يقرأ المسلم في سورة آل عمران على لسان عيسى عليه السلام: «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ». وقد يتوقف عند لفظة واحدة: «أَخْلُقُ». أليس الخلق من صفات الله وحده؟ وإن كان عيسى «يخلق»، فما معنى ذلك؟
هذا سؤال مشروع، وقد سأله المفسّرون قبلنا. وسنسير معهم في هذه المقالة، ثم نسأل: ما الذي يضيفه الإنجيل إلى الصورة، وما الذي لا يقوله؟
١. النصّان القرآنيان
تَرِد المعجزة في موضعين من القرآن، بصياغتين مختلفتين قليلاً:
| «وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ» آل عمران: ٤٩ |
| «إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ … وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي …» المائدة: ١١٠ |
ثلاث ملاحظات تستحق الانتباه:
- في آل عمران يتكلم عيسى بضمير المتكلم («أنّي أخلق»)، وفي المائدة يخاطبه الله («وإذ تخلق»). أي أن الصيغتين تُسندان الفعل إلى عيسى، لكنهما تقيّدانه.
- كلمة «بإذن الله» تتكرر في آل عمران بعد الطير وبعد الإبراء والإحياء، وفي المائدة يتكرر «بإذني» أربع مرات — مرة بعد كل معجزة. القرآن لا يترك المعجزة بلا هذا القيد.
- المعجزة مرتّبة في ثلاث خطوات: يخلق — أي يصوّر، ثم ينفخ، ثم «فيكون طيراً». والفعلان الأولان مسندان إلى عيسى، أما الثالث فمقيّد بقوله «بإذن الله».
٢. ماذا تعني «أخلق» عند المفسّرين؟
تناول علماء التفسير هذا السؤال بوضوح. فالخلق في العربية له معنيان، كما يذكر ابن الجوزي في «زاد المسير»: الإيجاد من العدم، والتقدير والتصوير. وأصل الجذر في اللغة كما يقول ابن فارس في «مقاييس اللغة»: «تقدير الشيء»، ومنه «خلقتُ الأديم للسقاء» إذا قدّرتَه وقطعتَه على مقاس. وقد أورد الطبري وابن الجوزي وغيرهما بيت زهير:
| «وَلَأَنتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي» زهير بن أبي سلمى، في مدح هرم بن سنان |
أي أن «الخلق» هنا هو التقدير والتسوية، لا الإيجاد من العدم. وعلى هذا تفسّر آية «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (المؤمنون: ١٤): فقد نقل الطبري عن مجاهد: «يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين»، وقال القرطبي: «أحسن الخالقين: أتقن الصانعين».
وفي الآية نفسها يقدّم ابن كثير هذا الفهم: «تصوّره وتشكّله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك». وقد ذكر الطبرسي في «مجمع البيان» تفصيلاً لافتاً: أن تصوير الطين على هيئة الطير والنفخ فيه مما يدخل تحت مقدور العباد، أما «جعل الطين طيراً حتى يكون لحماً ودماً وخلق الحياة فيه فمما لا يقدر عليه غير الله»؛ ولذلك وُصلت عبارة «بإذن الله» بقوله «فيكون طيراً» دون ما قبله.
خلاصة الفهم التفسيري إذن: عيسى يصوّر ويشكّل وينفخ، والله وحده يمنح الحياة. وهذا يفسّر لماذا قدّم المفسّرون «بإذن الله» كقيد جوهري: فهو الذي يفصل بين ما يُنسب إلى الإنسان وما يُنسب إلى الله.
٣. سؤال الضمير: في ماذا ينفخ؟
من التفاصيل الدقيقة التي انتبه لها المفسّرون: أن القرآن قال في آل عمران «فَأَنفُخُ فِيهِ» (بضمير المذكّر)، وفي المائدة «فَتَنفُخُ فِيهَا» (بضمير المؤنّث). وقد سأل الطبري: «وكيف قيل: فأنفخ فيه، وقد قيل: أخلق لكم من الطين كهيئة الطير؟» وأجاب: «لأن معنى الكلام: فأنفخ في الطير». وأما الطبرسي فرأى أن الضمير المؤنث يعود إلى «الهيئة» المقدّرة.
وناقش ابن عاشور الأمر فرأى أن «الهيئة» معنى لا يُنفخ فيها ولا تكون طائراً، فالضمير عنده يرجع إلى المخلوق الذي يقتضيه فعل «أخلق». وهذا نقاش لغوي دقيق، لكنه يكشف شيئاً: أن المفسّرين تعاملوا مع الآية بعناية بالغة، وأن كل تفصيل فيها له وزنه.
وثمة قراءتان في الآيتين: «طَيْرًا» بالجمع، و«طَائِرًا» بالمفرد (قراءة نافع في الموضعين، وأبي جعفر). ورجّح الطبري «طيراً» لموافقتها خط المصحف.
٤. ما الذي يقوله الإنجيل؟ — وما الذي لا يقوله
هنا نصل إلى المفارقة التي ينبغي أن نعرضها بأمانة: هذه المعجزة بعينها — خلق طير من الطين — لا تَرِد في الأناجيل الأربعة القانونية. لا في متّى ولا مرقس ولا لوقا ولا يوحنا.
أين إذن نجد قصة العصافير؟ في نص منحول يُسمّى «إنجيل الطفولة» المنسوب إلى «توما الإسرائيلي» (ويجب تمييزه عن «إنجيل توما» الآخر الذي هو مجموعة أقوال). يروي هذا النص أن يسوع وهو ابن خمس سنوات كان يلعب عند مجرى ماء، فصنع من الطين اثني عشر عصفوراً، وكان ذلك يوم سبت. فأخبر أحد الحاضرين يوسف بأن الصبي «انتهك السبت»، فلما جاء يوسف وعاتبه، «لم يجاوبه يسوع بل نظر إلى العصافير وقال: انطلقي، طيري، وعيشي واذكريني»، فطارت وارتفعت في الهواء.
وهنا تتعارض الآراء العلمية حول التاريخ. فأكثر الباحثين يرون أن النص يعود إلى القرن الثاني الميلادي أو الثالث؛ لأن إيريناؤس (حوالي ١٨٠م) يشير إلى بعض ما فيه من قصص، وتحديداً حكاية الطفل والمعلّم وحرف الألف. وأما أقدم مخطوطاته الباقية فمتأخرة: أقدم شذرة برديّة من القرن الرابع أو الخامس، ومخطوطات سريانية ولاتينية من القرن الخامس أو السادس. والنص كما وصلنا مكتوب بلغات متعددة (يونانية وسريانية ولاتينية)، ولا يعرف الباحثون على وجه اليقين لغته الأصلية.
وقد عرضنا في مقال «الأناجيل المحذوفة» لماذا لم تدخل مثل هذه النصوص في قانون العهد الجديد. ويكفي هنا أن نلاحظ أن هذا النص يصوّر الطفل يسوع في مواضع أخرى بصورة لا تشبه ما في الأناجيل الأربعة؛ فهو يلعن أحياناً من يضايقه فيموت، وهذا مما جعل الكنيسة القديمة تعدّه غير موثوق.
٥. النصّ القرآني والنصّ المنحول: ما العلاقة؟
هذا سؤال يتناوله الباحثون، وينبغي أن نعرضه كما هو. فمن جهة، هناك تشابه واضح: طين، وهيئة طير، ونفخ، وحياة. وقد رأى بعض الباحثين الغربيين — ومنهم غابرييل سعيد رينولدز في تعليقه الأكاديمي على القرآن (٢٠١٨) — أن هذه المعجزة معروفة من «طفولة المخلّص» المنحول. ويرى رينولدز أن معناها في السياق المسيحي هو أن يخلق يسوع كائناً حياً كما خلق الله آدم (تكوين ٢: ٧).
ومن جهة أخرى، هناك فروق جوهرية بين النصّين:
- السياق: في المنحول لعبُ طفل في يوم السبت، وفي القرآن آيةٌ يأتي بها رسول بالغ «إلى بني إسرائيل» دليلاً على صدق رسالته.
- الفاعل: في المنحول يأمر يسوع العصافير بكلمته («انطلقي، طيري»)، وفي القرآن يتكرر القيد «بإذن الله» صراحةً.
- الهدف: المنحول يُبرز قدرة الطفل الإلهية، والقرآن يُبرز أن القدرة من الله وأن عيسى عبده ورسوله.
أما المسلمون فيرون أن القرآن وحي من الله، وأن ما تشابه مع نصوص سابقة إنما هو من باب تصحيحها وتنقيتها، وأن أصل الخبر حقٌّ عن معجزة وقعت فعلاً، ثم تسرّب إلى الروايات الشعبية مشوّهاً. أما بعض الباحثين فيرون أن الخبر انتقل شفهياً من المسيحية الشرقية. ولا يملك هذا المقال أن يحكم بين التفسيرين، وهو يعرضهما ليقرأ القارئ ويقارن بنفسه.
٦. الطين في الأناجيل: مشهد واحد يستحق التأمل
إن الأناجيل القانونية لا تذكر خلق الطير، لكنها تذكر مشهداً يظهر فيه الطين بوضوح، وهو شفاء المولود أعمى في إنجيل يوحنا:
| «قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. وَقَالَ لَهُ: اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ … فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا.» يوحنا ٩: ٦–٧ |
وفي ختام القصة يقول الأعمى الذي أُبصر لمن سألوه: «إنسان يقال له يسوع صنع طيناً وطلى عينيّ». والإنجيلي يلاحظ أن ذلك كان يوم سبت (يوحنا ٩: ١٤)، فاعترض بعض الفريسيين: «هذا الإنسان ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت»، وقال آخرون: «كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات؟».
وقد رأى بعض المفسّرين المسيحيين في هذا المشهد إشارة إلى الخلق الأول — فالإنسان الأول خُلق من تراب (تكوين ٢: ٧)، وهنا يعالج يسوع عينين لم تتكوّنا بعد بسليم، كأنه يُتمّ الخلق من المادة نفسها. وهذه قراءة لاهوتية، لا شرح للنص بمعناه المباشر.
ويلاحظ القارئ أن الطين في هذا المشهد لا يُنفخ فيه ولا يصير كائناً حياً؛ بل يُطلى على العينين، ثم يأمر يسوع الرجل بأن يغتسل في بركة سلوام، «الذي تفسيره: مرسَل»، فيأتي بصيراً. فالمشهد يختلف عن معجزة الطير في الشكل، ويتشابه معها في المادة (الطين) وفي الجدل الذي أثارته حول السبت.
٧. الخيط الجامع: آدم والطين والنفخة
يجمع القرآن والكتاب المقدس على أن الإنسان الأول خُلق من طين أو تراب ثم نُفخ فيه:
| «وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً.» التكوين ٢: ٧ |
| «إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ» آل عمران: ٥٩ |
والقرآن يستعمل هذه الآية الأخيرة في سياق الردّ على نصارى نجران، فيقول الطبري إنها نزلت «احتجاجاً لنبيّه على الوفد من نصارى نجران الذين حاجّوه في عيسى»، ويقول ابن كثير: «الذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى». أي أن الحجّة القرآنية: إن كانت الولادة بلا أب تدل على الألوهية، فآدم أولى بها لأنه لا أب له ولا أم.
وهنا يتقاطع النصّان تقاطعاً حقيقياً: كلاهما يربط عيسى بآدم، وكلاهما يربط الطين بالنفخة. لكنّ كل واحد منهما يستخلص من هذا الربط استنتاجاً مختلفاً. القرآن يستخلص: «إذن هو بشر مخلوق كآدم». والمسيحية تقرأ الربط قراءة أخرى: فبولس يسمّي المسيح «آدم الأخير» (١ كورنثوس ١٥: ٤٥)، أي بداية خليقة جديدة. وهذا موضع اختلاف بين القراءتين، لا موضع اتفاق.
٨. جدول مقارنة
يضع الجدول التالي المواضع الأربعة جنباً إلى جنب، ليرى القارئ أين تلتقي وأين تفترق:
| المحور | القرآن | إنجيل الطفولة (منحول) | إنجيل يوحنا ٩ | سفر التكوين ٢ |
| المادة | الطين | طين الصلصال | طين من تراب وريق | تراب من الأرض |
| الفعل | يصوّر ثم ينفخ | يصنع اثني عشر عصفوراً | يصنع طيناً ويطلي به العينين | جبل الرب آدم ونفخ فيه |
| ما يحدث | طير حيّ «بإذن الله» | عصافير تطير بكلمته | إبصار أعمى بعد الاغتسال | «نفساً حيّة» |
| السياق | آية من رسول إلى بني إسرائيل | لعب طفل في يوم سبت | شفاء في يوم سبت | بدء الخليقة |
| الوضع النصي | نص قرآني | نص منحول (القرن ٢) | إنجيل قانوني | سفر قانوني |
٩. ما الذي يتفق عليه الكتابان؟
- أن الله وحده مصدر الحياة، وأن ما يجريه على يد رسله لا يصدر منهم بحولهم.
- أن المعجزة كانت علامة أثارت جدلاً في زمانها — «سحر مبين» كما في المائدة ١١٠، و«هذا الإنسان ليس من الله» كما في يوحنا ٩: ١٦.
أما ما يختلفان عليه فهو الاستنتاج: هل تدل هذه الأعمال على أن عيسى «عبد الله ورسوله» فحسب، أم على أن فيه ما يتجاوز ذلك؟ هذا هو السؤال الذي لا يحسمه هذا المقال، والذي يعود إلى القارئ حين يقرأ النصوص بنفسه.
نصوص للقراءة المباشرة
- من القرآن: آل عمران ٤٥–٦٠، المائدة ١١٠–١١٥، المؤمنون ١٢–١٤.
- من الكتاب المقدس: تكوين ٢: ٧، يوحنا ٩: ١–٤١، يوحنا ١: ١–٤، كورنثوس الأولى ١٥: ٤٥.
- من التفسير: الطبري وابن كثير والقرطبي وابن عاشور، على آل عمران ٤٩ والمائدة ١١٠.
- النص المنحول: «إنجيل الطفولة المنسوب إلى توما»، الفصل الثاني — مع الإدراك أنه ليس من كتب العهد الجديد.
| سؤال للتأمل يقول القرآن إن عيسى صوّر ونفخ، وإن الحياة جاءت «بإذن الله». ويقول الإنجيل إن يسوع صنع طيناً فأبصر أعمى وُلد أعمى، فتساءل الحاضرون: «كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات؟» ما الذي تدلّ عليه هذه العلامات في نظرك: على مَن هو الذي جاء بها، أم على مَن هو الذي أرسله؟ |
