تفتح هاتفك في الصباح فتجد اسماً يتصدّر «الترند»، وتحته آلاف التعليقات تتقاطر: بعضها غاضب، بعضها ساخر، وبعضها يطالب بأن يُمحى هذا الشخص من الوجود العام كله — أن يُلغى حسابه، وتُسحب منه فرصته، ويُذكَّر بخطئه إلى الأبد. هذا هو المشهد اليومي لما بات يُعرف بـ«ثقافة الإلغاء» (Cancel Culture): حكمٌ جماعي سريع، لا رجعة فيه غالباً، يصدر خلال ساعات ويُنفَّذ بلا محاكمة ولا استئناف.
وفي خضمّ هذا المشهد، يبدو من المفارقة أن نعود إلى معلّمٍ عاش قبل الإنترنت بألفي عام، ليقول لنا شيئاً عن كيفية التعامل مع خطأ الآخرين. لكن يسوع المسيح — في الأناجيل — واجه بالفعل نسخته الخاصة من «الإدانة العلنية»: جمهورٌ متحمّس، ومتهَم واحد، وحكمٌ جاهز قبل أن يُنطق به. وموقفه في تلك اللحظة يحمل ما يشبه إجابة مباشرة عن سؤالنا المعاصر.
المشهد الذي يشبهنا: امرأة في ساحة عامة
يروي إنجيل يوحنا مشهداً يكاد يكون نموذجاً مصغَّراً لثقافة الإلغاء: امرأة أُمسكت وهي تزني، جُرَّت أمام حشدٍ من الكتبة والفريسيين، ووُضعت في «الساحة العامة» ليسوع نفسه ليُصدر حكمه. كان القانون واضحاً: الرجم. وكانت الجماهير جاهزة، والحجارة في متناول اليد.
لم يقل يسوع إن ما فعلته المرأة كان صواباً. لم يبرّر خطأها ولم يتجاهله. لكنه فعل شيئاً غيّر مسار المشهد كله: وجّه السؤال إلى الحشد قبل أن يوجّهه إليها.
| «فَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ… وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ خَرَجُوا وَاحِداً فَوَاحِداً مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الْآخِرِينَ.» إنجيل يوحنا ٨: ٧-٩ |
الحشد الذي جاء ليُدين، انفضّ واحداً واحداً حين وُجِّه إليه السؤال نفسه الذي كان يوجّهه للمرأة. لم يُنكر يسوع الخطأ، لكنه فكّك سلطة المُدين قبل أن يتعامل مع خطأ المُدان. وحين خلا المكان، لم يكن جواب يسوع للمرأة تبرئة مطلقة، بل شيئاً أدق:
| «فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اِذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً.» إنجيل يوحنا ٨: ١١ |
جملة واحدة تحمل ما تعجز عنه منصّات التواصل غالباً: التمييز بين رفض الفعل واستمرار النظر إلى الفاعل كإنسان قابل للتغيير. «لا أدينك» لا تعني «ما فعلتِه لا يهم»، بل تعني «أنتِ أكبر من هذه اللحظة الواحدة في حياتك».
«لا تدينوا»: ليست دعوة إلى السذاجة الأخلاقية
من أكثر تعاليم يسوع اقتباساً — وأكثرها سوء فهم — قوله في الموعظة على الجبل:
| «لاَ تَدِينُوا لِئَلاَّ تُدَانُوا. لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ.» إنجيل متى ٧: ١-٢ |
كثيرون يقرؤون هذا النص وكأنه يدعو إلى قبول كل شيء دون تمييز، أو الامتناع عن أي حكم أخلاقي على الإطلاق. لكن السياق يقول شيئاً مختلفاً. يسوع نفسه، بعد أسطر قليلة من الموعظة ذاتها، يدعو أتباعه إلى «معرفة الناس من ثمارهم» — وهو تقييمٌ بأي معيار. المشكلة إذن ليست في التمييز بين الصواب والخطأ، بل في نوعٍ محدد من الإدانة: تلك القاسية، السريعة، التي تنسى أن الحاكم نفسه معرّض للخطأ.
| «لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ … يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ.» إنجيل متى ٧: ٣-٥ |
هذه الصورة — القذى الصغير في عين الآخر مقابل الخشبة الكبيرة في عين الناقد — تصف بدقة مذهلة آلية عمل «التعليقات الغاضبة» على الإنترنت: سهولة رؤية خطأ الغريب من مسافة، وصعوبة رؤية أخطائنا نحن من قرب. المنصّات الرقمية لا تخترع هذا الميل البشري، لكنها تضخّمه: تمنحنا جمهوراً يشجّع الإدانة، وتُخفي عنا وجه الشخص الذي نُدينه، وتُسرّع الحكم قبل أن تتاح فرصة للفهم.
محبة الأعداء: هل تُطبَّق على «الترول» أيضاً؟
إذا كان يسوع يدعو إلى تمييز حذر بدل الإدانة القاسية، فإنه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين يتحدث عن العلاقة مع من يسيء إلينا فعلاً — لا مجرد من نختلف معه، بل من يهاجمنا مباشرة:
| «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ.» إنجيل متى ٥: ٤٤ |
هذا النص أصعب من أن يُختزل في نصيحة لطيفة. يسوع لا يطلب هنا مشاعر دافئة تجاه من يهاجمنا، بل موقفاً إرادياً: أن نرفض السماح لسلوك الآخر بأن يحدّد سلوكنا نحن. «باركوا لاعنيكم» تعني أن ردّي على الشتيمة ليس ملكاً للشتّام، بل ملكي أنا. حين أردّ بالمثل — بتعليق أكثر لسعاً، بفضح أكثر قسوة — أكون قد سلّمت زمام ردّي لمن هاجمني.
هذا لا يعني الصمت عن الظلم أو تبرير الأذى. يسوع نفسه لم يكن سلبياً عاجزاً: قلب موائد الصيارفة في الهيكل، ووصف بعض قادة عصره بصراحة لاذعة أحياناً («يا مرائين»، «يا قبوراً مبيَّضة»). لكن الفرق جوهري: كان نقده موجَّهاً لتصحيح مسار، لا لإذلال شخص أمام جمهور من أجل الإذلال نفسه. كان يواجه السلطة الظالمة بصوتٍ عالٍ، ويتعامل مع الضعيف المخطئ بصوتٍ هادئ — عكس ما تفعله كثير من عواصف التواصل الاجتماعي التي تصبّ غضبها الأشد على الأفراد الأضعف الأقل حماية.
الغفران سبعين مرة سبع مرات: حين لا ينتهي الخطأ إلى الأبد
من أخطر ما تفعله ثقافة الإلغاء أنها تجمّد الإنسان عند لحظة خطئه: يصبح المرء «ذلك الشخص الذي قال كذا في عام كذا» إلى الأبد، بلا مجال للتغيير أو النمو. سأل بطرس يسوع مرة عن حدود الغفران:
| «حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ.» إنجيل متى ١٨: ٢١-٢٢ |
الرقم هنا ليس حساباً رياضياً (لا يعني أن الغفرة الحادية والأربعمائة والواحدة مرفوضة)، بل رفضٌ لفكرة «سقف الغفران» من الأساس. وحين أخذ يسوع رجلاً باع صديقه بثلاثين قطعة فضة — يهوذا — وغسل قدميه في العشاء الأخير قبل أن يعرف أحد بخيانته، كان يطبّق مبدأه عملياً في أصعب سياق ممكن: خيانة شخصية مباشرة، لا مجرد خلاف أفكار.
هذا لا يلغي الحاجة إلى العدالة أو المحاسبة؛ يسوع نفسه لم يتجاهل أفعال يهوذا ولا خطر ما فعله. لكنه يقدّم نموذجاً مختلفاً عن «الإلغاء»: العدالة التي تترك باباً للتوبة والتغيير، بدل الحكم الذي يُغلق الملف نهائياً على الشخص كله.
خمسة مبادئ للتطبيق في عالم رقمي
١. افصل بين الفعل والفاعل
يمكن أن نقول إن تصرفاً معيناً كان خاطئاً أو مؤذياً، دون أن نستنتج أن قائله لا قيمة له ولا أمل في تغيّره. هذا بالضبط ما فعله يسوع مع المرأة: لم ينكر الخطيئة، لكنه لم يختزل المرأة فيها.
٢. اسأل نفسك السؤال قبل أن توجّهه للآخر
«من كان منكم بلا خطية» ليس سؤالاً بلاغياً فحسب، بل تدريب داخلي: قبل أن أُرسل تعليقاً غاضباً، هل أعرف نفسي معرَّضاً لما أُدين فيه غيري؟ هذا لا يعني الصمت عن كل شيء، لكنه يبطئ اللحظة ويمنحها تأنياً.
٣. ميّز بين مواجهة السلطة ومهاجمة الضعيف
غضب يسوع في الهيكل كان موجَّهاً لمن يملك السلطة ويسيء استخدامها، لا لعابر سبيل أخطأ خطأً عابراً. سؤال مفيد قبل المشاركة في «حملة» رقمية: هل هذا نقد لسلطة ظالمة، أم إذلال جماعي لفرد ضعيف؟
٤. اترك باباً للتغيير
«اذهبي ولا تخطئي أيضاً» تفترض أن المرأة قادرة على مستقبل مختلف عن ماضيها. ثقافة الإلغاء، على النقيض، تُصرّ أحياناً على أن لا مستقبل يغيّر الماضي. ترك مجال للاعتذار والتصحيح ليس ضعفاً، بل هو ما يجعل التغيير الحقيقي ممكناً أصلاً.
٥. ردّك ملكك أنت، لا ملك من هاجمك
حين نرد بالمثل، نمنح الطرف الآخر سلطة تحديد من نصبح. «باركوا لاعنيكم» دعوة إلى استعادة تلك السلطة: أن يبقى قراري في كيفية الرد بيدي، لا بيد من أساء إليّ.
جدول مقارنة: منطق ثقافة الإلغاء مقابل منطق يسوع
| المحور | الهدف من الرد | التركيز | مصير المخطئ | من يملك القرار |
| ثقافة الإلغاء | الإذلال العلني | الفعل الواحد يُعرِّف كل الشخص | إقصاء دائم غالباً | الجمهور والخوارزمية |
| منطق يسوع | التصحيح والدعوة للتغيير | الفعل يُنقَد، الشخص يبقى قابلاً للنمو | باب مفتوح للتوبة | الفرد نفسه في رده وسلوكه |
سؤال يستحق التأمل
لا أحد يطالب بغياب المحاسبة، ولا بأن يُترك كل خطأ دون رد. لكن يسوع يطرح تمييزاً دقيقاً بين نوعين من الاستجابة لخطأ الآخرين: استجابة تسعى للتصحيح مع الإبقاء على كرامة الشخص وإمكان تغيّره، واستجابة تسعى للإذلال والإقصاء النهائي. المفارقة أن الأولى قد تكون أصعب من الثانية، لأنها تتطلب الصبر بدل التفريغ الفوري للغضب.
| حين تجد نفسك أمام منشور يستفزّك أو خطأ يغضبك على مواقع التواصل — أيّهما تجد نفسك أميل إليه فعلاً: أن تفضح وتُلغي، أم أن تصحّح وتترك باباً مفتوحاً؟ وماذا لو كان معيار يسوع — «من منكم بلا خطية» — هو السؤال الذي نطرحه على أنفسنا قبل كل تعليق نكتبه؟ |
للقراءة المباشرة
- إنجيل يوحنا، الإصحاح ٨، الآيات ١-١١ — قصة المرأة المتهمة بالزنا
- إنجيل متى، الإصحاح ٧، الآيات ١-٥ — «لا تدينوا لئلا تدانوا»
- إنجيل متى، الإصحاح ٥، الآيات ٤٣-٤٨ — «أحبوا أعداءكم»
- إنجيل متى، الإصحاح ١٨، الآيات ٢١-٢٢ — الغفران سبعين مرة سبع مرات
- إنجيل لوقا، الإصحاح ١٩، الآيات ١-١٠ — يسوع وزكا جابي الضرائب
