هذا السؤال يمس قلب الإنجيل. كيف يطلب الآب ابنه لكي يموت؟ وأين العدل في أن يتألم إنسان كامل بدلاً عن البشر الخطاة؟ دعنا نتأمل معاً في هذا السر العظيم.
أولاً: هل الله “قتل” ابنه؟
لنبدأ بتصحيح فكرة شائعة. المسيحيون لا يؤمنون بأن الآب “قتل” الابن أو أنه كان غاضباً منه. هذا فهم خاطئ. الإنجيل يعلن أن الثالوث كله كان يعمل معاً لخلاص البشر.
يقول الرسول بولس: “اَللهُ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحاً الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ” (2 كورنثوس 5: 19). أي أن الله لم يكن بحاجة لأن يسترضيه أحد، بل هو نفسه بادر بالحب وقدّم ذاته فداءً عنا.
المسيح يقول عن نفسه: “لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُ نَفْسِي مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً” (يوحنا 10: 18).
إذاً، لم يكن المسيح ضحية لعملية قتل، بل كان مشاركاً فعالاً في خطة الفداء. هو بذل نفسه طواعية.
ثانياً: أين العدل؟
لنفكر معاً في قصة بسيطة:
تخيل أنك مدين بمبلغ كبير جداً لا تستطيع سداده. الحكم هو السجن مدى الحياة. فجأة، يأتي شخص غني جداً، لا ذنب عليه، ويدفع الدين كاملاً من ماله الخاص. هل هذا ظلم؟ أم هو كرم عظيم؟
الله في عدله يقول إن أجرة الخطية هي موت (رومية 6: 23). كلنا أخطأنا ونستحق العقاب. لكن الله في محبته، دفع هو نفسه الثمن.
العدل يقتضي أن الخطية لا تمر دون عقاب. المحبة تريد أن تخلص الخاطئ. في الصليب، التقى العدل والمحبة معاً. العدل تم بإعلان عقوبة الخطية، والمحبة تمت بأن الله نفسه تحمل هذه العقوبة بدلنا.
ثالثاً: الفداء في الفكر المسيحي
لنأخذ مثالاً آخر: لو سقط ابنك في نهر عميق، هل تفكر قبل أن تقفز لإنقاذه؟ بالطبع لا. أنت تندفع فوراً لأنك تحبه. قد تتعرض للخطر وقد تصاب بجروح، لكن حبك يدفعك لإنقاذه.
هذا يشبه ما فعله الله. سقطنا في خطية الموت، فقفز إلينا في شخص المسيح. تحمل الألم والموت ليس لأنه يستحق العقاب، بل لأنه يحبنا ويريد إنقاذنا.
يقول الكتاب: “لكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (رومية 5: 8).
رابعاً: كيف يمكن لواحد أن يموت بدل الجميع؟
هذا سؤال عميق. المسيح ليس مجرد إنسان عادي. هو “الإله الإنسان”. قيمته غير محدودة. لذلك، موته له قيمة لا نهائية تكفي لتكفير خطايا العالم كله.
يوحنا المعمدان عندما رأى يسوع صرخ: “هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!” (يوحنا 1: 29). تشبيهه بالحمل يذكرنا بذبائح العهد القديم، حيث كان الحيوان البريء يموت بدلاً عن الخاطئ. لكن دم المسيح أثمن من دم الحيوانات، لأنه ابن الله نفسه.
خامساً: البراءة والفداء
قد تقول: “لكنه كان بريئاً، فكيف يعاقب؟” هذا صحيح، هو كان بريئاً تماماً. يقول الكتاب عنه: “لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (1 بطرس 2: 22).
وهذه بالضبط كانت متطلبات الذبيحة في العهد القديم: أن تكون “بِلاَ عَيْبٍ” (لاويين 1: 3). فقط البريء الكامل يمكن أن يكون فداءً عن المذنبين.
لنتأمل في هذا المشهد المؤثر من إنجيل متى:
عندما كان المسيح واقفاً أمام الحاكم الروماني بيلاطس، قال له بيلاطس: “أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟” (متى 27: 13). لكن المسيح لم يجب. كان صامتاً كحمل أمام جازّيه (إشعياء 53: 7). ثم قال بيلاطس للجموع: “إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ!” (متى 27: 24). حتى الحاكم الوثني شهد ببراءته!
سادساً: ماذا يعني هذا لنا شخصياً؟
هذا يعني أن الخلاص ليس شيئاً نشتريه بأعمالنا الصالحة. هو هبة مجانية من الله. يقول الكتاب: “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. إِنَّهُ هِبَةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” (أفسس 2: 8-9).
نحن لا نستحق الخلاص، لكن الله بكل generosity يقدمه لنا مجاناً. كل ما علينا هو أن نقبله بإيمان.
خاتمة للتفكير
الصليب ليس مكان قتل، بل هو أعلى تعبير عن الحب. الله لم يقتل ابنه، بل في المسيح، الله نفسه دفع الثمن الذي كنا سندفعه. العدل تم، والمحبة انتصرت.
“لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ” (2 كورنثوس 5: 21).
