يدخل يسوع بيت رجل من وجهاء المجتمع الديني، فريسي محترم اسمه سمعان، لتناول العشاء. وبينما هو متكئ على المائدة، تدخل امرأة غير مدعوة، امرأة يعرف الجميع في المدينة أنها «خاطئة». تجثو عند قدميه، تبكي حتى تبلّل قدميه بدموعها، تمسحهما بشعر رأسها، تقبّلهما، ثم تسكب عليهما عطراً ثميناً. لم يطردها. لم يوبخها. بل دافع عنها أمام مضيفه، وقال لها في النهاية: «اذهبي بسلام».
لكل من يقرأ هذا المشهد من خلفية إسلامية، يبرز سؤال مشروع وعميق: كيف يسمح نبي — بل من تؤمن المسيحية أنه الله متجسداً — بأن تلمسه امرأة معروفة بالخطيئة أمام الناس؟ أليس هذا تساهلاً في حدود ما يليق بمقام النبوة؟ وماذا كانت خطيئتها أصلاً؟ ولماذا اختارت أن تعبّر عن توبتها بهذه الطريقة اللافتة؟
هذا المقال يعرض المشهد كما ورد في إنجيل لوقا، بتفاصيله وسياقه التاريخي، ثم يشرح كيف تقرأه المسيحية لاهوتياً، مع عرض منصف لما يشبهه أو يخالفه في التصور الإسلامي عن التوبة ولقاء الأنبياء بالخطاة.
١. المشهد كما رواه الإنجيل
يروي إنجيل لوقا (الإصحاح السابع، الآيات ٣٦-٥٠) أن أحد الفريسيين، واسمه سمعان، دعا يسوع لتناول الطعام في بيته. وبحسب عادة الجلوس في تلك الحقبة، كان المتكئون يستندون على موائد منخفضة وأرجلهم إلى الخلف، حافية من النعال.
| «وإذا امرأة في المدينة كانت خاطئة، إذ علمت أنه متكئ في بيت الفريسي، جاءت بقارورة طيب. ووقفت عند قدميه من ورائه باكية، وابتدأت تبل قدميه بالدموع، وكانت تمسحهما بشعر رأسها، وتقبل قدميه، وتدهنهما بالطيب». إنجيل لوقا ٧: ٣٧-٣٨ |
لم يذكر النص اسمها، ولم يحدد نوع خطيتها، بل اكتفى بوصفها بأنها «خاطئة» معروفة في المدينة، وهو وصف يشير إلى سمعة سيئة ومنتشرة، وليس زلة عابرة. جاءت ومعها قارورة طيب من المرمر، وهو عطر ثمين، ووقفت خلف يسوع عند قدميه، ثم فعلت خمسة أفعال متتالية: بكت، بلّلت قدميه بدموعها، مسحتهما بشعرها، قبّلتهما، ودهنتهما بالطيب.
كل فعل من هذه الأفعال كان يحمل دلالة اجتماعية صادمة في ذلك المجتمع: أن تكشف امرأة شعرها أمام رجال غرباء كان يُعد إهانة لزوجها أو عائلتها، وأن تلمس قدمي رجل غريب علناً كان تجاوزاً صارخاً للحشمة المتعارف عليها. ومع ذلك، لم يمنعها يسوع، ولم يبعدها.
٢. اعتراض سمعان: «لو كان هذا نبياً»
| «فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك، تكلم في نفسه قائلاً: لو كان هذا نبياً، لعلم من هذه المرأة التي تلمسه وما هي، إنها خاطئة». إنجيل لوقا ٧: ٣٩ |
منطق سمعان واضح ومفهوم: النبي الحقيقي، في تصوره، يجب أن يملك بصيرة تكشف له حقيقة من حوله، وأن يحافظ على مسافة تحفظ له طهارته من ملامسة من هم في دائرة النجاسة الطقسية أو الأخلاقية. هذا الاعتراض ليس بعيداً عن حساسية مألوفة في التصور الإسلامي أيضاً تجاه مقام النبوة وضرورة صيانته.
لكن يسوع لم يتجاهل الاعتراض، بل واجهه مباشرة بمَثَل قصير: رجل كان له مَدينان، أحدهما مديون بخمسمئة دينار والآخر بخمسين، فسامحهما كليهما لأنهما لم يقدرا على السداد. ثم سأل سمعان: أيّهما يحب صاحب الدَّين أكثر؟ فأجاب سمعان: الذي سومح بالأكثر.
| «من أجل ذلك أقول لك: قد غُفرت خطاياها الكثيرة، لأنها أحبت كثيراً. والذي يُغفر له قليل يحب قليلاً». إنجيل لوقا ٧: ٤٧ |
٣. كيف تقرأ المسيحية هذا المشهد؟
١. لمس الخاطئ لا يُنجّس القدوس
المبدأ اللاهوتي المركزي هنا هو عكس المنطق الطقسي السائد آنذاك: في الفكر الديني اليهودي التقليدي، كان التماس مع النجاسة (المرض، الموت، الخطيئة الظاهرة) يجعل الطاهر نجساً. أما في فهم الأناجيل ليسوع، فالعلاقة معكوسة: قداسته لا تتلوث بلمس الخاطئ، بل طهارته هي التي تنتقل وتُطهّر. هذا النمط يتكرر في مشاهد أخرى: لمسه للأبرص فيُشفى بدل أن يُصاب هو بالبرص، ولمسه للمرأة النازفة، ولمسه للميت فيقوم.
٢. الفعل تعبير عن توبة سابقة، لا طلب لها
التفسير المسيحي التقليدي للمشهد، بالنظر إلى تسلسل الأحداث، يرى أن دموع المرأة وطيبها لم تكن محاولة لكسب المغفرة، بل تعبيراً عن مغفرة اختبرتها بالفعل. النص يقول إن محبتها الكبيرة هي دليل على أنها غُفر لها الكثير، لا سبب المغفرة. بعبارة أخرى: هي لم تأتِ لتُغفر لها خطاياها، بل جاءت لأنها عرفت أنها غُفرت.
٣. الحب مقياس الامتنان لا ثمن الغفران
مثل الدائنَين يوضح أن المغفرة في هذا المشهد سبقت الفعل ولم تُشترَ به. الحب الكبير الذي أظهرته المرأة هو استجابة قلب أدرك حجم ما سُومح له، لا وسيلة تفاوضية لنيل الصفح. هذا يتناسق مع الخط اللاهوتي العام في الأناجيل: أن الغفران عطية تُستقبَل بالإيمان، لا مكافأة تُكتسب بالعمل.
٤. مواجهة الاعتراض لا تجاهله
من اللافت أن يسوع لم يتجاهل سؤال سمعان باعتباره سؤالاً غير لائق، بل أجاب عليه مباشرة بمثل واضح، ثم واجه سمعان بمقارنة صريحة بين ضيافته الفاترة وتكريم المرأة الفائق: «ماء لأجل رجلي لم تعطِ… قُبلة لم تقبّلني… بزيت لم تدهن رأسي». هذا يكشف أن القضية عند يسوع لم تكن الحشمة الشكلية بقدر ما كانت صدق القلب.
٤. المنطق الإسلامي المقابل: هل هذا غريب على التصور الإسلامي؟
التصور الإسلامي عن التوبة يشترك مع هذا المشهد في أكثر من محور جوهري، وإن اختلف السياق. القرآن يؤكد مراراً أن باب التوبة مفتوح مهما عظمت الخطيئة، وأن التوبة الصادقة تُبدّل حال العبد لا تُلغى فحسب.
| ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سورة الفرقان: ٧٠ |
هذا يلتقي مع فكرة أن التوبة الصادقة ليست مجرد محو للذنب، بل تحويل جوهري في حال القلب، وهو ما يعكسه أيضاً مشهد المرأة التي تحول بكاؤها وخطيئتها إلى فعل محبة وعبادة.
أما مسألة قرب الأنبياء من الخطاة، فالتصور الإسلامي يرى أن دعوة الأنبياء موجهة أصلاً للمذنبين لا للأبرار فحسب، وأن التوبة تُقبل من كل عاصٍ عاد إلى ربه، كما في قصة قاتل المئة نفس الشهيرة في الحديث النبوي التي أشار إليها المفسرون عند هذه الآية بوصفها مثالاً على سعة رحمة الله. الفارق الجوهري الذي يثيره القارئ المسلم هو مسألة اللمس المباشر والعلني بين رجل وامرأة أجنبية عنه، وهو ما يُنظر إليه بحساسية خاصة في الفقه الإسلامي بصرف النظر عن مقام الملموس. هذه نقطة اختلاف حقيقية بين التصورين تستحق أن تُعرض دون تجاوز، لا أن تُذاب في تشابه سطحي.
٥. جدول مقارنة
| المحور | الموقف في المشهد | التصور المسيحي | التصور الإسلامي | نقطة الالتقاء / الاختلاف |
| حكم الخطيئة | لا يُذكر نوعها | لا تُحدَّد الخطيئة، والتركيز على التوبة لا التصنيف | تفصيل فقهي أدق لأنواع الذنوب ومراتبها | التقاء على مبدأ ستر الذنب |
| اللمس بين الجنسين | لمس مباشر وعلني | غير محكوم بقيود الاختلاط في هذا السياق | حساسية شرعية عالية تجاه لمس الأجنبية | اختلاف حقيقي في الحدود الشرعية |
| مصدر المغفرة | سبقت فعل المرأة | عطية بالإيمان تسبق العمل | تُقبل بالتوبة والعمل الصالح معاً | تقارب في سعة الرحمة، اختلاف في آلية القبول |
| أثر التوبة | تحويل الحزن إلى فعل محبة | الحب الكبير علامة الغفران الكبير | تبديل السيئات حسنات (الفرقان ٧٠) | التقاء لافت في فكرة التحول الجوهري |
| موقف النبي | دافع عنها أمام مُنكِرها | القداسة لا تتلوث، بل تُطهِّر | الأنبياء مبعوثون للمذنبين لا للأبرار فقط | التقاء على رحابة رسالة النبوة |
٦. سؤال يستحق التأمل
يبقى هذا المشهد من أكثر مشاهد الأناجيل إثارة للتفكير، لأنه يضع جنباً إلى جنب سؤالين يبدوان متعارضين: كيف يليق بمقام القداسة أن يقترب من دنس الخطيئة؟ وهل تكون رحابة الرحمة نفسها علامة على صدق النبوة أم تهديداً لهيبتها؟
سمعان رأى في اقتراب المرأة تهديداً لمكانة يسوع. لكن يسوع رأى في دموعها شهادة أعمق من كل حسابات اللياقة الاجتماعية. أيّ القراءتين أقرب إلى ما تستحقه رحمة الله؟ وهل يمكن أن تكون قداسة النبي أعظم حين تحتضن الخاطئ لا حين تتجنبه؟
٧. للقراءة المباشرة
من الإنجيل:
- إنجيل لوقا ٧: ٣٦-٥٠ (المشهد كاملاً)
- إنجيل لوقا ١٥ (مثل الابن الضال، عن فرح السماء بالتائب)
- إنجيل يوحنا ٨: ١-١١ (المرأة التي أُمسكت في الزنا)
من القرآن والتفسير:
- سورة الفرقان: ٦٨-٧٠ (تبديل السيئات حسنات)
- سورة الزمر: ٥٣ (لا تقنطوا من رحمة الله)
- سورة هود: ١١٤ (إن الحسنات يذهبن السيئات)
