Close Menu
    فيسبوك
    دليل المسلم لمعرفة يسوع المسيح في القرآن وفي الإنجيل
    • الرئيسية
    • ببساطة واختصار
    • المقالات
      • أسئلة يطرحها المسلمون
      • يسوع في الميزان الإسلامي والمسيحي
      • يسوع في حياته اليومية
      • قضايا فلسفية وتأمّلية
    • دليل المسلم
      • أشهر 10 مغالطات شائعة عن المسيحية
      • أهم 100 سؤال يطرحه المسلمون
      • كيف أقرأ الإنجيل لأول مرة؟
      • مصطلحات مسيحية
      • قاموس المقارنة: المسيحية والإسلام
      • الإنجيل المقدس
    • المقالات الأكثر قراءة
    • من نحن؟
    فيسبوك
    دليل المسلم لمعرفة يسوع المسيح في القرآن وفي الإنجيل
    الرئيسية»يسوع في حياته اليومية»هل غضب يسوع؟ ومتى غضب؟
    يسوع في حياته اليومية

    هل غضب يسوع؟ ومتى غضب؟

    قراءة في المواضع التي يذكر فيها الإنجيل غضب المسيح، وما تكشفه عن شخصيته
    9 زيارة13 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن البريد الإلكتروني واتساب تيلقرام
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    ربما تكوّنت في ذهنك صورة ليسوع كما تُرسم في كثير من الأعمال الفنية: وجهٌ هادئ، وصوتٌ خافت، ويدٌ ممدودة بالبركة لا تُرفع أبداً. وهذه الصورة تجد سندها في الإنجيل نفسه، الذي يصفه بكلمات النبي إشعياء: «لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته» (متى ١٢: ١٩).

    غير أن قارئ الإنجيل يتوقف عند مواضع لا تنسجم بسهولة مع هذه الصورة: نظرةٌ يصفها الكاتب بأنها «بغضب»، وكلمةٌ يقولها لأقرب تلاميذه فتبدو من أقسى ما قيل، وسوطٌ من حبال في ساحة الهيكل. فيُطرح السؤال بصيغتين: هل غضب يسوع حقاً؟ وإن غضب، فمتى؟ ولماذا؟

    وهذا سؤال مشروع، ولكل من المسلم والمسيحي دافعه إليه: فالمسلم الذي عرف عيسى في القرآن «بَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا» (مريم ١٩: ٣٢) قد يتساءل عن هذه المشاهد، والمسيحي الذي نشأ على الصورة الوديعة قد لا ينتبه إليها أصلاً. وهذا المقال لا يحكم مسبقاً هل يليق الغضب بالمسيح أم لا، بل يبدأ بما يقوله النص، ثم يسأل عن معناه.

    أولاً: ماذا يقول النص بالحرف؟

    قبل المشاهد، من المفيد أن نعرف أن الأناجيل — المكتوبة أصلاً باليونانية — تستخدم أفعالاً مختلفة حين تصف انفعال يسوع الحاد، وأن ترجمة الفانديك تنقلها بألفاظ متعددة:

    • «بغضب» — مرقس ٣: ٥. الكلمة اليونانية هنا «أورجي»، وهي الكلمة المعتادة للغضب. وهذا هو الموضع الوحيد في النص المعتمد في أكثر المخطوطات الذي تُنسب فيه هذه الكلمة إلى يسوع نفسه.
    • «اغتاظ» — مرقس ١٠: ١٤. الفعل اليوناني «أغاناكتيو»، ومعناه الاستياء والسخط مما يُرى ظلماً.
    • «انتهر» و«انزعج» — مرقس ١: ٤٣، ومتى ٩: ٣٠، ويوحنا ١١: ٣٣ و٣٨. الفعل «إمبريماومي» يدل على انفعال داخلي شديد، ويختلف الدارسون في ترجمته: أهو غضب؟ أم تأثر عميق؟ أم صرامة في النهي؟ ولذلك تتنوع ترجماته بين «انتهر» و«انزعج» و«اضطرب».

    وإلى جانب هذه الألفاظ المسمّاة، هناك مواقف لا يذكر فيها الكاتب كلمة «غضب» لكن الكلام نفسه لا يترك مجالاً للشك في شدته، كما في «الويلات» وفي مشهد الهيكل. وسنمرّ على الصنفين بالترتيب.

    ثانياً: المشهد الأول — اليد اليابسة

    في أحد المجامع، يوم سبت، كان هناك رجل يده يابسة، وكان بعض الحاضرين يراقبون يسوع «هل يشفيه في السبت لكي يشتكوا عليه» (مرقس ٣: ٢). فطلب من الرجل أن يقوم في الوسط، ثم سأل الجميع:

    «هل يحل في السبت فعل الخير أو فعل الشر؟ تخليص نفس أو قتل؟ فسكتوا. فنظر حوله إليهم بغضب، حزينًا على غلاظة قلوبهم، وقال للرجل: مدّ يدك. فمدّها فعادت يده صحيحة كالأخرى.» — مرقس ٣: ٤-٥ (ترجمة فان دايك)

    ثلاث ملاحظات على هذا المشهد:

    • الغضب والحزن معاً. لم يكتفِ الكاتب بذكر الغضب، بل أضاف مباشرة: «حزينًا على غلاظة قلوبهم». فالانفعال هنا ليس ثورة عابرة، بل ألم من رؤية قلوب ترى في القاعدة أهم من الإنسان.
    • سببه ليس إساءة شخصية. لم يقل أحد ليسوع شيئاً في هذا المشهد؛ بل إن سؤاله هو الذي قوبل بالصمت («فسكتوا»). فغضبه كان على موقف: أن يكون الجواب عن «فعل الخير أو فعل الشر» واضحاً ولا يُعترف به.
    • ما أعقبه شفاء لا انتقام. أقصى ما فعله يسوع بعد النظرة الغاضبة أنه قال للرجل: «مدّ يدك». أما ما جاء بعد ذلك فكان من الطرف الآخر: «فخرج الفريسيون للوقت مع الهيرودسيين وتشاوروا عليه لكي يهلكوه» (مرقس ٣: ٦).

    ثالثاً: المشهد الثاني — الأولاد الذين مُنعوا

    في مرقس ١٠: ١٣-١٦ مشهد آخر (وقد تناولنا سياقه الأوسع في مقال «يسوع والأطفال»): أناس يقدّمون أولادهم إلى يسوع ليلمسهم، والتلاميذ ينتهرونهم، ظناً منهم أنهم يوفّرون على المعلم وقته. وهنا يستخدم الكاتب فعلاً صريحاً:

    «فلما رأى يسوع ذلك اغتاظ وقال لهم: دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله.» — مرقس ١٠: ١٤ (ترجمة فان دايك)

    ولافتٌ أن هذا هو الفعل نفسه الذي يصف به مرقس استياء العشرة من طلب يعقوب ويوحنا (مرقس ١٠: ٤١)؛ أي أنه فعل الاستياء البشري المألوف، لا لفظٌ خاص بالمسيح. ثم يتحول المشهد بسرعة: «فاحتضنهم ووضع يديه عليهم وباركهم» (مرقس ١٠: ١٦). غضبٌ قصير، وبعده حضن.

    رابعاً: المشهد الثالث — الهيكل

    هذا أشهر مشاهد الغضب، ويرد في الأناجيل الأربعة (متى ٢١: ١٢-١٣، ومرقس ١١: ١٥-١٧، ولوقا ١٩: ٤٥-٤٦، ويوحنا ٢: ١٣-١٧). نقرأ رواية يوحنا:

    «وصنع سوطًا من حبال وطرد الجميع من الهيكل، الغنم والبقر، ونثر دراهم الصيارفة وقلب موائدهم، وقال لباعة الحمام: ارفعوا هذه من ههنا. لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة. فتذكر تلاميذه أنه مكتوب: غيرة بيتك أكلتني.» — يوحنا ٢: ١٥-١٧ (ترجمة فان دايك)

    ويضيف مرقس ما قاله يسوع أثناء ذلك:

    «أليس مكتوبًا: إن بيتي بيت صلاة يُدعى لجميع الأمم؟ وأنتم جعلتموه مغارة لصوص.» — مرقس ١١: ١٧ (ترجمة فان دايك)

    ما يلفت النظر في هذا المشهد:

    • اللفظ المفاجئ. لا تستخدم أي من الروايات الأربع كلمة «غضب» هنا. أما يوحنا فيربط التلاميذ المشهد بكلمة أخرى: «غيرة بيتك أكلتني» (مزمور ٦٩: ٩)، أي الغيرة والحمية. فتسمية المشهد «غضباً» قراءةٌ للنص وليست لفظه.
    • من كان المتضرر؟ ينفرد مرقس بذكر أن بيت الله «يُدعى لجميع الأمم» (وهو اقتباس من إشعياء ٥٦: ٧)، ويرى كثير من الدارسين أن البيع والشراء كان في الساحة الخارجية، وهي الموضع الذي كان يستطيع غير اليهود أن يصلّوا فيه. فيكون الغضب هنا أيضاً لأجل من حُجب عن الصلاة.
    • حدود الفعل. الذي تذكره الروايات: سوط من حبال، وقلب موائد، ونثر نقود، وطرد بائعين وحيوانات. ولا تروي أنه ضرب إنساناً.
    • الزمن. يضع يوحنا المشهد في بداية خدمة يسوع، بينما تضعه الأناجيل الثلاثة الأخرى في آخر أيامه قبل الصلب. ويختلف الدارسون: فمنهم من يرى أنه حدث مرتين، ومنهم من يرى أن يوحنا قدّمه لسبب يتعلق بترتيب روايته. ولا يفصل هذا المقال في الخلاف.
    • النتيجة. يذكر مرقس أن الكتبة ورؤساء الكهنة سمعوا ذلك «فطلبوا كيف يهلكونه» (مرقس ١١: ١٨).

    خامساً: أطول نصٍّ متواصل — ويلات متى ٢٣

    أطول نص متواصل من هذا النوع هو الإصحاح الثالث والعشرون من متى، المعروف باسم «الويلات»: سلسلة اتهامات موجَّهة إلى الكتبة والفريسيين. ومن المهم قراءته من أوله، لأنه يبدأ بجملة يغفلها من يقتبس الويلات وحدها:

    «على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون. فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا، لأنهم يقولون ولا يفعلون.» — متى ٢٣: ٢-٣ (ترجمة فان دايك)

    ثم تتوالى الويلات، ومنها هذا المقطع:

    «ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون! لأنكم تعشّرون النعناع والشبث والكمون، وتركتم أثقل الناموس: الحق والرحمة والإيمان. كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك. أيها القادة العميان، الذين يصفّون عن البعوضة ويبلعون الجمل!» — متى ٢٣: ٢٣-٢٤ (ترجمة فان دايك)

    وتدور بقية التهم حول أربعة أمور:

    • تحميل الناس أحمالاً ثقيلة دون أن يحرّكوها هم بإصبعهم (٢٣: ٤).
    • إغلاق ملكوت السماوات في وجوه الناس (٢٣: ١٣).
    • الاهتمام بنظافة ظاهر الكأس والصحن وباطنهما ممتلئ (٢٣: ٢٥).
    • التشبيه بالقبور المبيَّضة: جميلة من الخارج، ممتلئة من الداخل (٢٣: ٢٧).

    وأقسى عبارة في الفصل: «أيها الحيات أولاد الأفاعي، كيف تهربون من دينونة جهنم؟» (٢٣: ٣٣). ثم ينتهي الإصحاح بنبرة مختلفة تماماً، ليست لعنة بل رثاء:

    «يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا!» — متى ٢٣: ٣٧ (ترجمة فان دايك)
    تنبيه في القراءة: الخطاب موجَّه إلى قادة بعينهم، لا إلى اليهود عامةً. ويسوع نفسه يهودي يتكلم من داخل التقليد النبوي اليهودي، الذي عرف نقداً لاذعاً للقيادات الدينية على لسان أنبياء مثل عاموس وإرميا. وقد أُسيء في التاريخ استخدام هذا الإصحاح ضد اليهود، وهو استخدام أدركت كنائس عديدة خطأه وأعلنت رفضه.

    سادساً: مواقف أخرى — بين الوضوح والخلاف

    • «اذهب عني يا شيطان» (متى ١٦: ٢١-٢٣). بعد أن مدح يسوع بطرس قبل دقائق (١٦: ١٧-١٩)، أخبر تلاميذه أنه سيتألم ويُقتل، فأخذه بطرس ليعترض. «فالتفت وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان. أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس.» لا يذكر النص كلمة غضب، لكن حدّة الجملة واضحة، وسببها أن بطرس أراد أن يجنّب معلمه الصليب.
    • «إلى متى أحتملكم؟» (مرقس ٩: ١٩). عاد يسوع من الجبل فوجد التلاميذ عاجزين أمام صبي مصروع وحوله جدل، فقال: «أيها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟» عبارة يجتمع فيها الضيق والتعب.
    • المدن التي لم تتب (متى ١١: ٢٠-٢٤). «ابتدأ يوبّخ المدن التي صنعت فيها أكثر قواته لأنها لم تتب»، ومنها كورزين وبيت صيدا وكفرناحوم.
    • مرقس ١: ٤١ — خلاف المخطوطات. في قصة شفاء الأبرص يقول النص في أكثر المخطوطات وأقدمها: «فتحنن يسوع ومدّ يده ولمسه». لكن بعض المخطوطات (ومنها المخطوطة البيزية وبعض المخطوطات اللاتينية القديمة) تقرأ «غضب» بدل «تحنّن». ويرى بعض الدارسين أن هذه القراءة الأصعب هي الأصل، لأن النساخ يميلون إلى تخفيف الصعب، بينما يرجّح أكثر المحققين أن «تحنّن» هي الأصل. ثم يقول مرقس بعد ذلك إنه «انتهره» (١: ٤٣) بالفعل الذي مرّ ذكره. ولا يبني هذا المقال أي استنتاج على هذا الموضع، لكن الأمانة تقتضي ذكر الخلاف.
    • لعازر — «انزعج بالروح» (يوحنا ١١: ٣٣، ٣٨). الفعل نفسه «إمبريماومي»، وقد فصّلنا مشهد لعازر في مقال «يسوع أمام الفقد والحزن». ويختلف المفسرون: هل الانزعاج من الموت ذاته؟ أم مما رآه حوله من قلة الإيمان؟ أم هو تأثر شديد؟ ومهما كان الجواب، فهو انفعال حاد أعقبه دمع («بكى يسوع»، ١١: ٣٥) ثم نداء: «لعازر، هلمّ خارجًا» (١١: ٤٣).

    سابعاً: ما الذي لم يُغضبه؟

    لعل أوضح ما في هذه المشاهد هو ما لا نجده فيها. فالإنجيل يروي مواقف كان يمكن أن يغضب فيها إنسان لنفسه، ويصف يسوع فيها بغير ذلك:

    • الاتهام الباطل: حين شهد عليه الشهود زوراً أمام رئيس الكهنة، «أما يسوع فكان ساكتًا» (متى ٢٦: ٦٣).
    • الصلب: «يا أبتاه، اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لوقا ٢٣: ٣٤) — وفي المخطوطات القديمة خلاف حول ثبوت هذه الجملة في لوقا. وتصف رسالة بطرس الأولى (٢: ٢٣) موقفه العام بأنه حين شُتم لم يشتم عوضاً.
    • رفض قرية له: حين رفضت قرية سامرية استقباله، طلب تلميذان أن تنزل نارٌ من السماء عليهم، «فالتفت وانتهرهما» (لوقا ٩: ٥١-٥٥).
    • السيف: حين استلّ أحد تلاميذه السيف دفاعاً عنه ليلة القبض عليه، قال له: «ردّ سيفك إلى مكانه، لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون» (متى ٢٦: ٥٢).

    الخيط الجامع

    إذا جمعنا المواضع السابقة ظهر نمطٌ متكرر، فغضب يسوع في الأناجيل يتجه إلى:

    • قاعدةٍ تُقدَّم على الإنسان (اليد اليابسة).
    • حاجبٍ يقف بين الضعيف والله (الأولاد، وغير اليهود في ساحة الهيكل).
    • عبادةٍ تتحول إلى تجارة (الهيكل).
    • رياءٍ يحمّل الناس أثقالاً ولا يحرّكها (الويلات).

    وفي كل مرة أمران ثابتان: لا نجد في الأناجيل موضعاً يُذكر فيه غضبه بسبب إساءة شخصية إليه، وكان الغضب مقروناً بحزن أو أعقبه فعل رحمة (شفاء، أو احتضان، أو رثاء).

    ثامناً: كيف يقرأ المسيحيون هذا الغضب؟

    لا يعدّ المسيحيون غضب يسوع عيباً في شخصه. ولهم في تفسيره ثلاث قراءات متكاملة عادةً:

    • غضبٌ بلا خطيئة. التعليم المسيحي لا يقول «لا تغضب أبداً»، بل يفرّق بين نوعين. يكتب بولس: «اغضبوا ولا تخطئوا. لا تغرب الشمس على غيظكم» (أفسس ٤: ٢٦)، ويحذّر يعقوب: «لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله» (يعقوب ١: ٢٠). وفي عظة الجبل يقول يسوع: «كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم» (متى ٥: ٢٢) — وكلمة «باطلاً» ثابتة في الفانديك، وفي المخطوطات خلاف حول ثبوتها. ويقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين إن المسيح «مجرَّب في كل شيء مثلنا بلا خطية» (عبرانيين ٤: ١٥).
    • الغضب وجهٌ من وجوه المحبة. يرى كثير من اللاهوتيين المسيحيين أن من يحب المظلوم لا يقف على الحياد أمام الظلم، وأن غياب أي غضب على الأذى ليس صبراً بل لامبالاة. وهذا ما تُظهره المشاهد: غضبٌ أمام يد يابسة وأولاد محجوبين، ثم رثاءٌ على أورشليم.
    • إنسانيةٌ كاملة. يروي الإنجيل أن يسوع جاع وعطش وتعب وبكى، وكذلك غضب. وفي العقيدة المسيحية أن التجسد يعني مشاركة الحياة البشرية بانفعالاتها دون خطيئة. وقد تناولنا مسألة الطبيعتين في مقال «لماذا صلّى يسوع إذا كان هو الله؟».

    تاسعاً: اعتراضان شائعان

    «ألا يتناقض هذا مع «أحبوا أعداءكم»؟»

    تعليم يسوع «أحبّوا أعداءكم» (متى ٥: ٤٤) موجَّه إلى الأعداء الشخصيين: من يسيء إليك أنت. أما المشاهد التي مرّت فغضبُه فيها على ما يؤذي الآخرين، أمام يد يابسة وأولاد ممنوعين وناس مثقَلين. ولذلك يمكن أن نجده يغضب في هذه ويسكت أمام اتهام نفسه. ويبقى للقارئ أن يحكم: هل هذا تناقض أم اتساق؟

    «هل يبرر تطهير الهيكل العنف باسم الدين؟»

    استُشهد بهذا المشهد عبر التاريخ لتبرير العنف، ويرفض كثير من الشراح المسيحيين ذلك لثلاثة أسباب من النص نفسه: أن الروايات لا تذكر أنه آذى إنساناً، وأنه وجّه فعله إلى الممارسة داخل الهيكل لا إلى أشخاص بعينهم، وأنه في الليلة التي قُبض عليه فيها قال لمن استلّ السيف دفاعاً عنه: «ردّ سيفك إلى مكانه». ومع ذلك يبقى المشهد نصاً يقرؤه الناس بطرق مختلفة.

    عاشراً: بين الأناجيل والقرآن والسنة

    في القرآن

    لا يروي القرآن مشهد غضب لعيسى، لكنه يروي غضب أنبياء آخرين دون أن يعدّه عيباً: فموسى «رَجَعَ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا» (الأعراف ٧: ١٥٠)، و«لَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ» (الأعراف ٧: ١٥٤). ويقول عن يونس: «وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا» (الأنبياء ٢١: ٨٧)، وقد اختلف المفسرون فيمن غاضب. وفي المقابل يمدح المتقين بأنهم «الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ» (آل عمران ٣: ١٣٤)، وأنهم «إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ» (الشورى ٤٢: ٣٧).

    في السنة

    وفي السنة ما يقارب مشاهد الأناجيل بشكل لافت. ففي صحيح البخاري «باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره». ومما أورده فيه أن رجلاً شكا من إمام يطيل بالناس في الصلاة، قال الراوي:

    «فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبًا من يومئذ، فقال: أيها الناس، إنكم منفّرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة.» — صحيح البخاري، كتاب العلم (٩٠)

    ومنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ضالة الإبل «فغضب حتى احمرّت وجنتاه» (أو قال: احمرّ وجهه) (البخاري ٩١). ومن جهة أخرى، روت عائشة أنه «ما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها» (البخاري ٣٥٦٠، ومسلم ٢٣٢٧). وروى أبو هريرة أن رجلاً طلب منه وصية فقال له: «لا تغضب» ورددها مراراً (البخاري ٦١١٦)، وقال: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (البخاري ٦١١٤). ويذكر بعض الشراح — كما نقلت دار الإفتاء المصرية في فتوى «إجراءات شرعية للتحكم في سرعة الغضب وعلاجه» — أن النهي في «لا تغضب» يتعلق بغضب النفس والدنيا، أما فيما يخص الحق فقد يكون الغضب محموداً.

    ويمكن تلخيص المقارنة هكذا:

    المحورالأناجيل (يسوع)القرآنالسنة النبويةما يجمعها
    هل يُذكر الغضب صراحةً؟نعم: «بغضب» (مرقس ٣: ٥)، «اغتاظ» (مرقس ١٠: ١٤)عن عيسى: لا يُذكر مشهد. عن موسى: «غضبان أسفًا» (الأعراف ٧: ١٥٠)نعم: «فغضب حتى احمرّت وجنتاه» (البخاري ٩١)الأنبياء ينفعلون؛ وينفرد الإنجيل بروايته عن يسوع
    موضوع الغضبقسوة القلب، وحجب الضعفاء عن الله، وتجارة العبادة، والرياءموقف القوم من التوحيد بعد غياب موسىالتنفير من الصلاة، والتساؤل فيما لا ينفع، وانتهاك حرمات اللهغضبٌ على ما يمسّ الحق والضعفاء لا الذات
    الغضب للنفسلا يُذكر؛ صمت أمام المتهمين، و«يا أبتاه اغفر لهم»«الكاظمين الغيظ» (آل عمران ٣: ١٣٤)«ما انتقم لنفسه» (البخاري ٣٥٦٠)اتفاق واضح
    الحكم العام على الغضب«اغضبوا ولا تخطئوا» (أفسس ٤: ٢٦)«إذا ما غضبوا هم يغفرون» (الشورى ٤٢: ٣٧)«لا تغضب» (٦١١٦)، «الشديد من يملك نفسه» (٦١١٤)التفريق بين الغضب المنضبط والانفلات
    ما يعقب الغضبشفاء، واحتضان، ورثاء على أورشليمسكوت الغضب ثم أخذ الألواح (الأعراف ٧: ١٥٤)توجيه عملي: «فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف» (البخاري ٩٠)الغضب يقود إلى الإصلاح والتوجيه

    ما يلتقي وما يفترق

    يلتقي الطرفان في أن الغضب المحمود يكون عند انتهاك الحق لا عند الإساءة الشخصية، وفي ارتباطه بالضعفاء (الأولاد عند مرقس، و«المريض والضعيف وذو الحاجة» في الحديث)، وفي أنه يعقبه توجيه وإصلاح. ويفترقان في أن الأناجيل تعرض غضب يسوع في وجه القيادات الدينية في جماعته وفي قلب هيكلها، وفي أن يسوع يسمّي الهيكل «بيت أبي» (يوحنا ٢: ١٦). وهنا يظهر ما يدور حوله الخلاف الحقيقي بين القراءتين: لا في وقوع الغضب، بل في السؤال عن هوية من يقول «بيت أبي». وهذا سؤال لا يحسمه هذا المقال، ويتركه للقارئ.


    نصوص للقراءة المباشرة

    من الإنجيل

    • مرقس ٣: ١-٦ (اليد اليابسة)، ومرقس ١٠: ١٣-١٦ (الأولاد).
    • مرقس ١١: ١٥-١٩ ويوحنا ٢: ١٣-٢٢ (الهيكل).
    • متى ٢٣: ١-٣٩ (الويلات والرثاء)، ومتى ١٦: ٢١-٢٣ (بطرس).
    • أفسس ٤: ٢٥-٣٢ ويعقوب ١: ١٩-٢٠ (الغضب المنضبط).

    من القرآن

    • الأعراف ٧: ١٥٠-١٥٤، والأنبياء ٢١: ٨٧-٨٨.
    • آل عمران ٣: ١٣٣-١٣٤، والشورى ٤٢: ٣٦-٣٧.

    من السنة

    • صحيح البخاري، كتاب العلم، «باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره» (٩٠-٩٢).
    • صحيح البخاري، كتاب الأدب، «باب الحذر من الغضب» (٦١١٤، ٦١١٦).

    إذا قرأنا المشاهد معاً — اليد اليابسة، والأولاد، والهيكل، والويلات — لاحظنا أن الغضب لم يُذكر قط في مواجهة الضعيف، وأن كل مشهد منها يسبقه أو يتبعه لمسٌ أو شفاءٌ أو دمع.

    سؤال للتأمل هل يمكن أن يحب حقاً من لا يغضب أبداً على ما يؤذي من يحب؟ وإن كان الغضب أحياناً وجهاً للمحبة، فما الذي يغضبنا نحن، ولأجل من؟
    السابقلماذا اختفى يسوع عن الناس لمدة نحو ثلاثين عامًا؟
    التالي هل كان يسوع يضحك ويفرح؟

    المقالات ذات الصلة

    هل كان يسوع يضحك ويفرح؟

    لماذا سمح يسوع لامرأة خاطئة أن تلمسه؟

    يسوع والسُّلطة

    أحدث المقالات

    أسئلة يطرحها المسلمون

    ماذا تعلّمنا «أبانا الذي في السماوات» عن الصلاة اليومية؟

    قضايا فلسفية وتأمّلية

    أين يسوع حين أتألم؟

    أسئلة يطرحها المسلمون

    هل المسيحية دين وافد على العرب؟

    دليل المسلم لقراءة الإنجيل

    الأكثر قراءة

    أسئلة يطرحها المسلمون

    حجاب المرأة بين اليهودية والمسيحية والإسلام: فريضة أم تقليد؟

    12 زيارة
    يسوع في الميزان الإسلامي والمسيحي

    لماذا صُلِبَ المسيح؟

    4 زيارة
    يسوع في حياته اليومية

    يسوع والأطفال

    4 زيارة
    عن هذا الموقع
    عن هذا الموقع

    نضع بين يديك نصوص العهد الجديد، مع شروحات مبسطة وإجابات عن أبرز الأسئلة التي يطرحها المسلمون حول المسيحية. الهدف ليس المناظرة، بل الفهم. ليس الجدل، بل القراءة المباشرة من المصدر.

    فيسبوك
    أحدث المقالات

    ماذا تعلّمنا «أبانا الذي في السماوات» عن الصلاة اليومية؟

    أين يسوع حين أتألم؟

    هل المسيحية دين وافد على العرب؟

    ما هي المعمودية؟ ولماذا يعتمد المسيحي؟

    التصنيفات
    • أسئلة يطرحها المسلمون (125)
    • قضايا فلسفية وتأمّلية (26)
    • يسوع في الميزان الإسلامي والمسيحي (19)
    • يسوع في حياته اليومية (25)
    جميع الحقوق محفوظة © 2026 | بُني باحترامٍ لجميع الأديان

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter