من أكثر المصطلحات التي تثير تساؤلات لدى الباحث المسلم هو لقب “ابن الله” المنسوب ليسوع المسيح. ففي العقلية الشرقية، ترتبط “البنوة” مباشرة بالتناسل الجسدي والزواج، وهو ما يرفضه العقل والمنطق وتؤكد المسيحية على رفضه التام أيضاً.
في هذا المقال، سنوضح المعنى الكتابي الحقيقي للقب “ابن الله”، وكيف أن هذا المفهوم لا يمس جوهر وحدانية الله، بل يعلن عن محبته.
أولاً: نفي البنوة الجسدية (التناسل)
قبل أن نبدأ في شرح المفهوم المسيحي، يجب أن نؤكد على حقيقة هامة: المسيحية ترفض تماماً فكرة أن الله “اتخذ” ولداً عن طريق التزاوج أو التناسل الجسدي. إن الآية القرآنية الكريمة:
“لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ” (سورة الإخلاص: 3)
هي حقيقة يؤمن بها المسيحيون أيضاً بكل قلوبهم. الله روح، وهو منزه عن الحاجات البشرية والغرائز. لذلك، عندما يسمع المسلم لقب “ابن الله” ويتبادر لذهنه التناسل، فإنه يرفض فكرة لا يؤمن بها المسيحيون أصلاً.
ثانياً: ما هو المعنى الروحي واللغوي لـ “الابن”؟
في اللغة العربية والكتاب المقدس، يُستخدم لفظ “ابن” للدلالة على الهوية، الانتساب، أو الوحدة في الجوهر، وليس دائماً للتناسل الجسدي. فنحن نقول “ابن النيل” (للدلالة على الانتماء لمصر)، و”ابن السبيل” (للدلالة على المسافر)، و”ابنة الشفة” (للدلالة على الكلمة).
1. ابن الله أي “من ذات الله”
عندما يقول الإنجيل أن المسيح هو “ابن الله”، فهو يقصد أنه من نفس جوهر الله وطبيعته. تماماً كما أن الشعاع هو “ابن” الشمس (خرج منها وهو واحد معها في الطبيعة والحرارة)، أو الكلمة هي “ابنة” العقل (تعبر عنه وهي واحدة معه). يقول الإنجيل عن المسيح:
“الَّذِي هُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ” (عبرانيين 1: 3).
2. لقب يدل على السلطان واللقاء الإلهي
في العهد القديم، كان لقب “ابن الله” يُطلق أحياناً على الملوك أو الأنبياء للدلالة على علاقة خاصة مع الله، ولكن بالنسبة للمسيح، أخذ اللقب معنىً فريداً (الابن الوحيد)، للدلالة على أنه الوحيد الذي يعلن عن الله إعلاناً كاملاً لأنه واحد معه.
ثالثاً: هل الإيمان ببنوة المسيح “شرك”؟
الشرك في جوهره هو “تعدد الآلهة” أو جعل شريك لله من خارجه. لكن الإيمان المسيحي يؤكد:
“اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ” (مرقس 12: 29).
المسيحيون لا يؤمنون بوجود إلهين (آب وابن)، بل يؤمنون بإله واحد أعلن عن نفسه من خلال كلمته (الابن).
- الآب: هو الله من حيث جوهره غير المنظور.
- الابن: هو الله من حيث هو “الكلمة” الظاهرة والمستعلنة للبشر.
فالابن ليس إلهاً “آخر” منفصلاً، بل هو “ظهور الله في الجسد”. وكما أن نار الشمعة واحدة، لكن لها لهب (نور) وحرارة، كذلك الله واحد، وكلمته (الابن) واحدة معه في الذات.
رابعاً: لماذا اختار الله لقب “الابن”؟
قد يتساءل البعض: لماذا لم يستخدم الله لقباً آخر أقل إثارة للجدل؟ السبب هو المحبة. لقب “الآب والابن” هو أقوى تعبير إنساني عن العلاقة الحميمة، والحنان، والميراث، والمحبة العميقة. أراد الله أن يخبرنا أن علاقته بكلمته المتجسد (يسوع) ليست علاقة “سيد بعبد”، بل هي علاقة حب أزلية، وأنه من خلال هذا “الابن”، يمكننا نحن أيضاً أن نصير أبناء لله بالتبني والنعمة.
خاتمة
عزيزي الباحث، إن لقب “ابن الله” ليس تجديفاً على عظمة الخالق، بل هو إعلان عن تواضع الخالق الذي أراد أن يقترب إلينا بلغة نفهمها. المسيح هو “ابن الله” لأنه يحمل كل صفات الله، ولأنه جاء ليصالحنا مع الآب.
إذا أردت التعمق أكثر، ندعوك لقراءة مقالنا حول: “هل قال المسيح أنا هو الله فاعبدوني؟“ لاستكمال الصورة حول هوية يسوع في الإنجيل.
