هذا السؤال من أكثر الأسئلة التي ترد على أذهان الباحثين عن الحق. كيف يمكن لمن يُقال إنه الله أن يضعف ويتألم ويموت؟ أليس الله قادراً؟ ومن كان يدير الكون في تلك الساعات العصيبة؟
أولاً: فهم عمق “التجسد” مرة أخرى
لنعد إلى سر التجسد الذي تحدثنا عنه في الحلقة السابقة. عندما نقول إن المسيح “إله كامل وإنسان كامل”، فهذا يعني أن طبيعته الإلهية لم تتبدل أو تتحول إلى بشرية، بل اتحدت بالطبيعة البشرية دون اختلاط أو انفصال.
لنأخذ مثالاً بسيطاً: لو ارتدى ملك ثياباً رثة وجلس بين الفقراء، هل يتوقف عن كونه ملكاً؟ لو تألم وجاع معهم، هل تسقط عنه صفات الملك؟ بالطبع لا. هو ملك طوال الوقت، لكنه اختار أن يشاركهم آلامهم.
ثانياً: ماذا حدث على الصليب بالضبط؟
المسيحيون لا يعتقدون أن “الله” مات بمعنى أنه توقف عن الوجود أو أن الثالوث انهار. بل نؤمن أن:
- الإنسان يسوع مات: جسده الحقيقي مات ودُفن. روحه انفصلت عن جسده وصعدت إلى الآب. قال يسوع قبل موته: «يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي» (لوقا 23: 46).
- اللاهوت لم يمت: الطبيعة الإلهية لا تموت. هي أزلية أبدية. لكن الله الابن (الأقنوم الثاني) اختبر الموت بطبيعته البشرية التي اتخذها. هذا ما نسميه “اتحاد الأقنوم” – أي أن شخص الابن هو الذي تألم ومات بحسب ناسوته، وليس بحسب لاهوته.
ثالثاً: من كان يحكم العالم؟
الآب والروح القدس لم يموتا. الثالوث مستمر في عمله. كما أن الابن نفسه، بحسب لاهوته، كان مستمراً في حفظ الكون وإدارته.
يقول الرسول بولس عن المسيح: “الَّذِي، وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ” (فيلبي 2: 6-7).
كلمة “أخلى نفسه” لا تعني أنه توقف عن كونه الله، بل يعني أنه وضع جانباً مجده الإلهي وحقوقه ليختبر آلام البشر.
رابعاً: لماذا كل هذا؟
السؤال الأهم: لماذا اختار الله هذا الطريق الصعب؟
الإنجيل يقدم إجابة واحدة: الحب. “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يوحنا 3: 16).
الموت هو نتيجة الخطية (رومية 6: 23). ولكي يحررنا الله من الموت، كان عليه أن يدخل إلى عالم الموت ويقهره من الداخل. كما قال أحد المسيحيين الأوائل: “الله صار إنساناً لكي يصير الإنسان إلهاً” (بمعنى: يشترك في الطبيعة الإلهية).
خامساً: ماذا حدث بعد الموت؟
هذا هو الجزء المفرح! نحن نؤمن أن المسيح لم يبقَ ميتاً. في اليوم الثالث قام من الأموات بقدرته الإلهية. قال عن نفسه: “لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً” (يوحنا 10: 18).
قيامته هي الدليل الأكبر على ألوهيته. هي إعلان النصر على الموت نفسه. هي البشارة السارة أن الموت ليس له الكلمة الأخيرة.
خاتمة للتفكير
تخيل معي ملكاً تنازل عن عرشه ليحرر شعبه من عبودية قاسية. دخل السجن مكانهم، تألم بدلهم، ثم هدم السجن من الداخل وخرج منتصراً. هذا ما يريد الإنجيل أن يقوله عن المسيح.
موته لم يكن هزيمة، بل كان أعظم انتصار في التاريخ. وكان العالم في تلك الساعات بين يدي الآب الذي لا ينام ولا يغفل، والروح القدس الذي يملأ الكون، والابن الذي بحسب لاهوته لا يزال يحمل كل شيء بكلمة قدرته (عبرانيين 1: 3).
