَ أَيْضاً عَنْ يَمِينِ اللهِ، الَّذِي أَيْضاً يَشْفَعُ فِينَا” (رومية 8: 34).
إذاً، هو ليس بحاجة للصلاة كإنسان الآن، لكنه يشفع فينا ككاهن عظيم.
خاتمة للتفكير
صلاة المسيح على الأرض تعلّمنا شيئاً جميلاً: الله ليس بعيداً عنا. في المسيح، نرى إلهاً يقترب منا، يعيش مثلنا، ويتألم مثلنا، ويصلي مثلنا. ولكنه في نفس الوقت، هو الإله القادر أن يخلصنا ويستجيب صلواتنا.
